مجموعة اليسر للتدريب والاستشارات تأمل من زوارها الكرام المشاركة في الاستطلاعات التي تجريها بفعالية نظرا لفائدتها العالية
مجموعة اليسر للتدريب والاستشارات هي شركة تضامن لبنانية مسجلة تحت الرقم 489 تتنشط في مجال الدورات التدريبية والمؤتمرات العلمية والتربوية والاجتماعية والادارية والثقافية والتنمية والارشاد الاسري والاجتماعي ، واصدار المنشورات المتخصصة ، وتقديم الاستشارات في المجالات المذكورة وتوقيع الاتفاقيات مع الجامعات والمؤسسات والشركات الوطنية والعالمية على انواعها والقيام بالاستطلاعات والابحاث العلمية والدراسات المتخصصة في لبنان والخارج - نتمنى لكم زيارة ممتعة
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات نقد. إظهار كافة الرسائل

09‏/12‏/2010

hعترافات علماء الاجتماع ( عقم النظرية وقصور المنهج في علم الاجتماع )

المؤلف : الدكتور أحمد خضر
الناشر : المنتدى الإسلامي. طبعة أولى عام 2000م 
من المعروف أننا نحن العرب نفاخر بان العلامة "عبد الرحمن بن خلدون" هو المؤسس والأب لعلم الاجتماع، وقد نما هذا الفرع وتوسع وانتشر وأصبح علما مستقلا بذاته، وتقوم عليه أبحاث علمية، ونجد هذا العلم من أساسيات أي كليات أدبية أو إنسانية وقلما نجد جامعة شهيرة لا تدرس هذا العلم. وعلم الاجتماع مادة مطلوبة من جميع الدارسين مهما كانت تخصصاتهم، وعليهم أن يلموا بشيء من هذا العلم .
ولكن الدكتور أحمد خضر مؤلف "كتاب اعترافات علماء الاجتماع" له نظرة أخرى، فهو يسعى لدحض فكرة أن هناك علماً اسمه "علم اجتماع"، ويذكر المؤلف أن هذا العلم ليس له وجود علمي، وإنما  هو مجموعة من الأفكار الشاطحة والمرذولة أحيانا، وأنه لا يستقيم كعلم، ويسعى في كتابه هذا ان  يقنع القارئ بدراسته هذه التي تنفي وجود علم اجتماع والغريب في الأمر أن المؤلف ليس جديدا أو غريبا أو دخيلا على علم الاجتماع، فهو أحد الدارسين له  والمدرسين فيه، وتلقى تعليمه من مصادر العلم في مصر وأوروبا ودرس في الولايات المتحدة الأمريكية، وخرج بهذه القناعة التي وضعها في كتابه، ويقول في مقدمته: "إننا لسنا بحاجة إلى علم اجتماع لا في شكله العام، ولا فيما يسمى اليوم بعلم الاجتماع الإسلامي أو أسلمة وتأصيل علم الاجتماع". 

ولكن ما هو هذا العلم الذي يدرس في كل الجامعات وله كليات منفصلة في كثير من الجامعات؟  وبماذا نسميه ؟ يقول الدكتور أحمد خضر في الفصل الثامن والذي وضع عنوانه "علم الاجتماع نزعة علمية مزيفة " : "كان أكبر وهم غرقنا فيه منذ اللحظات الأولى التي درسنا فيها علم الاجتماع  وحتى الآن هو: (النظرة إلى علم الاجتماع على أنه علم). ولو كان أساتذتنا حددوا لنا أنهم يقصدون بعملية (علم الاجتماع) أنه علم بالمعنى الواسع للكلمة، أي: (المعرفة) لخفت حدة المشكلة نوعا ما، لكنهم أكدوا لنا أنه علم بمعنى أنه منهج متخصص ووجهة نظر مشابهة لتلك التي للعلوم الطبيعية، وأنه وإن نشأ في أحضان الفلسفة فإنه الآن قد تحرر منها". ويجيب عن تساؤل القارئ عن ماذا نسمى رجالات الفكر الاجتماعي؟ وما ذا نسمي ما سبق أن كتب في هذا الموضوع؟ يجيب إجابة كافيه للسؤال فيقول في ص 128 " إن نشأة علم الاجتماع لم تكن نشأة علمية، وإن علماء الاجتماع الأوائل كانوا يلبسون ثوب الفلاسفة الأخلاقيين، وما كتب لأفكارهم البقاء إلا لأنه نظر إليها على أنها فكر يحل المشاكل. لم تكن الأفكار والمفاهيم التي صاغها كبار علماء الاجتماع الأوائل نتيجة تحليل علمي كما نفهمه هذه الأيام. كان هؤلاء الكبار يعتمدون على الحدس والتخمين العميقين. كانوا يستجيبون لما يدور حولهم كما يستجيب الفنان.  ولا يقف الدكتور أحمد خضر على إبداء رأيه هو بل يستند في دعواه هذه إلى العشرات من الشهادات العلمية والتي أدلى بها رجالات هذا العلم ذاته.
والمؤلف يأخذ كثيرا من أبحاث الأستاذ محمد عزت حجازي ويستشهد بأقواله وهو يقول : "يجب أننسلم بحقيقة بسيطة وهي أنه لا يوجد شيء اسمه علم محايد، وإذا كان هذا يصدق على العلم عامة، فإنه يصدق على علم الاجتماع بدرجة أكبر".

يقدم دراسته الشيقة هذه في واحد وعشرين فصلا ويختمها بهذا العنوان المثير للتفكير:هل تحتاج  بلادنا إلى علماء اجتماع؟
إن موضوع الكتاب يكفي للإجابة عن هذا السؤال بلا، ولكن المؤلف يستعين بأقوال كتاب ومفكرين آخرين ويقدمها للقارئ ليقنعه بما يراه، فيقدم رأي الصحفي : سعد الدين إبراهيم الذي يقول في ص 316 " نادرا ما يجد طالب المعرفة إنتاجا سوسيولوجيا يطفئ ظمأه لفهم الواقع العربي المعاصر بصورة منضبطة أو موضوعية أو شاملة أو حتى جزئية … ويواصل سعد الدين حملته على علم الاجتماع ويقول: إن "علينا الاعتراف بأن مجتمع المشتغلين بعلم الاجتماع في بلادنا لا يشكل مجتمعا مهنيا حقيقيا، وإنما هم جماعات مصالح، وشلل تتصارع مع بعضها، ويسيطر أحدها على الآخر، وإن تنشئتهم المعيبة أدت بهم إلى اللامبالاة والسلبية، وعودتهم على الوصولية والانتهازية. 
ولابد للقارئ أن يتساءل عن ما هو العلم الذي يدرس بدلا من هذا العلم الملغي : يقول الدكتور  خضر: إنه يجب تدريس الإسلام، فالإسلام هو العلم الشامل الكافي لحراسة المجتمع ونموه وتطويره، وهذا الإسلام قادر على تشخيص أمراض المجتمع وعلاجها. 
الكتاب يحتاج إلى علماء الاجتماع ليردوا عليه فان اتهاماته للعلم ذاته قوية وتحتاج إلى عالم آخر  يستطيع أن يرافع مرافعة علمية عن هذا العلم المتهم بالضبابية! 
ونحن نقدم للقارئ الفصل الأول من هذا الكتاب ليتعرف بنفسه على أفكار الكاتب ومداخلاته التي بنى عليها أفكاره المغايرة لما هو معروف عن علم الاجتماع.

الفصل الأول
علم الاجتماع: شعوذة الأزمنة الحديثة
هناك عدة حقائق أقر بها رجال الاجتماع في بلادنا وفي بلاد الغرب:
الحقيقة الأولى: هي أن علم الاجتماع هو شعوذة الأزمنة الحديثة. أقر بهذه الحقيقة الطاهر لبيب الأستاذ بالجامعة التونسية في معرض حديثه عن موقف بعض المجتمعات الغربية من علم الاجتماع، وتخوفه من نقل هذا المفهوم إلينا، ودعا غيره من رجال الاجتماع إلى الحد من الانبهار الساذج والتوكل الكلي على علم الاجتماع كمواقف تجعل منه عصا سحرية علمية.
من المسلم به أن علم الاجتماع يساعد على بلورة اهتمامات وقيم الطلاب الذين يلتحقون بأقسام الاجتماع بتوقعات وأمال عريضة، يريدون أن يلمسوا قضايا المجتمع الحقيقية، فيجدون أن المحاضرات والمؤلفات والكتب والمداولات والنقاشات تنتمي إما إلى مجتمعات غربية أو شرقية، وفوق هذا لا يجدون في المقررات الدراسية والأنشطة العلمية ما يروي غليلهم، فيصابون بالإحباط وخيبة الأمل، ثم يفاجئون بأن سني أعمارهم ضاعت في شعوذة باعتراف أساتذتهم وأئمة أساتذتهم من علماء الغرب، ومما يؤكد لهم ذلك أنهم يتخرجون فيجدون أنفسهم غير فاهمين للمجتمع، وعاجزين عن التعامل معه في ضوء ما تعلموه.
الحقيقة الثانية: هي أن تدريس علم الاجتماع في بلادنا لا يعد ضرورة من ضرورات المعرفة والواقع، وأنه لو ألغي هذا الاختصاص من جامعاتنا فإن غيابه لن يكون نقصاً ولا تخلفاً معرفياً.
أقر بهذه الحقيقة الطاهر لبيب أيضاً. كما أقر بها كذلك سعد الدين إبراهيم الأستاذ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. اعترف سعد الدين إبراهيم بأنه لو افترض أن اختفى كل علماء الاجتماع العرب فجأة فإنه لا شيء يمكن أن يحدث للمجتمع سلباً أو إيجاباً.
أقر هذا الأستاذ أيضاً بأن الرغبة (وليس الضرورة) هي مبرر ظهور علم الاجتماع وعلماء الاجتماع، وهي مبرر وجوده ووجودهم، واستمراره واستمرارهم. أقر كذلك بأن الفهم الذي يقدمه علم الاجتماع ليس هو الفهم الوحيد، وإنما هناك أفهام أخرى قديمة وحديثة، بمعنى أن علم الاجتماع ليس هو العلم الوحيد الذي يحتكر تقديم الفهم عن المجتمع. شارك محمد الجوهري الأستاذ بجامعة القاهرة سعد الدين إبراهيم في ذلك، وقال: إن علم الاجتماع لا يستطيع تقديم صورة كاملة وشاملة عن الإنسان والمجتمع، وأن تصوره لهما جزئي ويمثل وجهة نظر واحدة. وأقر غيرهما من رجال الاجتماع أن دور علم الاجتماع في بلادنا هزيل ومنحصر في التلقين والتدريس خلف أسوار الجامعة، وأنه ليس إلا صورة مرتعشة مهزوزة لمنتج مهزوز تم في مجتمعات أخرى، ولصالح مجتمعات أخرى – ضد مصالحنا بالطبع -، غير قادر على متابعة التغيرات التي تحدث في مجتمعاتنا ذاتها. الناس في بلادنا – بما فيهم الجهات الحكومية والمؤسسات الخاصة – لا تضع هذا العلم، وأهله في مكانة رفيعة، ولا تسند إليهم مهام إجراء بحوث أو اقتراح حلول أو المشاركة في اتخاذ قرارات، وكيف يسند إليهم ذلك والناس ترى ضحالة ما يعالجونه وسطحية ما يعالجونه، إلى درجة أن منهم من كان يدرس (القهوة العربية السادة) ووظيفتها الاجتماعية عبر التصورات المنهجية والأطر النظرية للباحثين الغربيين.
يقر رجال الاجتماع في الغرب بأن علم الاجتماع ليس صادقاً كميدان للمعرفة، وأن 95% من دراساته بالأشكال غير المنطقية من السلوك، ورغم ذلك فإن هذا لم يمنعهم من وضع أغلب أحكامهم في إطار منطقي. المفاهيم في علم الاجتماع تعالج كحقائق بسيطة بدون معنى ثابت وواضح. كل مفهوم في علم الاجتماع له العديد من المعانـي.
الحسن والقبيح ليس بأنماط مختلفة من السلوك، وإنما هما درجات مختلفة لاسم واحد. الطـلاق، الانتحـار، السفاح، وأبناء الزنا، كل ذلك مفاهيم ذات ظلال مختلفة، لها معان واسعة. القبيح في علم الاجتماع قد يصبح حسناً، والحسن قد يصبح قبيحاً. ليس هناك من اتـجاه اجتماعي يمكن أن يستمر في نفس الخط دون نهاية.
حديث رجال الاجتماع عن التنبؤ مبالغة غير منطقية، فعلماء الغرب – أصحاب هذه القضية ذاتها – يعترفون بأنه لا يمكن التنبؤ بالمستقبل في أي زمن، ولا أحد يعرف ما الذي سيحدث غداً، وأفضل ما في جعبة علم الاجتماع لا يستطيع أن يضمن ذلك.
البناء الفكري العام لرجال الاجتماع في بلادنا يتميز بالتشتت والتشوه. يغيرون أفكارهم مع تغير سياسة الدولة، ومع انتقالهم من مجتمع عربي إلى آخر يدفع أكثر. إنهم يعترفون بأنهم غير قادرين على تشخيص واقع مجتمعاتهم تشخيصاً دقيقاً. إنهم مشغولون بانتماءاتهم الأيديولوجية، يخشون على مستقبلهم المهني، ومهاجمة بعضهم البعض، ينفون عن بعضهم البعض ما يسمونه بالقيم العلمية والأمانة والدقة، ويتهمون بعضهم بعضاً بالاستسهال والتمركز حول الذات، وتجاهل أعمال الآخرين، وإعادة إنتاج ما سبق إنتاجه، والإخلال بما يسمونه بأسس البحث العلمي النظري والمنهجي والميداني واللغوي، والتخلف عن متابعة الإنتاج العالمي. كل منهم يدعي أنه بداية العلم الحقيقي وحامل شعلته، يتهمون بعضهم بالتبعية وهم من ناقليها... إلخ.
الحقيقة الثالثة: هي أن النزعة العلمية في (علم الاجتماع) نزعة مزيفة، وأن الشروط العلمية التي حددها العلماء في أي معرفة لكي تكون علماً لا تتوافر في علم الاجتماع.
إن هـذا العلم مرتبط بأسماء أشخاص معينين، هم الذين اخترعوا نظرياته ومدارسه، يرجع إليهم دائماً وليس إلى علم محدد. إنه ليس بعلم دولي ولا بالمعنى الدقيق لكلمة علم. نشأة علم الاجتماع ليست نشأة علمية، وأصحابه لا يشعرون في قرارة أنفسهم بأنهم علماء. استخدام (علم) الاجتماع لمناهج العلوم الطبيعية وللإحصاء وللرياضيات لم يحقق له خصائص العلم. لم يتحقق حلمه في التوصل إلى القوانين التي تحكم حركة المجتمع. الأحكام التي توصل إليها احتمالية ترجيحية تعكس أهواء مطلقيها وميولهم ومصالحهم.
الحقيقة الرابعة: هي أن علم الاجتماع (علم) عقائدي ليس بالمحايد، وأنه استعماري بطبيعته، وذو صلة بأعمال المخابرات، هدفه الأول ضرب الدين والعقيدة بصفة عامة، والإسلام وشريعته بصفة خاصة.
أقر (جاك. بيرك) بأن علم الاجتماع علم استعماري، وأقر رجال الاجتماع في بلادنا بأن علم الاجتماع أعد بحثاً وتدريساً ليكون عقل رجال الاجتماع العرب تابعاً للعقل السوسيولوجي الغربي سواء في منهجية التفكير أو تصور مهام علم الاجتماع، وأنه حينما رحل الاستعمار من بلادنا ترك وراءه من الترتيبات المؤسسية والفكرية ما يعيد سيطرته وهيمنته والتبعية له. وفي المغرب العربي كان علم الاجتماع في خدمة الاستعمار الفرنسي، وارتبط ارتباطاً مباشراً بأجهزة المخابرات. تركزت أهدافه منذ نشأته في محاربة الإسلام وشريعته، وتشجيع ملامح الحضارة المغربية ما قبل الإسلام. ساهم علم الاجتماع في تحقيق الأهداف الفرنسية الرامية إلى تعميق الهوة بين العرب والبربر، والعمل على تطوير البربر في اتجاه الحضارة الغربية وليس الإسلام. عمل على إعادة تركيب وتنظيم حياة المغرب العربي في ضوء المرئيات الاستعمارية. اهتمت المؤسسات الأمريكية في بلادنا اهتماماً خاصاً بترجمة مراجع علم الاجتماع الغربي التي تحتوي أفكاراً مضادة للدين وللعقيدة. أشرفت مؤسسة فرانكلين على سبيل المثال على طبع كتاب (المجتمع) لمؤلفيه (ماكيفر وبيج)، لاقى هذا الكتاب رواجاً كبيراً. نظر هذا الكتاب إلى تفسيرات الدين على أنها تفسيرات جامحة لابد أن ينقيها العلم. دعا إلى دين عالمي من صفاته أنه دين بلا جهاد، ولا يقوم على مبدأ الإيمان أو الكفر. نظر المؤلفان إلى الدين على أنه يفرق الشعوب ويقطع أوصال الشعب الواحد، ويعتبر أنه عقيدة ضيقة الأفق غير متسامحة لا تستند إلى العقل. يريد المؤلفان ديناً بلا سلطة أخلاقية، لا يحدد القواعد الخلقية للناس، لا يمنع الاحتكار ولا الربا، يسعيان إلى أخلاق تحررية تنبثق من ضمير الفرد. روج المؤلفان للمذهب الإنساني الذي يعني التخلي عن أحكام ما فوق الطبيعة المتعلقة بالخلق، والجنة والنار.. ويجتمع الناس على قواعد الأخلاق الاجتماعية وليس على أساس الدين والمعتقدات. الإنسان في علم الاجتماع هو ناتج الواقع يحدد له مصيره وينشئه ويحركه كيف يشاء، ولهذا فإن عليه أن يخضع لقوى المجتمع ومعاييره. والإنسان في علم الاجتماع أيضاً هو خالق الواقع كما أنه ناتج له في نفس الوقت. المجتمع يصنع الإنسان، والإنسان بدوره يصنع المجتمع. دراسة المجتمع عند بعض العلماء تبدأ من الفرد وفي داخل الأفراد وليس في أي نطاق آخر يمكن العثور على النظم.
المعنى الحقيقي لعلمية علم الاجتماع هو عدم إقراره بوجود قوة أوجدت العالم وسيرته وتحركه وفق إرادتها. إنه لا يرتبط مطلقاً بما هو روحي وما هو ديني. الروحي والديني أحد موضوعات دراسته، يتحكم هو فيها ولا تتحكم هي فيه، إنه (علم) ولهذا لا يؤمن إلا بالملاحظة والتجربة العلمية.

مصادر علم الاجتماع الثلاثة هي نفس مصادر الحضارة الغربية: المنهل اليوناني الروماني، والمنهل اليهودي المسيحي، والبيئة الأوربية ذاتها.
علماء الاجتماع الغربيون يرون أن الغرب كان يعبر عن نفسه يوماً بالدين. أما اليوم فإن الدين عندهم (معتقدات عتيقة)، ولهذا استعان الغرب بالعلوم الاجتماعية كبديل عن هذه المعتقدات العتيقة، وتحول الدين عندهم إلى موضوع للبحث الاجتماعي والتاريخي، وإلى تراث يمكن إخضاعه للدراسة. خاض علم الاجتماع معركته ضد الدين ووصف علماؤه هذه المعركة بأنها بالغة القسوة والضراوة، وتصوروا أن النصر الحاسم كان حليفهم.
البناء الحالي لعلم الاجتماع يرجع بصورة أو بأخرى إلى الأفكار التي صاغها رواد مبكرون مثل (باريتو) الإيطالي، (ودور كايم) الفرنسي، و (ماكس فيبر) الألماني. الأول (كاثوليكي)، والثاني (يهودي)، والثالث (بروتستانتي).
كانت لكل واحد منهم الرغبة في أن يكون عالماً، وكانت العلوم تمثل بالنسبة إليهم فكرة النموذج الذي يهيء التفكير المحدد أو التفكير الصحيح، وهم كعلماء اجتماع كانوا يرون أن المجتمعات يمكن أن تحافظ على تماسكها من خلال معتقدات مشتركة، إلا أنهم وجدوا أن هذه المعتقدات قد اهتزت نتيجة نمو التفكير العلمي خاصة في الوقت الذي ظهر فيه أن هناك تناقضاً متزايداً بين الدين والعلم لا يمكن حسمه. اعترف الثلاثة بوجود هذا التناقض.
انتمى ( دور كايم ) إلى التفكير العلماني، ووجد أن التفكير الديني لم يعد قادراً على مواجهة ما أطلق عليه: الروح العلمية. كما رأى أن أزمة المجتمع الحديث تكمن في أنه لم يستطع استبدال الأخلاقيات القائمة على الدين بأخلاقيات قائمة على العلم، وكان يرى أن علم الاجتماع يستطيع أن يعاون في إقامة هذه الأخلاقيات.
أما ( باريتو ) فقد كان يصر طوال حياته أن يكون عالماً، وقاده هذا الإصرار إلى تكرار قوله بأن القضايا التي يمكن التوصل إليها عن طريق المنهج التجريـبي هي وحدها العلمية، وكل القضايا الأخرى وخاصة الأخلاقية والميتا فيزيقية ليس لها أي قيمة علمية.

كان ( ماكس فيبر ) ينتمي إلى عائلة دينية، لكنه كان غير مؤمن وإن أبدى احتراماً عميقاً للعقيدة الدينية. صُنِّف ( فيبر ) من قبل علماء الاجتماع كفيلسوف وجودي.
فرضت مشكلة العلاقة بين العلم والدين نفسها على الرواد الكبار الثلاثة، قال(دور كايم): (إن العلم يستطيع أن يفهم الدين وأن يفسر قيام معتقدات دينية جديدة).
(باريتو) أجاب على المشكلة بطريقة ساخرة فقال: (لا تحفل بالدين ؛ لأن الرواسب لا تتغير، وسوف تنشأ معتقدات جديدة دائماً ).

أما (فيبر) فقد كان يرى أن التناقض قائم بين مجتمع يقوم على العقلانية وبين الحاجة إلى الاعتقاد والإيمان، يقول فيبر: (إن الطبيعة كما يفسرها العلم وكما تعالجها التكنولوجيا ليس فيها متسع لسحر الدين وأساطيره القديمة. يجب أن ينسحب الإيمان ليعيش في عزلة مع الضمير).
وجه العلماء الثلاثة النظر إلى علم الاجتماع كمفهوم لعلم الفعل الجمعي، ورأوا أن الإنسان كمخلوق اجتماعي وديني هو خالق القيم والنظر، وأن الدين لا يمكن أن يكون أساس النظام الاجتماعي مرة أخرى.
هذا بالنسبة للرواد الكبار. أما العلماء المعاصرون فقد ساروا في نفس منهج هؤلاء الرواد. (تالكوت بارسونز)من أبرز علماء الاجتماع المعاصرين الذين أحدثت نظرياتهم دوياً شديداً في أمريكا وأوربا على السواء. ولا يخلو كتاب في علم الاجتماع في بلادنا من الإشارة إليه والكتابة عنه. كان (بارسونز) يرفض الدين بعنف. ويقول (روبرتسون) في مقالته عن تالكوت بارسونز والدين (Sociological Analysis, 1982, p. 283): (إن حديثنا عن الدين يعني العودة لموضوع رفض باسونز الإيمان به بثبات، وأنه بالرغم من عدم إيمانه بالدين فقد كتب فيه ما لم يكتب أي عالم اجتماعي آخر، وساهمت دراساته عن الدين في توجيه الباحثين الآخرين بدرجة ساعدتهم على فهم الدين بالرغم من أنه لم يدرسه وصولاً إلى الحقيقة، وإنما درسه من زاوية علاقته مع المظاهر الأخرى للحياة الإنسانية).
ويقر رجال الاجتماع في بلادنا بأن (ماركس) كان واحداً من المفكرين الكبار الذين ينسب (بارسونز) إليهم أطره النظرية.
اعترف العلماء الغربيون بأن إخضاع الدين للدراسة العلمية من شأنه أن يحطم الإيمان الديني، ويعني نهاية الدين ؛ لأن الافتراض الأساسي الذي قامت عليه قضايا علم الاجتماع هو: العلم المحسوس، والخبرة الحياتية، والدراسات الإنسانية بكاملها، تقوم على مبدأ أن حل مشكلات الإنسان تكمن في داخله وفي فهمه لنفسه قبل أن تكمن في خارجها، ومن ثم حدث انفصال واضح بين الواقع والقيم حتى في البحوث الاجتماعية تحت دعاوى الموضوعية والدقة المنهجية.
قام رجال الاجتماع في بلادنا بنفس ما قام به علماء الغرب، فطبقوا الفكر العلمي على قضايا الإنسـان والمجتمـع والدين، ففهموا الإسـلام في ضوء التراث الغربي،فخرجوا لنا بصياغات غريبة عن الشكل الأول للدين، وقالوا إن الدين يجب أن يبدأ بتجربة حسية، وإنه يمكن رده إلى عنصر معروف حولنا، وإن الناس هم الذي يضفون على الظواهر الطبيعية قداسة من عندهم حيث يثير فيهم مشاعر غير عادية. قالوا لنا إن الدين انبثاق من الواقع بأبعاده السياسية والاقتصادية والتاريخية. اعتبروا (الله) فكرة وحـالة نفسية. أطلقوا نفس المصطلحات الغربية على كل ما يتعلق بالدين، مثل: 
(المتعالي، وما فوق الطبيعي، والطقوس... إلخ). تحول الإسلام عندهم إلى دين يكرس الطاعة لتقاليد جامدة. والمؤمن عندهم مثقل بالتقاليد الدينية التي ترسخت في عصور التخلف. التفكير الغيـبي عندهم تفكير سلفي رجعي مغرق في متاهات الماضي. أطلقوا على النبي صلى الله عليه وسلم صفة (الكارزمية) ـ كما أسماها (ماكس فيبر) ـ، بمعنى أنه يملك جملة من القدرات الخارقة للعادة، وأن له موهبة السلطة والزعامة والقدرة على تحريك الأحداث والأفراد في الطريق الذي يريده، وأن المسألة ليست مسألة وحي من الله بقدر ما هي صفات خاصة له. النبي عندهم ينشر دعوته نتيجه لإحساس أو هاجس عميق بمأساة الإنسان والمجتمع في عصره.
العلوم الاجتماعية ليست علوماً محايدة، إنها علوم عقائدية. لا يوجد هناك شيء اسمه علم محايد، وإذا كان يصدق ذلك على العلم عامة فإنه يصدق على علم الاجتماع بدرجة أكبر. أقر بذلك ( عزت حجازي )، وأقر به ( غالي شكري )، ونقله ( حيدر إبراهيم ) عن ( إدوارد سعيد ) الذي سلم بأنه ما من أحد ابتكر أبدا طريقة لفصل الباحث عن ظروف الحياة وعن حقيقة انشباكه، واعياً أو لا واعياً، في طبقة ومعتقدات ومنزلة اجتماعية. 
النظريات الغربية ـ كما يقول ( عادل حسين ) ـ نظريات عنصرية تقوم على الإحساس بالتفوق والهيمنة، تبرز سيطرة الغرب الأقوى على النظام العلمي المستند إلى تقسيم دولي ينظر إلى التنظيمات الاجتماعية غير الغربية بأنها أدنى، وغير قابلة للتجديد والتطور، وأن على الغرب مهمة تاريخية هي العمل على تحديث العلم وتمدينه.الحضارة عندهم احتكار للبيض الذين هم أرقى الأجناس. الغرب هو الغاية الوحيدة للتقدم الإنساني عند ( دور كايم )، وتفوق الغرب مسلمة من مسلمات ( ماكس فيبر ).
صورت لنا العلوم الاجتماعية على أنها علوم عالمية تقوم على الموضوعية، وتعتمد على قاعدة قوية من المعلومات عن سائر المجتمعات البشرية. وهذا تصور أو إدعاء غير صحيح؛ لأنها تعتمد فقط على خبرة المجتمعات الغربية وحدها. قبلنا النظريات الغربية في بلادنا على أساس أنها علم، تعتمد على المنهج العلمي الذي يقوم على الاستقراء والملاحظة لا على الحدس والميتافيزيقا والقول المأثور. صورت لنا النظريات الغربية – كما يقول (جلال أمين) – على أساس أنها تتجاوز حدود الزمان والمكان وواقع الأمر، إنها كانت تنقل لنا تحت ستار العلم قيم العالم الغربي وأفكاره ليس لصالح العلم وإنما لصالح دول الغرب. تخلينا عن ديننا وعن عقيدتنا وعن تصوراتنا عن الكون والإنسان والحياة واستبدلناها بقيم الغرب وأفكاره وتصوراته وأخلاقياته، لنكتشف في النهاية أن ما يدعونه بالنظريات الغربية لا علاقة لها بالعلم.
"الإنسان هو محور الكون"، العمل يجب أن يكون منطلقاً من الإنسان وليس من الله، "هذه هي النقطة المركزية في كل النظريات الغربية. وهذا في حد ذاته يتناقض جذرياً مع المسلمة الأولى في حياتنا وهي أن الله هو محور الكون"، نقطة الانطلاق تبدأ منه وتنتهي إليه.
الحقيقة الخامسة: أن رجال الاجتماع في بلادنا لا ينتجون علماً حقيقياً: وإنما يستوردون الأفكار ويستهلكونها دون تبصر كما يستهلكون قطع غيار السيارات وأجهزة التكييف. النظريات التي يدرسونها في قاعات المحاضرات ذات أهمية فقط في البلاد التي نشأت فيها، وليس لها أهمية في بلادنا، نقلت إلينا دون إعمال الفكر في مدى انطباقها على أوضاعنا، ولم تفرض عليها أي تحفظات عند تدريسها، تعكس نظرة وأيديولوجية وفلسفة مجتمعاتها دون سواها.
هناك أربع مراحل كبرى للتطور العالمي الذي طرأ على علم الاجتماع لا شأن ولا دخل لنا بها.
المرحلة الأولى: بدأت منذ حوالي الربع الأول من القرن التاسع عشر في فرنسا أهم من أسهموا فيها سان سيمون وكونت.
المرحلة الثانية: هي الماركسية التي تبلورت في حوالي منتصف القرن التاسع عشر وعبرت عن جهد معين للارتقاء بتراث المثالية الألمانية وإدماجه بنماذج أخرى من التراث كالاشتراكية الفرنسية وعلم الاقتصاد.
المرحلة الثالثة: تمثل علم الاجتماع الكلاسيكي الذي تطور قبل الحرب العالمية الأولى، وهي مرحلة توفيق وإدماج بين الوضعية والماركسية.
المرحلة الرابعة: هي مرحلة الاتجاه الوظيفي البنائي الذي تبلور في الثلاثينيات في الولايات المتحدة عن طريق جماعة من الدارسين الشبان أمثال بارسونز وكنجزلي دافيز وغيرهما.
هذا التطور نحن لا شأن لنا به، ورغم ذلك فإن مؤلفات رجال الاجتماع في بلادنا تنقل لنا فكر هذه المراحل وتترجمه لنا، الرسائل الجامعية تعج به تشكلاً ومضموناً ولغة وطريقة في التفكير. ولأن بلادنا يتمتع فيها الأجنبي بامتيازات لا حدود لها، ترسخ في شعورنا احترام مبالغ فيه لكل منجزات الأجنبي، فسهل عليه أن يبيع بضاعته الفكرية كما يبيع بضاعته المادية، وصور لنا فكره على أنه نتاج إنساني عام أو ثمرة للتقدم المادي الذي لا ينتسب لحضارة دون أخرى أو ثقافة بعينها، وسهل عليه إخفاء تحيزاته وميوله ونزعاته 
التي طبعت إنتاجه المادي والفكري. في هذا الجو قبلنا كل ما أنتجه هذا الفكر الغربي والهزيمة النفسية تملؤ حياتنا _ على حد قول جلال أمين _.
سار رجال الاجتماع في بلادنا وراء التقسيم المعروف لنظريات علم الاجتماع: نظريات الصراع، ونظريات التوازن، وتباينت رؤى باحثينا بين هذين الاتجاهين من النظريات.
في القاهرة والرباط وتونس وبغداد ودمشق واليمن ودول الخليج نشاط ملحوظ ومسموع لرجال الاجتماع الذين يتأرجحون بين هذين الاتجاهين. ينقلون هذه الأفكار ويعرفون بأن دورهم هو دور النادل الذي يقدم الطعام دون أن تكون له أية مسؤولية في ظهوره. فهم لم يشاركوا في صياغة هذه النظريات التي تبنوها ويرددونها بشكل آلي. يبررون أخذهم لهذه النظريات بأن الحضارة الإنسانية لا تتوقف عن المسير، ونحن نعطي لها ونأخذ منها، ونسترد بعضاً من وديعتنا، عندها وتحت هذا الستار شوهوا الحقائق والتاريخ، فقالوا: إننا أخذنا من الإغريق فأبدعنا حضارة عربية إسلامية زاهرة، وإنه بإمكاننا أن نرسم خطوات الحركة لمستقبلنا في أي اتجاه نشاء في ضوء ما نتعلمه منهم.
النتيجة المحزنة التي وصلنا إليها أن كل ما كتب عن مجتمعاتنا العربية والإسلامية انطلق من مفاهيم غربية، وما كانت الماركسية والدور كايمية والفبرية والوظيفية إلا نتاجاً لتاريخ المجتمعات الغربية، وأصبح تمركزنا حول هذه المجتمعات واضحاً وبيناً. تحركت بحوثنا الاجتماعية في ضوء هذه النظريات، وأضاع باحثونا أوقاتهم وجهودهم في بحوث منطلقها أجنبي، فحصلوا الحاصل وانقطعت أنفاسهـم لإثبات بديهيات نائية منذ عهد بعيد، ونقلوا لمجتمعاتنا استنتاجات تحققت فعلاً في مجتمعات أخرى وفي ظروف متباينة عن ظروفنا.
أقر رجال الاجتماع في بلادنا بهذه الحقائق الخمس، ولكنهم لا زالوا يأملون في أن استخدام علم الاجتماع سوف يمكنهم من تحقيق أهداف وأنماط ثقافية معينة. لا زالوا يأملون من علم الاجتماع أن يجيبهم عن كل ما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية، والتنظيم، والتشريع، ومناهج التعليم، وإعادة صياغة وبناء العلاقات، والقيم، والنظرة إلى الحياة،.. ومواجهة كل المعوقات، والرواسب، والمشاكل، وتشكيل وعي الناس... إلى آخر هذه القائمة من الأماني التي لم ولن تتحقق أبداً.
العديد من رجال الاجتماع في بلادنا تعلموا في الولايات المتحدة، وعادوا إلينا بهذه الأماني. ذهبوا إليها على أنها البلد المسؤول عن التقدم العلمي في كثير من ميادين العلوم الاجتماعية المطلوب تحقيقها في بلادنا. لننظر ما يقوله الأمريكيون أنفسهم. 
يقر الأمريكيون إن الآلاف المؤلفة من البحوث الاجتماعية التي أجروها ونشروها لا قيمة لها من وجهة النظر العلمية، وأنها لم تضف جديداً إلى رصيد المعرفة الإنسانية. إنهم ينفقون ملايين الدولارات على البحوث الاجتماعية ويشجعون الباحثين الاجتماعيين بالمنح الضخمة، وينتهي كل ذلك إلى ركام من الحقائق الجزئية التي لا رابط بينها.
يعترف الأمريكيون بحرصهم على الوضعية المتعصبة، وبأنهم يفصلون المفاهيم عن القيم الدائمة، وأن الكثير من الذي يدرس في علم الاجتماع غير ذي فكر عميق. يقول القليل عن أي شيء يتعرض له، وأنه أشبه بحوض فقاعات كبير مقبول ظاهرياً. لا يدخل أي من موضوعاته تحت إطار التحقيق العلمي المعتنى به. كتب المداخل في علم الاجتماع تجمع رطانات عديدة والقليل منها هو الذي يعطي تفسيرات منطقية جادة.
يقر العلماء الأمريكيون بأن علم الاجتماع الأمريكي يعاني من فقر في استخدام الحقائق والخبرات التاريخية، والافتقار إلى الارتباط بالأحداث الكبرى المهمة، وأنه يعبر عن خبرة المجتمعات الأوربية أكثر مما يعبر عن خبرة المجتمع الأمريكي نفسه. يقوم علم الاجتماع الأمريكي على حسابات رياضية، ويهمل التحليل، ويجمع الحقائق طبقاً للمفهوم الشعبي والتفسيرات الشعبية. توسع الأمريكيون في إعداد علماء اجتماع ولم يصاحب ذلك ارتفاع في المستوى العلمي. هناك أكثر من عشرة آلاف عالم اجتماع أمريكي لكل منهم علم الاجتماع الخاص به.
هذه هي اعترافات علماء الاجتماع الأمريكيين، فماذا يقول رجالنا الذين تخرجوا من تحت أيديهم؟
الماركسية سقطت في مهدها، لكن الماركسيين في بلادنا باقون. وأبلغ رد عليهم هو سقوط أيديولوجيتهم جهاراً نهاراً، ورغم ذلك لا زالت عندهم قناعة بها. يرفضون الدين والعقيدة. ينظرون إلى العقيدة على أنها جامدة سرمدية. المتدينون عندهم يخفون روحاً عدوانية، ويستخدمون قوى اجتماعية وسياسية يحمون بها مصالحهم. يفرقون بين ما يسمونه بالثقافة العـربية وبين الثقافة السائدة التي يقصدون بها الإسلام، يؤمنون بالأولى، أما الثانية فهي عندهم دخيلة ومفروضة، اضطر مجتمعنا إلى قبولها بوعي وبلا وعي. وسعوا مفهوم التراث حتى لا يفهم منه مجرد الدين والعقيدة، وليميزوا بين ما يسمونه بالأصيل والدخيل من التراث. رغم أن كل همهم هو كسر احتكار الفكر الغربي وعدم التقيد بمفاتيح التحليل الغربي، فإنهم يعتبرون أن المعركة الحقيقية لهم هي مع الإسلاميين التي ستنتهي عندهم إما بانتصارهم أو بانتصار خصومهم.
الماركسية – كما يقول (جرامشي) -: نظرية فلسفية عن العالم، تضم العناصر الأساسية الضرورية لإقامة تصور كلي وشامل عن العالم. وهي في نظره فلسفة شاملة ونظرية موجهة، وقانون لكل ما يحتاجه المجتمع لكي يحقق تنظيمه المنشود، ورسالتها المقدسة إقامة حضارة جديدة.
يفرق الماركسيون في بلادنا بين الماركسية وعلم الاجتماع الماركسي، وإن كان بعضهم لا يعترف بالأخير. المهم هنا أن نبين الآتي:
إن أحدث ممثلي مدارس علم الاجتماع مثل (هايبرماس) و (فيلمر) قد تخلوا عن الماركسية. أما (كورش) الذي كان قد صاغ المبادئ الأساسية للعلاقة بين الماركسية والنظرية الاجتماعية المعاصرة في مقال شهير له في عام 1937 فقد تخلى عن الماركسية في أواخر حياته، وقال ما نصه: (لم يعد من المفيد الآن طرح قضية الصدق النظري لكتابات ماركس وأنجلز ، ذلك أن كل المحاولات التي سعت إلى إعادة صياغة النظرية الماركسية على نحو تتلاءم مع أهداف ثورة الطبقة العاملة قد باءت بالفشل).
كما اعترف بعض الباحثين الماركسيين من رجال الاجتماع في بلادنا بالآتي:
(1) إن الفكر الماركسي قد عجز عن ملاحقة التغيرات المتلاحقة، ومن ثم فقدت مفاهيمه وتصوراته قدرتها على تفسير المواقف المختلفة.
(2) إن السبب في جمود الفكر الماركسي يعود إلى ضيق نطاقه وجمود مفاهيمه ومقولاته.
ومثال ذلك الآتي:
أولاً:إن علم الاجتماع الماركسي فشل في تفسير التغيرات التي طرأت على البناء الاجتماعي في البلاد الرأسمالية، حيث تطور النظام الرأسمالي في غير الاتجاه الذي تنبأ به ماركس.
ثانياً: إن علم الاجتماع الماركسي قد عجز عن فهم التغيرات التي حدثت في المجتمعات الاشتراكية ذاتها، والتي يخضع الاقتصاد والصناعة فيهما لسيطرة الدولة، فأدى هذا إلى الشك في الأهمية التي أعطاها ماركس للملكية الخاصة.
ثالثاً: عجز علم الاجتماع الماركسي عن فهم قضية استغلال الدول المتقدمة للدول المتخلفة، فبالرغم من أن شعوب العالم الثالث تمثل بروليتاريا عالمية، وأن الطبقة العاملة في الدول المتقدمة تشكل طليعة النضال عند ماركس، فإن الأخيرة تشارك في عملية استغلال قرينتها في هذه الدول المتخلفة.
ورغم هذا الفشل على المستوى النظري والعملي محلياً ودولياً فما زالوا يأملون في انتصار شعوذتهم.

إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

خرافات صهيونيه (المحرقه واصل اليهود الاشكانزيم ومساهمه اليهود فى بناء لاهرامات)



د.صبرى محمد خليل
(1)الهولوكوست(المحرقه)بين النفى والاثبات
• الإبادة النازية لليهود هي حدث تاريخي وضعه النازيون لحل المسألة اليهودية بشكل جذري ومنهجي عن طريق إبادة اليهود أو تصفيتهم جسديا.
•ولكنها على مستوى صناعة الهولوكست تحولت إلى أسطورة محاطة بهالة مقدسة تم توظيفها لبناء دولة الكيان الصهيوني ،وابتزز الغرب، والتستر على جريمتها بالاستيلاء على ارض فلسطين.
•ونستند الى الباحث الأمريكي اليهودي المعادي للصهيونية "نورمان فنكلستين" في كتابه صناعة الهولوكست The Holocaust Industry الصادر مع بداية الألفية الجديدة والذى تناول الموضوع بموضوعيه تجرد رغم انه يهودى ورغم أن أباه وأمه من الناجين من معسكرات الاعتقال النازية.
•في كتابه هذا يذهب نورمان فنكلستين في عكس الاتجاه الذي ذهب إليه بعض الذين شككوا في صحة المحرقة اليهودية. 
ولكنه قام اولا بتصحيح بعض المفاهيم عن المحرقه:
•اوضح ان تأكيد اليهود على ان الاباده كانت مقصوره عليهم غير صحيح االنازيه فقد امتدت لتشمل الغجر والمعوقين والشيوعيين والبولنديين...
•كما اوضح ان تاكيد اليهود ان العالم كله تامر على اباده اليهود غير صحيح وينقل القول"الاباده طريق شيده الحقد وعبدته اللا مبالاه".
ثم بين كيفيه توظيف المحرقه لتحقيق عده اهداف اهمها:
•تكميم الأفواه وصم الآذان عما عداها بهدف تبرير كل انحرافات الكيان الصهيوني. و نزع الشرعية عن كل نقد لليهود، وعن كل نقد للمنظمات اليهودية الأمريكية. 
•استغلالها من قبل الحركة الأمريكية اليهودية المنظمة لترسيخ التحالف الوثيق بين الولايات المتحدة والكيان الصهيوني؛ فقد باتت إسرائيل من منظور هذا التحالف خندقًا أولاً على خط النار في الدفاع عن أمريكا وعن "الحضارة الغربية" في وجه القبائل العربية المتخلفة على حد تعبير نورمان في سخريته من أوجه الاستغلال تلك. 
•ابتزاز اورباوتوظيف معاناة اليهود بشكل تجاري فج، ويعلق نورمان ساخرًا بقوله: "إن الحملة الحالية التي تقوم بها صناعة الهولوكست من أجل ابتزاز الأموال من أوروبا باسم ضحايا الهولوكست المحرومين قد قلصت القيمة الأخلاقية لمعاناتهم إلى قيمة كازينو في مونت كارلو". .
(2)اصل اليهود الاشكانزيم 
اليهود ينقسمون الى طائفتين رئيسيتين هما السفاراديم الذين يرجعون اصلهم الى الاندلس والعراق وفلسطين، والاشكنازيم الذين ينتمون الى روسيا وشرق اوروبا. 
•حتى القرن العاشر الميلادي كان معظم يهود العالم يسكنون البلدان الاسلامية، خاصة العراق والاندلس، وفجأة ظهرت في القرن الحادي عشر اقوام يهودية في شرق اوروبا والمانيا، تفوق في عددها اليهود الشرقيين عرفت بعد ذلك بالاشكناز. كلمة «اشكناز» تدل على اول منطقة استقر بها اليهود بكثافة في شمال غرب اوروبا اولا على ضفاف نهر الراين بالمانيا الحالية، وظهرت منطقة اوروبا الشرقية في ما بين القرنين الرابع عشر والتاسع عشر كموطن لغالبية يهود العالم. 
•السؤال الذي حاول علماء الجينات الاجابة عليه هو: هل هناك دليل جيني يثبت ان يهود العصر الحالي ينتمون في اصلهم السلالي الى اجداد جاءوا من منطقة الشرق الاوسط؟ 
•واتضح من تقرير نشره علماء الجينات الاميركيون عدم انتماء اليهود الاشكناز الى الاجناس التي تعيش في الشرق الاوسط، ذلك ان العينات التي قام العلماء بفحصها جاءت من سبع مجموعات يهودية: هي الاشكناز وروما وشمال افريقيا والاكراد والشرق الاوسط واليمن واثيوبيا، بينما يمثل الاشكناز الغالبية العظمى لليهود الحاليين، فإن المجموعات الست التي اتفقت مع الجينات العربية تنتمي كلها الى طائفة السفاراديم، ولم تتفق جينات الاشكناز الا مع جينات بعض سكان مناطق شمال سورية، التي وقعت تحت التأثير السلالي لشعوب آسيا الصغرى منذ عهد الحثيين في القرن 14 قبل الميلاد والى العصر العثماني. 
(3)هل لليهود دور فى بناء الاهرام
•قال البعض ان العمال الذين بنوا الاهرام المصرية، كانوا من العبرانيين. مثلاً عالم آثار يهودي (يدعى جو تايلر) الف عام 1959 كتاباً يدعي فيه ان بني إسرائيل بنو الاهرامات - قبل خروجهم من مصر - لحفظ ما توصلوا اليه من علوم وحكمة
•وهذا الادعاء لم يصدر عن اي من الباحثين اليهود او علماء الدراسات التوراتية. فرغم ان غالبية علماء الآثار المصرية من اليهود، فإن احدا منهم لم يزعم بأن اليهود كان لهم اي دور في ما يتعلق ببناء اهرام مصر. فهذا كلام يخالف كلية جميع الادلة الموجودة لدينا، سواء من مصادر التاريخ او من قصص التوراة ذاتها،
•فبينما بنيت الاهرام ايام الدولة القديمة في النصف الاول من الالف الثالث قبل الميلاد، لم يظهر العبرانيون على ساحة التاريخ الا في ايام الدولة الحديثة بعد ذلك بألف و 200 سنة. 
• كما لم يكن هناك يهود في مصر ايام يوسف الصديق وموسى (عليهما السلام)، وانما جاء اخوة يوسف من اسباط يعقوب الذين عرفوا بعد ذلك ببني اسرائيل، ولم يكونوا من اليهود. فاليهودية لم تظهر الا منذ القرن السادس قبل الميلاد بعد ثمانية قرون من عصر موسى ويوسف.
• وبنو اسرائيل هم سلالة يعقوب، الذي يقال ان اسمه تغير بينما كان في «بيت ايل» التي تقع غرب اريحا، قبل مولد بنيامين آخر ابنائه، فاصبح يدعى «اسرائيل».الا ان بني اسرائيل يعتبرون ان جدهم الاكبر هو ابراهيم عليه السلام، جد يعقوب نفسه. 
•واختلف الباحثون في تحديد العصر التاريخي الذي عاش فيه ابراهيم بين عامي 3000 و 1000ق.م، ولكن الادلة الحديثة تشير الى ان عصره كان خلال القرن الخامس عشر ق.م، واول ما ظهرت كلمة «عبري» كانت في سفر التكوين ـ اول كتب العهد القديم من الكتاب المقدس ـ للدلالة على ابراهيم، ثم وردت كلمة «عبرانيين» للدلالة على بني اسرائيل اثناء وجودهم في مصر وبعد دخولهم ارض كنعان. وعلى هذا يستحيل اشتراك اليهود في بناء الاهرام التي شيدت في عصر يسبق ظهور بني اسرائيل باثني عشر قرنا، ويسبق ظهور الديانة اليهودية بألفي سنة. فهناك فارق كبير بين اليهود وبني اسرائيل والعبرانيين، وحتى الكتب الدينية لا تتحدث عن وجود «اليهود» في مصر ايام يوسف وموسى، فهؤلاء كانوا «بني اسرائيل». 
•كما ان يهود العصر الحالي يختلفون عن يهود فلسطين الاوائل الذين عادوا بعد السبي البابلي. فغالبية اليهود الآن تنتمي الى سلالة الخزر وليست لها علاقة ببني اسرائيل ولا ببابل.
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

07‏/12‏/2010

أماتوا الماركسية مراراً... فَلِمَ لا تزال حية؟

فواز طرابلسي
 (السفير)
2010-08-16
لست أدري كم مرة أعلنت فيها وفاة الماركسية وأقيمت المآتم. لكني أعرف أنه في كل مرة، يتبيّن أن الجثة في صحة جيّدة وأن المرحومة قامت من بين الأموات قبل اليوم الثالث. وأعرف أن آخر مرة أشهر فيها حفارو القبور معاولهم والرفوش كانت بعد انهيار الاتحاد السوفياتي.
صورة كارل ماركس الأثيرة عن الشيوعية هي حيوان الخلد. يختفي ليعود إلى الظهور فيالأوقات والأماكن غير المتوقعة. تنطبق الصورة أيضاً على النظرية التي أنتجهاالفيلسوف الألماني الملتحي الذي لقّبه أهله بـ«العربي» بسبب سمرة بشرته. 
مثل الخلد، غارت الماركسية في تلك السنوات وأخذت تحفر السراديب ببطء تحتالأرض. وفي أقل من عقد من الزمن، عادت للظهور أقلاً في ثلاث أمكنة مفاجئة. وبينماكان الناس يطمرون الجثة في أوروبا، ظهر الكائن الحي في أميركا الجنوبية، ووصل عددمن الحركات اليسارية والشعبوية المتأثرة بالماركسية إلى السلطة في البرازيلوفنزويلا وبوليفيا والباراغواي عن طريق الانتخابات النيابية، ومن خلال حركاتاجتماعية منظمة وفعالة تضم ملايين من البشر. يمكن تسمية تلك العودة عودة لجثة أخرىساد الظن أنها قد دفنت وانتهى أمرها بعد اكتشاف بقاياها في مطار بوليفي. هي عودةتشي غيفارا من بين الأموات. 
وكان هذا في الوقت الذي يحتفل فيه العالمالرأسمالي بنهاية التاريخ حسب رواية السيد فوكوياما. 
من جهته، أعلن صموئيلهانتنغتون نهاية التفسير المادي والاقتصادي للتاريخ والمجتمع وانتصار التفسيرالثقافوي. أفتى بأن البشر ينقسمون ثقافات وحضارات مغلقة ومتصارعة أساسها الدين. وهممتراتبون وفاقاً لما تحمله ثقافاتهم ذات الجواهر الفريدة من قيم تساعد على التقدّمأو تعيقه. جاء الرد على هانتنغتون على شكل فوران من الإنتاج النظري والأكاديميوالثقافي والأدبي، المستوحى من الماركسية، غمر الحياة الفكرية الغربية، وخصوصاً فيالبلدان الأنغلوساكسونية. تكفي الإشارة إلى النفوذ الكاسح لتيار «الدراساتالثقافية» الذي أطلقه يساريو جامعة برمنغهام البريطانية وإلى مفرقعات السلوفينيسلافوي زيزك النظرية، وقد أعاد الوصل بين ماركسية خلاقة والثورة التي أطلقها جاكلاكان في علم النفس الفرويدي، ناهيك عن نظريات الأميركي فريدريك جايمسون اللامعة فيدور الثقافة في «الرأسمالية المتأخرة» وأهمية الطوبى في فكر البشر وسلوكهم. 
وفيما كان هذا التيار اليساري في الثقافة ينازع ثقافوية هانتنغتون في عقردارها، لاح شبح الماركسية مجدداً في خلفية الأزمة المالية الأخيرة التي هزّت العالمالرأسمالي. أكدت الأزمة صحة نظريات ماركس عن دورية الأزمات في الرأسمالية وعن أحدمصادرها انتقال رأس المال من القطاعات الإنتاجية إلى القطاعات المالية. فجأة صاركتاب «رأس المال» مرجعاً لرجال الأعمال علّهم يكتشفون فيه أسباب الأزمة وسبلتجاوزها. 
فؤاد خليل من الذين يؤمنون بقيامة الماركسية. 
يضم كتابه مجموعة نصوص متفاوتة من حيث طبيعتها ـ بين مقالة ودراسة وبحث ـ ومن حيث الموضوع وزمن الكتابة. مؤلفها عالم اجتماع يرتقي من التحليل السوسيولوجي إلى التأملات الفلسفية ليختم على مقترحات عن النهضة الفكرية العربية ومهمات تجديد اليسار فيلبنان. ولكن يجمع بين هذه النصوص همّ رئيسي هو إثبات شمولية الماركسية وراهنيتهاعبر مفاصل ثلاثة: الأول هو إعادة الاعتبار النقدي للنظرية الماركسية بما هي نظام معرفي موجّه نحو التغيير. والثاني، تحريرها من المركزية الأوروبية. والثالث، السعي لحلّ إشكالية العلاقة بين الماركسية والعالم العربي. 
تلقي هذه المقدمة الأضواء على عدد من المقولات المميزة في إسهام فؤاد خليل في هذا الجهد، قبل أنتسجّل ملاحظات نقدية مقتضبة تطمح إلى أن تكون مقدمة لحوار. 
في التنقية النقدية 
يبدأ فؤاد خليل شغله النظري بجملة من عمليات التنقية النظرية. يميّز الماركسية عن التفسير الاقتصادوي الاختزالي السائد، فيؤكد على أن الإنتاجالاقتصادي عملية تتم في «مركّب من العلاقات الاجتماعية» هي موضوع المعرفة فيالماركسية. ويعرّج على الصورة الدارجة عن القاعدة الاقتصادية والبنية الفوقيةالسياسية والأيديولوجية ليثبت علاقة التفاعل بينهما. ففي الدولة ـ أي في البنيةالفوقية ـ يعاد إنتاج التمايزات الطبقية؛ وفي الدولة يجري تعديل البنية الطبقية؛وأخيراً في الدولة يجري إنتاج علاقات طبقية جديدة متوسلة العنف أو الموقع السلطوي. 
بناءً عليه، يجري فؤاد خليل جردة حساب لما للماركسية وما عليها. فيرى عناصرراهنيتها في مبدئها المادي وفي منهجها السوسيولوجي وحداثتها وطبيعتها التغييريةوعدم تمييزها بين البشر وفي اكتشافها قوانين الرأسمالية التي لايزال معظمها فاعلاًفي الرأسمالية المتعولمة المعاصرة. لكنه من بين هذه العناصر المكونة للماركسية يعطيالأولوية لطابعها التاريخاني. 
في المقابل يأخذ المؤلف على الماركسية عدمتعمقها في دراسة نمط الإنتاج الآسيوي، وثنائية التحليل الطبقي، وعدم كفاية مفهومالتناقض للتعبير عن حركة الواقع الاجتماعي، فيضيف إليه «الاستقطاب» و«التكامل» و«التسوية». ويعارض خليل لجوء ماركس إلى النبوءة واختزال الأيديولوجيا بـ«الوعيالزائف» مشدداً على الجدل بين المعرفي والأيديولوجي. وأما عن الدولة الطبقية فيعارضالقول إنها تقوم على القمع فقط فيضيف «نيل الاعتراف والشرعية». وهو نقد يشوبهالتباس. ذلك أن دور الدولة الطبقية في مزج العنف والطواعية هو في صلب الماركسية (أنظر غرامشي مثلاً). علماً أن المؤلف نفسه يعود فينتكس عن هذا التعيين الثنائي فينصه عن الدولة حيث يخلص إلى أن «العنف هو المضمون الطبقي للدولة» ص255. 
المساواة 
تقول إحدى الطروحات البارزة في الكتاب إن مقولة المساواةهي المقولة الأساس في الماركسية. قد لا يوافق ماركس على اعتبار المساواة أساساًفلسفياً لمذهبه لأنه يرى إلى ذاته عالماً يكتشف قوانين اجتماعية وتاريخية ويدعوإليها. وفي دعوته تلك يتحول العلم إلى عقيدة. 
مهما يكن من أمر، ففؤاد خليليلقي هنا ضوءاً كاشفاً على زاوية من الماركسية يغشاها الظل. إذ يصعب فهمها بما هيمنظومة متكاملة بمعزل عن محورية مفهوم المساواة فيها. والحقيقة إن أبرز مميزاتالماركسية هي أنها تقوم على الربط بين مفهومي وقيمتي الحرية والمساواة. وليس منقبيل المصادفة أن تكون المحطة الفاصلة في التاريخ بحسب رؤية ماركس هي العبور من«مملكة الضرورة» إلى «مملكة الحرية». ذلك أنه رأى أن لا حرية ممكنة للبشر إلا بعدتحررهم من الحاجات المادية الأساسية. والحال فإنَّ الرأسمالية مهّدت الطريق أمامتلك الإمكانية لأنها نمط الإنتاج الوحيد الذي تجاوز حالة الندرة، أي أنه سمح أخيراًبأن تنتج البشرية من الفوائض ما يسمح بسدّ الحاجات الأساسية لجميع البشر من غذاءوسكن وصحة وعلم وحد أدنى من الحياة الكريمة، لكن بشرط إزالة العائق الأكبر أمامتحقيق هذه الأهداف الذي هو الرأسمالية ذاتها وركيزتها الأساسية: الملكية الفردية.وهكذا، فمملكة الحرية تلك هي هي مملكة المساواة حيث تزول الطبقات وتضمحل الدولةبحيث ينتهي التناقض بين الفرد والمجتمع وينظّم البشر حياتهم في نظام تعاوني حيث «التطور الحر للفرد هو التطور الحر للمجموع». 
ومن دون حسبان مبدأ المساواةعلى أنه المبدأ الأساس في الماركسية لن يمكننا فهم معنى الثورة الإنسانية الكونيةالتي تحملها الماركسية. ولن يمكننا، كذلك، فهم تحليل ماركس النقدي للديمقراطيةالسياسية. ففي تشريحه للتناقض الذي تقوم عليه الديمقراطية في ظل المجتمع الرأسمالي،يطرح أن المساواة القانونية والسياسية للمواطنين في الدولة الديمقراطية إن هي إلّاالوجه الآخر للامساواة ـ أي للتمايزات والفروقات الطبقية ـ السائدة في المجتمع. بليمكن القول إن الديمقراطية السياسية هي ذلك الشكل من المساواة في الدولة الذي يسمحباستمرار وإعادة إنتاج اللامساواة، الفوارق الطبقية، في المجتمع. هكذا كان مؤسسوالماركسية يرون إلى الاشتراكية بما هي تجاوز للديمقراطية السياسية بواسطةالديمقراطية الاجتماعية. مثلما رأوا إلى الديمقراطية الاجتماعية على أنها النظامالاقتصادي الاجتماعي الذي يسمح بتجاوز الديموقراطية السياسية، القائمة على التمثيلالنيابي المحدود وغير المباشر، إلى الديموقراطية الشعبية المباشرة. ومن هنا فإنّالأحزاب العمالية الأولى التي تبنّت الماركسية تسمّت أحزاباً «ديموقراطية اجتماعية» أو «ديموقراطية اشتراكية». 
وجرياً على ذلك، كان ماركس، داعية الثورةالديموقراطية السياسية، يؤكد على أن أكبر خطر يتهدد ذلك النظام هو لاديمقراطيةالعلاقات الاجتماعية، أي طابعها الطبقي. وكان يمثّل على ذلك بالقول إن التجارة هيالخطر الأكبر الذي يتهدد حرية الصحافة وحرية الرأي. وهو حكمٌ يكتسب أحجاماً مضاعفةمن الأهمية مع ثورة الاتصالات والمعلوماتية في عصر العولمة والمجمعات الإعلاميةالاحتكارية الجبارة التي تتحكم بما نعرف ولا نعرف من أخبار وأنباء وتعليقات عنالمجريات اليومية لكوكبنا.
ومهما يكن، فليس من قبيل التفصيل على الإطلاق أننستدرك بالقول إن الماركسية هذه ارتبطت، في الممارسة العملية، بوأد الحرية بحجةالمساواة أو هي شرعنت تأجيل الحرية باسم أولوية المساواة. ولا بد لأي جهد في تجديدالماركسية وتنقيتها من أن يعيد الاعتبار إلى العلاقة العضوية بين الديموقراطيةالسياسية والديموقراطية الاجتماعية. تتم الثانية في كنف الأولى. تحصّنها وتتحصّنبها. 
الدين 
يتناول فؤاد خليل نقد ماركس للدين بما يؤكد أن منهجيةماركس في هذا الموضوع تتجاوز المنهج العقلانوي الذي لا يرى في الدين إلا نور العقليبدد ظلمات الغيب. فالإسهام المميّز للماركسية في مسألة الدين هو أنها تبحث فيوظيفة الدين. تنقّب عن أسباب حاجة البشر إلى الدين. وتجيب في ذلك المقطع الشهير عنالدين بما هو «الزهرة الوهمية على قيد العبد»، «زفرة المقهور»، «روح عالم بلا روح»، «أفيون الشعب». للمناسبة، الذين يفسرون عبارة «الدين أفيون الشعب» على أنها تعنيالدور التخديري للدين، يتناسون أن الأفيون كان ولا يزال دواءً بالغ الفاعلية لتخفيفالأوجاع. ثم لا بد من ملاحظة عبارة «روح عالم بلا روح»: إنها تصفع الذين يخلطون بينالمادية والمثالية، فيفسرون المادية تعلّقاً بالماديات بمعناها المبتذل ونقيضاًللروح التي يجري تقديمها على أنها تكثيف للقيم الأخلاقية والمثل العليا. يقلب ماركسالآية: الحضارة الرأسمالية هي التي سلبت البشر روحهم، فيحرر الروح في ضربة واحدة منالاحتكار الديني والرأسمالي للسمو والتعالي والقيم الأخلاقية. وكم هي صحيحة هذهاللفتة للتأمل في الردة الحالية نحو التديّن تحديداً بسبب خواء رأسمالية عصرالعولمة القيمي وفسادها الأخلاقي وفقرها الروحي. 
لا يكتفي فؤاد خليلبالخلاصة التي يتوصل إليها ماركس من أن الحاجة إلى الديانات تزول بزوال الظلموالاستغلال بين البشر. يضيف إلى حاجة البشر إلى الدين حقيقة أن الدين يملك إجابةعلى لغز حتمية الموت، وفي ذلك يكمن الأساس الدائم لاستمرار الديانات واستمرارالحاجة إليها (ص79). نقول «إجابة» الدين عن لغز حتمية الموت والأحرى الحديث عنحكاية أو رواية أو تخييل أو تعويض أو وعد. 
إلى هذا يذكّر المؤلف بأن الدين،في وظائفه، يتجاوز أحياناً دور التخفيف من الأوجاع، ليصير طاقة تعبئة للبشر ودفعهمإلى النضال من أجل حقوقهم وطموحاتهم وأحلامهم في معارك تحررهم الوطني والسياسيوالاجتماعي. اكتشف ماركس وانجلز هذه الوظيفة للدين عندما انتقلا من النقد الفلسفيللدين في المطلق إلى معاينة الديانات في حركتها التاريخية، أي الدين بما هو حركاتاجتماعية. فاكتشفا أن كل ديانة تتمظهر وتتقولب حسب الزمان والمكان والمجتمع الذيتشتغل فيه وتنحكم تأويلاتها المختلفة بالمواقع والشرائح الاجتماعية التي تحمل تلكالتأويلات أو تستغلّها. فثمة دين للحكام ودين للمحكومين ودين للمستغلّين والمستغلينوهلم جرا. وتجدر الإحالة في هذا الموضوع إلى كتاب انجلز عن الحروب الفلاحية فيالمقاطعات الألمانية في القرن السادس عشر حيث يروي، بوضوح، كيفية تصدّع الوفاقالاجتماعي للجماعة البروتستانتية جراء الصراع الطبقي بين الفلاحين والنبلاء الحكام. فتستولد الثورة الفلاحية تياراً هرطوقياً هو الأنابَبْتية، لا يلبث أن ينشقّ عنالحركة البروتستانتية بعدما انحاز مارتن لوثر، مؤسس البروتستانتية الرسمية، إلى صفالأمراء الحكّام
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

العقل العربي عند زكى نجيب محمود :قراءه نقديه

د.صبرى محمد خليل
من التغريب إلي التجديد: مر زكى نجيب محمود(شانه شان كثير من المفكرين العرب والمسلمين) بتجربة الانتقال من التغريب إلي التجديد، إذ يروى عن نفسه انه في شبابه كان رافضاً لقراءة التراث العربي بما يستحقه من إهتمام، وكان كما يحكى عن نفسه مبهوراً ومنجذباً للإنجاز الغربي الأوروبي والأمريكي، ولكنه وبعد مرحلة كبيرة من البحث والمعاناة أيقن أن كثيراً من التراث العربي يستحق القراءة والتأمل.
معيار المنفعة: ولكن كان السؤال المهم الذي طرحه لأمراض العقل العربي هو ماذا نقرأ ونأخذ من تراث الأسلاف؟ يقول د.زكى نجيب إن ما يجب أخذه من التراث هو ما نستطيع تطبيقه اليوم عملياً، فيضاف إلى الطرائق الجديدة المستحدثة، فكل طريقة للعمل اصطنعها الأقدمون وجاءت طريقة أنجح منها، كان لابد من إطراح الطريقة القديمة ووضعها على رف الماضي الذي لا يعنى به إلا المؤرخون، ويؤكد على أن ثقافة الأقدمين هي طرائق عيش، فإذا كان عند أسلافنا طريقة تفيدنا في معاشنا الراهن، أخذناها وكان ذلك هو الجانب الذي نحييه من التراث، وأما ما لا ينفع نفعاً عملياً تطبيقياً فهو الذي نتركه غير آسفين. 


قيود ومعوقات العقل العربي 
القيد الأول :و أن صاحب السلطان هو صاحب الرأي وليس صاحب رأى : 
يشبه فيلسوفنا الكبير تعاملنا مع التراث كمن يخزن إرثه في الخزائن ثم يطوف بتلك الخزائن المغلقة عابداً، ويقول أن الإرث ليس في حد ذاته حياة بل هو وسيلة حياة، ويؤكد على أن أساس البلاء هو أن يجتمع السيف والرأي ثم يورد عدد من الأحداث التاريخية التي تؤكد ذلك
القيد الثاني : سلطان الماضي على الحاضر : 
القديم له رهبة وسحر وجلال، ولكن أن يتحول الإعجاب إلى تقديس تلك هي المشكلة، وسر النهضة الأوروبية كانت في تحول الناس من إدمان قراءة كتب الأقدمين إلى كتاب الطبيعة المفتوح، فقد كان الكاتب قديماً لا يحتاج إلى الخروج من الدير والصومعة ...، فقد كان كل جهده أن يشرح ويلخص، فهو اجترار من بعد اجترار من بعد اجترار، وشرح للشرح وتعليق على التعليق، وحتى الآن أصبح العلم كله متأثراً بتلك النظرة عبارة عن تلقين في تلقين وهذه هي الكارثة القيد الثالث : تعطيل القوانين الطبيعية :
أكبر القيود التي تعطل مسيرتنا وتكبلها أننا نميل ميلاً شديداً إلى أن تكون قوانين الطبيعة لعبة في أيدي نفر من أصحاب القلوب الطيبة الورعة، فيكفى أن يكون الفرد "صالحاً " لينصرف صلاحه لا إلى شق الترع وبناء الجسور ورصف الطرق ولكن ينصرف صلاحه إلى تعطيل قوانين الطبيعة، ونحن منذ زمن طويل نمقت العقل ونتمنى للقلب السيادة ولو اقتصر الأمر على العامة لما أخذنا العجب ولكنه وللأسف الشديد يمتد إلى العلماء أنفسهم!!، إن هؤلاء العلماء وهم في معاملهم لا يقبلون إلا أن تكون قوانين العلم حاسمة صارمة، فما الذي يصيبهم إذا ما تركوا معاملهم وعادوا إلى منازلهم؟، أيتركون عقولهم مع معاطفهم البيضاء في حجرات المعامل، ليعودوا متنعمين في ظل الخرافة الندى الطري الممتع اللذيذ؟!!. 
إننا مازلنا في مرحلة السحر لا العلم كما يقول د.زكى نجيب محمود، فالسحر والعلم كلاهما محاولة لرد الظواهر إلى عللها وأسبابها، غير أن الساحر لا يقلقه أن يرد الظاهرة إلى علة غيبية ليس في وسع الإنسان أن يستحدثها أو يسيطر عليها، وأما العالم فهو لا يقر عيناً إلا إذا رد الظاهرة المحسوسة إلى علة محسوسة كذلك، الساحر والعالم يقفان إلى جانب مريض، الأول يربط الظاهرة المرضية بالجن والعفاريت، والثاني بجرثومة معينة، فبينما يصبح الطريق مفتوحاُ أمام العالم للبحث عن وسيلة يقتل بها الجراثيم، ترى الطريق مغلقاً أمام الساحر ولا يجد وسيلة لمغالبة العفاريت إلا بالبخور والأحجبة، فنحن بهذا المنهج أو بالأصح اللا منهج مازلنا في مرحلة السحر لم نبرحها بعد . 
تقويم:
وهكذا فان زكى نجيب محمود استطاع تجاوز الموقف التغريبي القائم على أن تحقيق التقدم لا يتم إلا باجتثاث الجذور الحضارية للامه في مرحلته الفكرية الاولي(التبني الكامل للوضعية المنطقية) إلى الموقف التجديدي القائم على استيعاب ما لا يناقض الهيكل الحضاري للامه من اجتهادات ذاتيه أو إسهامات الشعوب الأخرى المعاصرة. ولكنه(ربما تأثرا بالبراجماتيه) استند إلى معيار المنفعة في تحديد ماذا نأخذ من التراث، لكن المنفعة ضابط ذاتي للحركة لا يصلح وحده كمعيار موضوعي، إذ لابد أولا من التمييز بين ما ينتمي إلى الهيكل المعرفي الاساسى للعقل العربي المسلم، والبناء المعرفي المكتسب عليه، ثم جعل المنفعة احد معاييرالأخذ أو الرفض من الأخير،لا المعيار الوحيد
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

قراءه نقديه لنقد العقل الإسلامي عند أركون

د.صبرى محمد خليل استاذ الفلسفه جامعه الخرطوم
الإسلاميات التطبيقية:يقوم أركون بنقد العقل الاسلامي في إطار مشروعه الفكري الذي يسميه: «الإسلاميات التطبيقية» والتي تهدف إلى إحداث قطيعة جذرية مع الدراسات الإسلامية التقليدية في الغرب(الاستشراف) التي تتصف بالرؤية السكونية؛واستخدام المناهج الوضعية والتاريخية والفيلولوجيه(الفقه - لغويه) التي تجاوزها التطور العلمي. وذلك بالاعتماد على مجموعة من المناهج والأدوات المنتجة في إطار التطور الذي عرفته العلوم الإنسانية في الغرب،
المنهج الاركيولوجى( الحفري) التفكيكى: وهو يستخدم منهجاً حفرياً تفكيكياً، إلا أنه يوظف مجموعة من الأدوات ويستخدم عددا من المناهج، و يلحُّ على ضرورة التسلح بالأدوات المنهجية التي تبلورت منذ الخمسينيات في مجال العلوم الإنسانية بشتى فروعها من التاريخ واللسانيات والأنتربولوجيا وعلم النفس بجميع مدارسه وعلم الأديان المقارن، والسيمولوجيا، ثم الابستومولوجيا والفلسفة، لتجد مؤلفاته حافلة بأسماء كثيرة من قبيل: ماركس، وفرويد، وستراوش، وباشلار، وألتوسير، ، وفوكو، ، وديريدا، وغيرهم، إضافة إلى تكثيفه لمجموعة من المفاهيم المنتجة داخل المجال الحيوي للفكر الغربي منها: رأس المال الرمزي، الزمن الطويل، التقطيع الميثي، التاريخية، الخطاب السيميائي، اللا مفكر فيه، المكبوت، البنية العميقة، الابستيمي، مديونية المعنى... الخ.
اللامفكر فيه : ينطلق محمد أركون في كل أعماله من منظور نقدي قائم على تصور معين للتراث الإسلامي ونتاجه الفكري؛ فمشروعه ـ كما يقول ـ يرمي إلى «إعادة كتابة جديدة لكل تاريخ الفكر الإسلامي والفكر العربي»والمقصد الأساسي لهذه العملية هو تتبع المساحات الخفية التي ظلت بعيدة عن مجال النقد والتفكير، وكل ما يدخل ضمن دائرة ما يسميه «اللامفكر فيه» المستحيل التفكير فيه، يقول: «إن معظم الأسئلة التي ينبغي طرحها على التراث تدخل فــي دائرة «اللا مفكَّر فيه» أو «المستحيل التفكير فيه»،.
ماهية التراث: واركون يعرف التراث بأنه«مجموعة متراكمة ومتلاحقة من العصور والحقب الزمنية. إن هذه القرون المتطاولة متراتبة بعضها فوق البعض الآخر كطبقات الأرض الجيولوجية أو الأركيولوجية، وللتوصل إلى الطبقات العميقة، أي القرون التأسيسية الأولى.. لا بد من اختراق الطبقات السطحية الأولى والوسطى.. لا بد لمؤرخ الفكر كما يقول «فوكو» أن يكون أركيولوجي الفكر» ليتبين بوضوح أن مفهوم التراث غير مفصول في أبعاده الكاملة عن المنهج الذي يتبناه قبلاً. ولعل هذه الصورة تبدو أكثر وضوحاً عندما نتعرف على التركيبة الداخلية لهذه الطبقات، أي العناصر الثاوية تحت مسمى التراث كما يفهمه أركون؛ فالتراث ـ حسب هذه الرؤية ـ بنية تراكمية تشكلت عبر أجيال متلاحقة، وتتكون من مزيج من المعارف المتداخلة بطريقة لا يفصل فيها بين الإلهي والبشري، وهو ما يعطيه مضموناً ثبوتياً يقتضي إنتاج قراءة تفكيكية لمكوناته الداخلية؛ وعلى ذلك فإن المنهج يتحدد انطلاقاً من التصور الأركيولوجي للمعرفة؛ باعتبار أن صفة التراكم التي تميز التراث تفرض التعاطي مع منتجاته المعرفية بشكلها المتداخل والأفقي في حدود معطيات هذا التصور والمنهج الذي ينتجه.
الطابع المنهجي: وإذا كانت ممارسة القراءة النقدية تستلزم التسلح بآليات منهجية محددة يستطيع من خلالها القارئ الوصول إلى نتائج وخلاصات معينة، فإن أركون في اهتمامه بمثل هذه القراءة حريص على الطابع المنهجي أكثر من حرصه على الوقوف على النتائج والخلاصات النهائية، أي أن كتاباته تتضمن مشاريع في البحث بما تقدمه من خطاطات أكثر مما تعطي من إجابات عن الأسئلة التي تطرحها فخطابه يهتم أساسا بتجديد آليات الفكر الإسلامي وربطه بفتوحات الحداثة الفكرية، عن طريق الاستفادة من المناهج الجديدة
العقل الاسلامى: ومن خلال حديثه عن العقل الإسلامي وتركيبته الداخلية وكيفية نشأته وطرائق اشتغاله في التاريخ والمجتمع من خلال دراسته التحليلية لرسالة الشافعي؛ خلص إلى أن العقل الإسلامي الكلاسيكي تفرع إلى عقول إسلامية متنافسة، ثم تحول فيما بعد إلى عقل إسلامي أرثوذكسي صلب ومغلق على ذاته وهذا يعني نزع صفة العقلانية عن هذا العقل ومنتجاته الفكرية انطلاقاً من انغلاقه الأرثوذكسي وتشبعه بمفاهيم وقيم موروثة عن عصور سيادة اللاهوت والتصورات الميثولوجية!
العقلاني والاسطورى: ولأن الهدف الرئيسي عند أركون من الدراسة الأنثروبولوجية الدينية للتراث الإسلامي هو «توضيح التنافس المستمر بين المعرفة الأسطورية والمعرفة العقلانية وروابطها المتغيرة والمتحولة»فلا بد أن تأتي تأكيداً لهذه الخلاصة النظرية التي تقــول: «إن الفكر العربي الإسلامي لا يمكنه الانفتاح على العقلانية الحديثة بشكل فعلي ودائم وناجح إلا بتفكيك مفهوم «الدوغمائية» ومفهوم «الأرثوذكسية» الخاصين بتراثه » وهكذا فإن هذه الممايزة بين شكلين من أشكال المعرفة التي يتقاطع فيها الأسطوري بالعقلاني بطريقة تنافسية، يسوغ أي انزياح نقدي في اتجاه تحطيم أحد الشكلين لصالح الآخر.. وما دام أن العقلانية تبقى هي الخيار الوحيد أمام الفكر الإسلامي لتحقيق انطلاقته، فلا بديل سوى تحطيم أساسيات المعرفة الأسطورية داخل بنيته..
سلطه النص: والطريق إلى «الحداثة» يمر عبر التحرر من سلطة النص الذي تكونت في ظله ثوابت العقل الإسلامي ومحدداته التي تشكلت منها بنية النظام المعرفي داخل بناء الثقافة الإسلامية، والتي يحدد أركون أهم خصائصها فيما يلي:
الخلط بين الميثي (الأسطوري) والتاريخي، التدعيم القطعي للقيم الأخلاقية الدينية انطلاقاً من القرآن والسنة، التأكيد اللاهوتي لتفوق المؤمن على غير المؤمن، والمسلم على غير السلم، حصر وظيفة العقل في الاجتهاد وتأويل الوحي (النص المقدس)، تقديس اللغة، والتركيز على قدسية المعنى المرسل من قبل الله، التأكيد على تعالي المقدس وتجاوزه التاريخية.وهو تحديد يقوم على إبراز مجموعة من الثنائيات المتضادة: الأسطورة/ التاريخ، الإيمان/ الكفر، العقل/الوحي، التعالي/التاريخية.. من أجل إعطاء تفسير لما يسببه «الابيستمي الإسلامي»، أساسه رفض طابعه التقديسي، ومن ثم تجاوزه بوصفه خطاباً ومنظومة قيم، إضافة إلى تقديم تصور جديد للعلاقة بين المنظومات الفكرية التي تشكلت تاريخياً داخله.
عدم التمييز بين السنة والشيعة: مـن هـنا فأركون ـ مثلاً ـ لا يميز بين السنة والشيعة رغم ما بينهما من اختلاف؛ لأنهما بكل بساطة يستخدمان نفس المبادئ والقواعد والآليات، أي أنهما يعتمدان نفس النظام المعرفي، ونفس العقلية الدوغمائية ونفس المفهوم الأحادي للحقيقة، ونفس إستراتيجية الرفض التي تبديها كل فرقة إزاء الأخرى وعلى ذلك فإن توجهه النقدي محايث للتحديد السابق، إن لم نقل إنه ينطلق منه كمقدمة لإنجاز مشروعه في نقد العقل الإسلامي.. وإذا كانت «المشكلة مع التراث ـ كما يرى أركون ـ أنه لا توجد حدود واضحة بين الميثوس واللوغوس»؛
تحرير العقل الاسلامى: كما يرى أركون أن تفكيك التراث ، انطلاقاً من إعادة إنتاج آليات نقدية تستجيب للتطورات المعرفية التي يشهدها هذا العصر هدفه الأساسي هو تحرير العقل الإسلامي من الأساطير العديدة التي تشوبه،فهو ينظر إلي مشروعه باعتباره «إستراتيجية معرفية للفتح والتحرير» أي «فتح العقليات المغلقة وتحريرها»ومن هنا فهو لا يفتأ يبشر باليوم الذي تنتصر فيه الحداثة الفكرية؛ حيث يتم الخروج من الحالة الثبوتية التي وصل إليها الإسلام بعد تحوله إلى أرثوذكسية، أي «من طاقة تغييريه انبثاقية إلى تصور ثابت وثبوتي للحقيقة»
النص: إن تعامل محمد أركون مع النص القرآني ينطلق من اعتباره جزءاً من التراث الذي يستلزم القراءة النقدية، وإعادة كتابة تاريخه وفق محددات المشروع الذي يتبناه. بمعنى أن القرآن ليس أكثر من نص تشكَّل تاريخياً ضمن شروط معينة كغيره من النصوص التي يحفل بها الموروث الفكري للحضارة الإسلامية، مثله في ذلك مثل الشعر الجاهلي أو الشعر العباسي أو غيرهما من منتجات الفكر الإنساني عبر العصور المختلفة.. وهو ما يعني نزع القداسة عنه باعتباره نصّاً إلهياً له خصوصيته؛ من حيث إخضاعه للنقد ألتفكيكي والقراءة الحفرية عن طريق توظيف كل المناهج الممكنة من أجل «فرض قراءة تاريخية» عليه، ومن ثم إخضاعه «لمحك النقد التاريخي المقارن، وللتحليل ألألسني ألتفكيكي، وللتأمل الفلسفي المتعلق بإنتاج المعنى وتوسعاته وتحولاته وانهدامه» وكل ذلك بهدف «استنطاقه عن مشروطيته وحدثيته، كاشفاً عن تاريخيته الأكثر مادية ودنيوية، والأكثر يومية وعادية، بل الأكثر شيوعاً وابتذالاً»
النزعة التشكيكيه: وهكذا فإن موقفه من القرآن لا يتميز في شيء عن موقفه من التراث عموماً، وهو وإن كان يعتبر «أن الدراسة العلمية للمقدس لا تعني الانتقاص منه أو المس به، وإنما تعني فهماً أفضل لكل تجلياته وتحولاته، وتحذيراً لبعض الفئات أو بعض الأشخاص من التلاعب به لمصالح شخصية أو سلطوية»فإنه لا يخفي نزعته التشكيكية في دراسته هذه، بل إنه يقول في نفس السياق: «ويمكنني أن أقول بأن المقدس الذي نعيـش عليــه أو معــه اليـوم لا علاقة له بالمقدس الذي كان للعرب في الكعبة قبل الإسلام، ولا حتى بالمقدس الذي كان سائداً أيام النبي».. وبناء على ذلك فهو يشكك في الرواية الإسلامية لقصة جمع القرآن، بل إن هذا التشكيك يمتد إلى طريقة تبليغ الرسول للقرآن وكيفية نقله عنه حفظاً وكتابة؛
وبعد إثارة هذه الشكوك حول ما نقل من روايات عن حقيقة كتابة وجمع القرآن سواء في عهد الرسول أو في عهد خلفائه وخاصة عثمان بن عفان رضي الله عنه؛ فإنه ينتقل إلى تحديد ما يعتبره مهام عاجلة تتطلبها المراجعة النقدية للنص القرآني، فيقول: «ينبغي أولاً إعادة كتابة قصة تشكُّل هذا النص بشكل جديد كلياً، أي نقد القصة الرسمية للتشكيل التي رسخها التراث المنقول نقداً جذرياً، هذا يتطلب منا الرجوع إلى كل الوثائق التاريخية التي أتيح لها أن تصلنا سواء كانت ذات أصل شيعي أم خارجي أم سني. هكذا نتجنب كل حذف تيولوجي لطرف ضد آخر، المهم عندئذ هو التأكد من صحة الوثائق المستخدمة. بعدها نواجه ليس مسألة إعادة قراءة هذه الوثائق فحسب، وإنما أيضاً محاولة البحث عن وثائق أخــرى ممكنة الوجـود كـوثائق البحـر الميت»
توحيد الرؤية حول الأديان التوحيدية: و الدافع الأساسي لهذا التوجه إنما هو محاولة توحيد الرؤية حول الأديان التوحيدية، باعتبارها تجسد ظاهرة الكتاب الموحى، وما ينشأ عن ذلك من تشكيل متخيل مشترك لدى المجتمعات الكتابية محوره «هو الكلام المتعالي والمقدس والمعياري لله» حيث «اعتاد الجميع على إبراز الأديان التوحيدية بصفتها وحياً معطى أو نزولاً لله في تاريخ البشر بحسب ذلك المجاز القرآن (التنزيل) الذي يجد مقابلاً له في العقيدة المسيحية القائلة بتجسيد الله الأب في يسوع المسيح الابن. إن هذا الوحي المعطى متعالٍ ومقدس ويهدي البشر في تاريخهم الدنيوي لكي يحصلوا في نهاية المطاف على نجاتهم في الدار الآخرة»فإذا كانت التوراة والأناجيل قد تعرضت للنقد والتفكيك وطبقت عليها كل المناهج المعاصرة في قراءة النصوص، فإن القرآن باعتباره يشترك معها في نفس الخصائص العامــة لكــل كتب الوحــي، لا ينبغي أن يخرج عن القاعدة، ويجب إخضاعه لنفس المعايير النقدية، من أجل الوصول إلى نفس النتائج.
ظاهره الوحي: إن القراءة النقدية التي يباشرها أركون للنص القرآني تدخل ضمن تصور خاص لظاهرة الوحي يحاول من خلاله أن ينزع عنه طابعه المقدس باعتبار أن هذه القداسة إنما هي رداء تم إضفاؤه عليه عن طريق تحويله إلى «نص مثبت ومحدد في مصحف مغلق راح يُستغل... باعتباره مجموعة من الصيغ المعيارية التي تحدد المفكَّر فيه على المستوى المعرفي، وتحدد المؤسسات والقانون على المستوى السياسي والقضائي»وهو تحويل تم عبر «عملية الأسطرة التي طالت الحدث التاريخي التأسيسي الأول وحولته إلى حدث أسطوري»والمقصود بهذا الحدث التأسيسي الأول هو نزول الوحي.. وهذا ما يجعل القرآن يبدو كأنه نوع من الأسطورة والأسطورة ـ كما يعرفها ـ تعبير عن معنى مثالي مفتوح وفق تاريخية تعتمد الترميز الفني الذي يختلط فيه الخيالي بالعقلاني فالخطاب القرآني في رأيه نموذج للتعبير الميثي (الأسطوري)، يقول: «إن الحكايات التوراتية والخطاب القرآني هما نموذجان رائعان من نماذج التعبير الميثي (الأسطوري)»
نقد وتقويم
الطابع السلبي: المشروع النقدي عند أركون ذو طابع سالب يؤدى نسف أساسيات العقل الإسلامي وكل ما أنتجه من تراث فكري.،وليس ذو طابع ايجابي يؤدى إلي تحرير العقل الإسلامي من الأخطاء التي تعوق فعاليته ،ومرجع ذلك المنهج التفكيكى الحفري الذي استخدمه يقوم على التحليل دون التركيب ،ويفهم التفكيك بمعنى التحطيم والتدمير كما تبلور على يد كل من هايدجر ونيتشه ودريدا وفوكو.
الخلط بين المطلق والنسبي:ومشروع أركون يقوم على عدم التمييز بين ما هو المطلق عن قيود الزمان والمكان غير الخاضع للتغير أو التطور فيهما(القواعد التي مصدرها النصوص اليقينية الورود القطعية الدلالة) و النسبي في الزمان والمكان الخاضع للتغير في المكان والتطور خلال الزمان(الاجتهاد المبنى على تفسير النصوص الظنية الورود والدلالة .فاخضع النوعين للمناهج المعرفية النسبية مما يؤدى إلي استبعاد الوحي وإذا كان أركون قد أشار في بعض حواراته إلى أن ترجمة كلمة (Myth) ليست أسطورة، وأن مترجم كتابه «الفكر العربي» ـ عادل العوا ـ قد أخطأ حينما ترجم إحدى جمله بعبارة: «القرآن خطاب أسطوري البنية»، وأنه ما قصد ذلك بل قصده أن يقول: «إن القرآن قصصي البنية»، ورغم تأكيد تلميذه ومترجم مؤلفاته هاشم صالح على أن «كلمة أسطورة في استخدامات أركون لها مأخوذة بمعناها الوصفي الأنتروبولوجي وليس بأي معنى سلبي» لكن كلمتي اسطورى وقصصي كلاهما تعنيان عنده خيالي و غير حقيقي.
التغريب: المطالبة بإعادة تشكيل مناهج النظر والقراءة بالكيفية التي تتلاءم ومنتجات الفكر الأوروبي المعاصر هو شكل من أشكال الاستلاب الثقافي فالعقلانية عقلانية الغرب كما اتضحت معالمها منذ ما سمي بـ (عصر الأنوار) ، وبناء على ذلك فإن الفكر الإسلامي مدعو للدخول في الحداثة الفكرية بكل أبعادها انطلاقاً من الانفتاح على العقلانية المعاصرة من جهة، وتحطيم الموروث الديني من جهة أخرى! والملاحظ هنا أن أركون لم يأت بجديد يتميز به عمن سبقوه من دعاة التغريب؛ إنه نفس الخطاب الذي أنتجته الصدمة الأولى مع الغرب، يتكرر في ثوب جديد .
وهو خطاب يرتكز أساساً على نقد العقل الإسلامي (الذي نشأ في ظروف تاريخيه معينه، وتطور ضمن مراحل خاصة، وتشكلت مفاهيمه من خلال تفاعله مع النص القرآني وعبر اندماج تكاملي بين معطيات الوحي ونتاج التجربة الإنسانية)؛ من خلال الفكر الغربي الذي نشأ وتطور في ظروف تاريخية مختلفة ، وله مفاهيمه الخاصة وتجربته المغايرة.
فهو خطاب مبنى على نقد ثوابت العقل العربي الاسلامى طبقا لمتغيرات العقل الغربي فمناهج النقد الغربية تطورت بعد التفكيكيه إلى مناهج النقد الثقافي والنقد النسوى والتاريخيه الجديدة واليسار الجديد ...
اللا مفكر فيه:كما أن تطبيقه لمفهوم اللا مفكر فيه حول مشروعه من النقد(إبراز الايجابيات والسلبيات) إلى نقض لأنه قائم على إبراز السلبيات وإخفاء الايجابيات.
موقف غير نقدي:كما أن الموقف النقدي يقتضى اتخاذ موقف نقدي من المنهج المستخدم أولا، وهو ما قام به كثير من الفلاسفة الغربيين(كما هو واضح في نقد فوكو للبنيوية)، ولم يقم به اغلب المفكرين العرب ومنهم أركون.
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

العقل العربي عند الجابري: قراءه نقديه

د.صبرى محمد خليل استاذ الفلسفه جامعه الخرطوم
هدف المشروع : نقد العقل العربي عند الجابري يهدف إلى النهضة، وهذه النهضة لابد أن تنطلق من نموذج منبعث من نفس التاريخ العربي،اى داخل في بنية العقل العربي ،وهو يرى أن النظام ألبرهاني( العقلاني )هو هذا النموذج .فالمشروع يدعو إلى عصر تدوين جديد يعيد الحياة إلى النظام ألبرهاني الذي ببنيته قام الفكر الحديث والمعاصر الغربي، معتبراً انّه لابد لهذا العصر الجديد من بداية هي نقد السلاح، نقد «العقل العربي»، وبهذا يكون المشروع عبارة عن بداية هذا العصر.
الجغرافية واللغة: و يربط الجابري بنية العقل وتكوينه بالجغرافية أساسا، ومن ثم باللغة كجهاز استلام وار سال يضمر في داخله حقائق البيئة ذاتها. لهذا كانت مفاهيم اللفظ والإعرابي والصحراء والنحو والبلاغة وغيرها هي من أهم المفاهيم الموظفة في مشروعه للتعرف على كنه العقل العربي. فالجغرافية واللغة هي أهم ما في المشروع من أساس لتحليل تكوين العقل وبنيته، منهجاً ورؤية.
النظم المعرفية الثلاثة:والنتائج الرئيسية التي توصل إليها الجابري اعتبار تفاوت العقول المعرفية انّه يضعه كنظام منفصل وسط ثلاثة أنظمة ، كلها داخلة فيما يطلق عليه بـ «العقل العربي»، وهي النظام ألبرهاني الفلسفي والنظام ألعرفاني الصوفي، مضافاً إلى النظام البياني الذي يستقل بالدلالة اللغوية المتسقة مع تنظير المشروع للغة العربية واعتبارها أساس «العقل العربي».
العقول الثلاثة:كما يرى أن الحضارات الثلاث اليونانية والعربية والأوروبية الحديثة هي التي أنتجت ليس فقط العلم، بل أيضا نظريات في العلم، وأنها وحدها التي مارست ليس فقط "التفكير بالعقل" بل أيضا "التفكير في العقل".من جهة أخرى فهو أن هناك فارقاً بين العقلية العربية والعقلية اليونانية والعقلية الغربية الحديثة، لا فقط في حدود الإشكالية التي يبحثان فيها بل كذلك إنهما يختلفان أساسا حول سير المعرفة وطريقتها ونوع العلاقة التي تربط بين العقل والطبيعة.
تقويم:استند الجابري في نقده للعقل العربي إلي عدد من المفاهيم الفلسفية والمنهجية الغربية،كمفهوم العقل المكون والعقل المكون عند لالاند، ومفهوم القطيعة المعرفية عند باشلار، والمنهج الاركيولوجى عند ميشيل فوكو.
العقول الثلاثة: فالبياني والعرفانى والبرهانى هي الأنماط المتعددة لذات الفاعلية المعرفية اى العقل،والتي تتعدد طبقا لمستويات الوجود التي يحاول تفسيرها، وبالتالي فان العلاقة بينها هي علاقة تكامل لا علاقة تناقض كما يرى الجابري .
كما أن موقفه القائم على القطيعة بين المغرب والمشرق وقصر العقل البرهانى على المغرب هو رد فعل عاطفي( ذاتي) على موقف أخر يعتبر المغرب مجرد تابع فكرى للمشرق، بدلا من اعتبار كل من المغرب والمشرق أجزاء من كل( هو العقل العربي الإسلامي) يحددهم فيكملهم ويغنيهم ولكن لا يلغيهم.
هذا الموقف يؤدى إلي إلغاء وحده العقل العربي الإسلامي.، فضلا عن انه أدى إلى تحول المشروع من نقد موضوعي للعقل العربي إلى (نقض ذاتي للعقل المشرقي).
كما أن نظريه الجابري في العقل البياني تقارب نظريه الوسط الجغرافي التي من أشهر ممثليها راتزل والتي تحدد سلوك وتفكير الإنسان طبقا لقوانين الطبيعة وليس طبقا للقوانين النوعية للإنسان وتؤدى إلي نوع من أنواع الجبرية الطبيعية،والواقع من الأمر أن هناك تأثير متبادل بين الطبيعة والإنسان،وان الإنسان لا يستطيع إلغاء حتمية قوانين تحول الطبيعة لكنه يستطيع أن يتحكم في محتوى هذه القوانين بمعرفه والتزام حتمية هذه القوانين ، بمعنى أخر فان الطبيعة قيد وشرط لحرية الإنسان ولكنها لا تلغى هذه الحرية.
كما تتشابه مع النظرية العرقية التي وضعها«ليون غوتييه» في أوائل هذا القرن، حيث ميز الأخير بين العقل السامي عن العقل الآري، معتبرا أن العقل الأول عاجز عن أن يرى الأشياء مترابطة، فرؤيته تجزيئية انفصالية ينقصها الانسجام والارتباط، بخلاف ما هو الحال في العقل الآري الذي له القدرة على الربط بين الأشياء والعقد فيما بينها بعقدة الاتصال والانسجام بوسائط تدريجية. لهذا فهو يرى أن الفلسفة اليونانية على خلاف تام مع الدين العربي الإسلامي، فالأولى ترجع إلى الجنس الآري وهي لهذا قائمة على الوصل والارتباط، بينما يرجع الثاني إلى الجنس السامي، وهو لهذا يقوم على الفصل والتجزئة.( النزعات المادية في الفلسفة العربية الإسلامية، ج1، ص /119 حسين مروة / دار الفارابي ببيروت / الطبعة السادسة، 1988).
كما أن هذا الموقف(الذاتي) أدى به إلي التعسف في كثير من أرائه كالخلط بين مفكري الأندلس والمغرب ليضعهم في قائمة أرسطية واحدة، بالرغم من أن بعضهم ينتمي صراحة إلى العرفان كما هو الحال مع ابن الطفيل، والبعض الآخر إلى البيان كما هوالحال مع ابن حزم والشاطبي وابن خلدون. وبدلاً من أن يستخدم في علاقة هؤلاء بالبرهان الأرسطي مفهوم «التوظيف» فانه استخدم مفهوم «التأسيس»، لكنه مع ذلك يفهم من «التأسيس» أحيانا ـ وكما يبدو ـ على انّه «توظيف»، مما يجعل شائبة الخلط بين المفهومين تلوح. فابن حزم والشاطبي وغيرهما من أصحاب البيان لم يؤسسوا البيان على العقل الأرسطي كما يفعل الفلاسفة، بل وظفوا بعض قواعده الصورية بما لا ينافي نظام البيان، بل خدمة له.
كما أن الجابري يفهم العقلانية طبقا لمفهوم المدرسة العقلانية الغربية وهو ما أدى به إلي قصرها على جانب واحد من جوانب الفكر الإسلامي هو الفلسفة الاسلاميه في شكلها التقليدي وفى قطاعها الارسطى. رغم أن الغرب ذاته لم يدخل عصر النهضة إلا من خلال نقد التصور الارسطى للعقل والمعرفة( بيكون،لوك،ديفيد هيوم، كونت، مل...).
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

مؤشرات ضعف الذراع الأيمن لقهر الشعوب ( الامبرياليه الامريكيه)

د.صبري محمد خليل/ استاذ الفلسفة بجامعه الخرطوم 
بداية يجب التمييز بين أمريكا كشعب،وأمريكا كنظام امبريالى اى كقائده للنظام الراسمالى الذي نشا في أوربا و أصبحت أمريكا قائدته في مرحله لاحقه، و امتد إلى كل أطراف الأرض، فارضا إرادته على اراده الشعوب والأمم بالسيطرة العسكرية و والاقتصادية والثقافية. 
فقد مضت فترة من الزمان كان الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة الأمريكية حليفان موضوعيا في قهر الشعوب. غير أن تنافسهما على الاستبداد بالأمم والشعوب والدول كان يتيح للمستضعفين الذين هم كل البشر ثغرة لكسب قدر من الحرية في مقابل أن يكونوا تابعين لأحدهما. ولقد استفادت دول كثيرة من التناقض بين الدولتين العظميين إلى أن انسحب الاتحاد السوفيتي من حلبة المنافسة، فشل الذراع الأيسر لقهر الأمم والشعوب. 
فلما شل الذراع الأيسر ضعف الذراع الأيمن الولايات المتحدة الأمريكية ومؤشرات ذلك: 
المشكلة القومية : أمريكا ليست دولة قومية، بل دولة متعددة الاثنيات. فكل نفر من سكانها ينتمي إلى أمة أو شعب خارجها. فهي معرضه دائما إلى خطر التمزق كدولة إلى عدد من دول كل منها قومية، و قد قامت على أساس أن يتولى البيض الأنجلو سكسون البروتستانت (الواسب) صهر بقية القوميات فيهم لغة و حضارة و مصيرا. ولكن هذا الأساس لقي معارضه متكررة من هذه الجماعات الاثنيه، فظهرت حركه الحقوق المدنية التي يعد مارتن لوثر كنج المغتال احد ابرز زعمائها، كما قامت عام 1968 ثورة أسميت "الزهرة الطفلة" ، و اضطرت الدولة الفيدرالية الى التراجع الجزئي برد حق كل جماعة اثنية في أن تتكلم لغتها القومية، و تستعملها في مدارسها، و في كنائسها، و أن تكون لها صحفها، و أعيادها، و مجتمعاتها، و أزيائها. 
وعلى هذا المستوى ظهرت أول مؤشرات ضعف الولايات المتحدة الامريكيه كذراع ايمن لقهر الأمم والشعوب باندلاع العنف بين القوميات في الولايات المتحدة الأمريكية عقب انهيار الاتحاد السوفيتي مباشره،ذلك العنف الذي قاده السود و البيض وأبناء الشوارع و أباطرة الجريمة المنظمة...
وجاء فوز اوباما في انتخابات الرئاسة الامريكيه ليصبح أول رئيس للولايات المتحدة الامريكيه من أصول افريقية اى من خارج اثنيه الواسب( البيض الأنجلو سكسون البروتستانت) وان سبقه جون كيندي المغتال والذي كان كاثوليكيا. ففوزه من جهة هو انتصار رمزى للجماعة الاثنيه الافريقيه والجماعات الاثنيه الأخرى المقهورة ودليل على ضعف قبضه الواسب على المجتمع الامريكى دون أن يعنى زوال سيطرتها على هذا المجتمع تماما. ومن جهة أخرى هو مؤشر أخر لضعف الولايات المتحدة لذراع ايمن لقهر الشعوب على المستوى الاجتماعي.
الإرهاب الحرب العالمية الثالثة: كانت الولايات المتحدة الأمريكية هي التي بدأت وأعلنت الحرب العالمية الثالثة ممثله في يمكن تسميته بحرب الإرهاب عام 1984. ففي هذا العام اصدرالرئيس الامريكى رونالد ريجان تعليمات بشن غارات انتقامية ضد الجماعات الإرهابية في خارج الولايات المتحدة الأمريكية وتوجيه ضربات وقائية إليها باستخدام القوة قبل أن تقع أية أحداث. وكانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر رد فعل على هذه السياسة .وجاءت سياسة بوش في الحرب الاستباقيه استمرارا لهذه الحرب. غير أنه في هذه الحرب كانت الولايات المتحد ه هي الخاسر الأول لأنها عاجزة فيها عن استخدام أسلحتها المتطورة وفى ذات الوقت تتيح لخصمها امكانيه الانتصار باستخدام أبسط أدوات التدمير. وجاء إنهاك القوه العسكرية والامنيه لأمريكا في حرب الإرهاب مؤشر أخر على ضعف الولايات المتحده كذراع ايمن لقهر الشعوب على المستوى العسكري والامنى. 
الازمه الاقتصادية: ترجع جذور الازمه المالية العالمية الاخيره إلى صميم النظام الاقتصادي الرأسمالي المستند إلى الليبرالية كمنهج والقائلة بان مصلحه المجتمع ككل ستتحقق حتما من خلال محاوله كل فرد تحقيق مصالحه الخاصة،اى النظام الاقتصادي القائم على عدم تدخل الدولة كممثل للمجتمع ،وهو ما اثبت واقع المجتمعات الاوربيه ذاته خطاه ،إذ قبل أن ينتهي القرن التاسع عشر حتى كانت ضرورة تدخل الدولة مسلمه في كل المجتمعات الاوربيه، وان اختلفت في مدى هذا التدخل. إلا انه بعد انسحاب الاتحاد السوفيتي من حلبه المنافسة العالمية ظهرت الدعوات التي تشكك في ضرورة تدخل الدولة وهذه الدعوات شكلت الأساس الايدولوجى للازمه الاقتصادية الاخيره. ولتصبح الازمه الاقتصادية الاخيره مؤشر آخر على ضعف الولايات المتحده كذراع ايمن لقهر الشعوب على المستوى الاقتصادي.
أما التعطيل النهائي لقدره هذا الذراع على قهر الشعوب فمرهون بسعي هذه الشعوب إلى استرداد حريتها، وإلغاء القهر الممارس عليها، بالتدريج، وحسب الإمكانيات المتاحة لها، وبمزيد من التضامن بين هذه الشعوب،.
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

أكاديمي سعودي يحارب علم الأجتماع


من المعروف أننا نحن العرب نفاخر بان العلامة "عبد الرحمن بن خلدون" هو المؤسس والأب لعلم الاجتماع، وقد نما هذا الفرع وتوسع وانتشر وأصبح علما مستقلا بذاته، وتقوم عليه أبحاث علمية، ونجد هذا العلم من أساسيات أي كليات أدبية أو إنسانية وقلما نجد جامعة شهيرة لا تدرس هذا العلم. وعلم الاجتماع مادة مطلوبة من جميع الدارسين مهما كانت تخصصاتهم، وعليهم أن يلموا بشيء من هذا العلم . 
ولكن الدكتور أحمد خضر مؤلف "كتاب اعترافات علماء الاجتماع" له نظرة أخرى، فهو يسعى لدحض فكرة أن هناك علماً اسمه "علم اجتماع"، ويذكر المؤلف أن هذا العلم ليس له وجود علمي، وإنما هو مجموعة من الأفكار الشاطحة والمرذولة أحيانا، وأنه لا يستقيم كعلم، ويسعى في كتابه هذا ان يقنع القارئ بدراسته هذه التي تنفي وجود علم اجتماع.
والغريب في الأمر أن المؤلف ليس جديدا أو غريبا أو دخيلا على علم الاجتماع، فهو أحد الدارسين له والمدرسين فيه، وتلقى تعليمه من مصادر العلم في مصر وأوروبا ودرس في الولايات المتحدة الأمريكية، وخرج بهذه القناعة التي وضعها في كتابه، ويقول في مقدمته: "إننا لسنا بحاجة إلى علم اجتماع لا في شكله العام، ولا فيما يسمى اليوم بعلم الاجتماع الإسلامي أو أسلمة وتأصيل علم الاجتماع". 
ولكن ما هو هذا العلم الذي يدرس في كل الجامعات وله كليات منفصلة في كثير من الجامعات؟ وبماذا نسميه ؟ يقول الدكتور أحمد خضر في الفصل الثامن والذي وضع عنوانه "علم الاجتماع نزعة علمية مزيفة " : "كان أكبر وهم غرقنا فيه منذ اللحظات الأولى التي درسنا فيها علم الاجتماع وحتى الآن هو: (النظرة إلى علم الاجتماع على أنه علم). ولو كان أساتذتنا حددوا لنا أنهم يقصدون بعملية (علم الاجتماع) أنه علم بالمعنى الواسع للكلمة، أي: (المعرفة) لخفت حدة المشكلة نوعا ما، لكنهم أكدوا لنا أنه علم بمعنى أنه منهج متخصص ووجهة نظر مشابهة لتلك التي للعلوم الطبيعية، وأنه وإن نشأ في أحضان الفلسفة فإنه الآن قد تحرر منها".
ويجيب عن تساؤل القارئ عن ماذا نسمى رجالات الفكر الاجتماعي؟ وما ذا نسمي ما سبق أن كتب في هذا الموضوع؟ يجيب إجابة كافيه للسؤال فيقول في ص 128 " إن نشأة علم الاجتماع لم تكن نشأة علمية، وإن علماء الاجتماع الأوائل كانوا يلبسون ثوب الفلاسفة الأخلاقيين، وما كتب لأفكارهم البقاء إلا لأنه نظر إليها على أنها فكر يحل المشاكل. لم تكن الأفكار والمفاهيم التي صاغها كبار علماء الاجتماع الأوائل نتيجة تحليل علمي كما نفهمه هذه الأيام. كان هؤلاء الكبار يعتمدون على الحدس والتخمين العميقين. كانوا يستجيبون لما يدور حولهم كما يستجيب الفنان. 
ولا يقف الدكتور أحمد خضر على إبداء رأيه هو بل يستند في دعواه هذه إلى العشرات من الشهادات العلمية والتي أدلى بها رجالات هذا العلم ذاته.
والمؤلف يأخذ كثيرا من أبحاث الأستاذ محمد عزت حجازي ويستشهد بأقواله وهو يقول : "يجب أن نسلم بحقيقة بسيطة وهي أنه لا يوجد شيء اسمه علم محايد، وإذا كان هذا يصدق على العلم عامة، فإنه يصدق على علم الاجتماع بدرجة أكبر".
يقدم دراسته الشيقة هذه في واحد وعشرين فصلا ويختمها بهذا العنوان المثير للتفكير:هل تحتاج بلادنا إلى علماء اجتماع؟
إن موضوع الكتاب يكفي للإجابة عن هذا السؤال بلا، ولكن المؤلف يستعين بأقوال كتاب ومفكرين آخرين ويقدمها للقارئ ليقنعه بما يراه، فيقدم رأي الصحفي : سعد الدين إبراهيم الذي يقول في ص 316 " نادرا ما يجد طالب المعرفة إنتاجا سوسيولوجيا يطفئ ظمأه لفهم الواقع العربي المعاصر بصورة منضبطة أو موضوعية أو شاملة أو حتى جزئية … ويواصل سعد الدين حملته على علم الاجتماع ويقول: إن "علينا الاعتراف بأن مجتمع المشتغلين بعلم الاجتماع في بلادنا لا يشكل مجتمعا مهنيا حقيقيا، وإنما هم جماعات مصالح، وشلل تتصارع مع بعضها، ويسيطر أحدها على الآخر، وإن تنشئتهم المعيبة أدت بهم إلى اللامبالاة والسلبية، وعودتهم على الوصولية والانتهازية. 
ولابد للقارئ أن يتساءل عن ما هو العلم الذي يدرس بدلا من هذا العلم الملغي : يقول الدكتور خضر: إنه يجب تدريس الإسلام، فالإسلام هو العلم الشامل الكافي لحراسة المجتمع ونموه وتطويره، وهذا الإسلام قادر على تشخيص أمراض المجتمع وعلاجها. 
الكتاب يحتاج إلى علماء الاجتماع ليردوا عليه فان اتهاماته للعلم ذاته قوية وتحتاج إلى عالم آخر يستطيع أن يرافع مرافعة علمية عن هذا العلم المتهم بالضبابية! 
ونحن نقدم للقارئ الفصل الأول من هذا الكتاب ليتعرف بنفسه على أفكار الكاتب ومداخلاته التي بنى عليها أفكاره المغايرة لما هو معروف عن علم الاجتماع.


اعترافات علماء الاجتماع 
الفصل الأول
علم الاجتماع: شعوذة الأزمنة الحديثة
هناك عدة حقائق أقر بها رجال الاجتماع في بلادنا وفي بلاد الغرب:
الحقيقة الأولى: هي أن علم الاجتماع هو شعوذة الأزمنة الحديثة. أقر بهذه الحقيقة الطاهر لبيب الأستاذ بالجامعة التونسية في معرض حديثه عن موقف بعض المجتمعات الغربية من علم الاجتماع، وتخوفه من نقل هذا المفهوم إلينا، ودعا غيره من رجال الاجتماع إلى الحد من الانبهار الساذج والتوكل الكلي على علم الاجتماع كمواقف تجعل منه عصا سحرية علمية.
من المسلم به أن علم الاجتماع يساعد على بلورة اهتمامات وقيم الطلاب الذين يلتحقون بأقسام الاجتماع بتوقعات وأمال عريضة، يريدون أن يلمسوا قضايا المجتمع الحقيقية، فيجدون أن المحاضرات والمؤلفات والكتب والمداولات والنقاشات تنتمي إما إلى مجتمعات غربية أو شرقية، وفوق هذا لا يجدون في المقررات الدراسية والأنشطة العلمية ما يروي غليلهم، فيصابون بالإحباط وخيبة الأمل، ثم يفاجئون بأن سني أعمارهم ضاعت في شعوذة باعتراف أساتذتهم وأئمة أساتذتهم من علماء الغرب، ومما يؤكد لهم ذلك أنهم يتخرجون فيجدون أنفسهم غير فاهمين للمجتمع، وعاجزين عن التعامل معه في ضوء ما تعلموه.


الحقيقة الثانية: هي أن تدريس علم الاجتماع في بلادنا لا يعد ضرورة من ضرورات المعرفة والواقع، وأنه لو ألغي هذا الاختصاص من جامعاتنا فإن غيابه لن يكون نقصاً ولا تخلفاً معرفياً.
أقر بهذه الحقيقة الطاهر لبيب أيضاً. كما أقر بها كذلك سعد الدين إبراهيم الأستاذ بالجامعة الأمريكية بالقاهرة. اعترف سعد الدين إبراهيم بأنه لو افترض أن اختفى كل علماء الاجتماع العرب فجأة فإنه لا شيء يمكن أن يحدث للمجتمع سلباً أو إيجاباً.


أقر هذا الأستاذ أيضاً بأن الرغبة (وليس الضرورة) هي مبرر ظهور علم الاجتماع وعلماء الاجتماع، وهي مبرر وجوده ووجودهم، واستمراره واستمرارهم. أقر كذلك بأن الفهم الذي يقدمه علم الاجتماع ليس هو الفهم الوحيد، وإنما هناك أفهام أخرى قديمة وحديثة، بمعنى أن علم الاجتماع ليس هو العلم الوحيد الذي يحتكر تقديم الفهم عن المجتمع. شارك محمد الجوهري الأستاذ بجامعة القاهرة سعد الدين إبراهيم في ذلك، وقال: إن علم الاجتماع لا يستطيع تقديم صورة كاملة وشاملة عن الإنسان والمجتمع، وأن تصوره لهما جزئي ويمثل وجهة نظر واحدة. وأقر غيرهما من رجال الاجتماع أن دور علم الاجتماع في بلادنا هزيل ومنحصر في التلقين والتدريس خلف أسوار الجامعة، وأنه ليس إلا صورة مرتعشة مهزوزة لمنتج مهزوز تم في مجتمعات أخرى، ولصالح مجتمعات أخرى – ضد مصالحنا بالطبع -، غير قادر على متابعة التغيرات التي تحدث في مجتمعاتنا ذاتها. الناس في بلادنا – بما فيهم الجهات الحكومية والمؤسسات الخاصة – لا تضع هذا العلم، وأهله في مكانة رفيعة، ولا تسند إليهم مهام إجراء بحوث أو اقتراح حلول أو المشاركة في اتخاذ قرارات، وكيف يسند إليهم ذلك والناس ترى ضحالة ما يعالجونه وسطحية ما يعالجونه، إلى درجة أن منهم من كان يدرس (القهوة العربية السادة) ووظيفتها الاجتماعية عبر التصورات المنهجية والأطر النظرية للباحثين الغربيين.


يقر رجال الاجتماع في الغرب بأن علم الاجتماع ليس صادقاً كميدان للمعرفة، وأن 95% من دراساته بالأشكال غير المنطقية من السلوك، ورغم ذلك فإن هذا لم يمنعهم من وضع أغلب أحكامهم في إطار منطقي. المفاهيم في علم الاجتماع تعالج كحقائق بسيطة بدون معنى ثابت وواضح. كل مفهوم في علم الاجتماع له العديد من المعانـي.


الحسن والقبيح ليس بأنماط مختلفة من السلوك، وإنما هما درجات مختلفة لاسم واحد. الطـلاق، الانتحـار، السفاح، وأبناء الزنا، كل ذلك مفاهيم ذات ظلال مختلفة، لها معان واسعة. القبيح في علم الاجتماع قد يصبح حسناً، والحسن قد يصبح قبيحاً. ليس هناك من اتـجاه اجتماعي يمكن أن يستمر في نفس الخط دون نهاية.


حديث رجال الاجتماع عن التنبؤ مبالغة غير منطقية، فعلماء الغرب – أصحاب هذه القضية ذاتها – يعترفون بأنه لا يمكن التنبؤ بالمستقبل في أي زمن، ولا أحد يعرف ما الذي سيحدث غداً، وأفضل ما في جعبة علم الاجتماع لا يستطيع أن يضمن ذلك.


البناء الفكري العام لرجال الاجتماع في بلادنا يتميز بالتشتت والتشوه. يغيرون أفكارهم مع تغير سياسة الدولة، ومع انتقالهم من مجتمع عربي إلى آخر يدفع أكثر. إنهم يعترفون بأنهم غير قادرين على تشخيص واقع مجتمعاتهم تشخيصاً دقيقاً. إنهم مشغولون بانتماءاتهم الأيديولوجية، يخشون على مستقبلهم المهني، ومهاجمة بعضهم البعض، ينفون عن بعضهم البعض ما يسمونه بالقيم العلمية والأمانة والدقة، ويتهمون بعضهم بعضاً بالاستسهال والتمركز حول الذات، وتجاهل أعمال الآخرين، وإعادة إنتاج ما سبق إنتاجه، والإخلال بما يسمونه بأسس البحث العلمي النظري والمنهجي والميداني واللغوي، والتخلف عن متابعة الإنتاج العالمي. كل منهم يدعي أنه بداية العلم الحقيقي وحامل شعلته، يتهمون بعضهم بالتبعية وهم من ناقليها... إلخ.


الحقيقة الثالثة: هي أن النزعة العلمية في (علم الاجتماع) نزعة مزيفة، وأن الشروط العلمية التي حددها العلماء في أي معرفة لكي تكون علماً لا تتوافر في علم الاجتماع.


إن هـذا العلم مرتبط بأسماء أشخاص معينين، هم الذين اخترعوا نظرياته ومدارسه، يرجع إليهم دائماً وليس إلى علم محدد. إنه ليس بعلم دولي ولا بالمعنى الدقيق لكلمة علم. نشأة علم الاجتماع ليست نشأة علمية، وأصحابه لا يشعرون في قرارة أنفسهم بأنهم علماء. استخدام (علم) الاجتماع لمناهج العلوم الطبيعية وللإحصاء وللرياضيات لم يحقق له خصائص العلم. لم يتحقق حلمه في التوصل إلى القوانين التي تحكم حركة المجتمع. الأحكام التي توصل إليها احتمالية ترجيحية تعكس أهواء مطلقيها وميولهم ومصالحهم.


الحقيقة الرابعة: هي أن علم الاجتماع (علم) عقائدي ليس بالمحايد، وأنه استعماري بطبيعته، وذو صلة بأعمال المخابرات، هدفه الأول ضرب الدين والعقيدة بصفة عامة، والإسلام وشريعته بصفة خاصة.
أقر (جاك. بيرك) بأن علم الاجتماع علم استعماري، وأقر رجال الاجتماع في بلادنا بأن علم الاجتماع أعد بحثاً وتدريساً ليكون عقل رجال الاجتماع العرب تابعاً للعقل السوسيولوجي الغربي سواء في منهجية التفكير أو تصور مهام علم الاجتماع، وأنه حينما رحل الاستعمار من بلادنا ترك وراءه من الترتيبات المؤسسية والفكرية ما يعيد سيطرته وهيمنته والتبعية له. وفي المغرب العربي كان علم الاجتماع في خدمة الاستعمار الفرنسي، وارتبط ارتباطاً مباشراً بأجهزة المخابرات. تركزت أهدافه منذ نشأته في محاربة الإسلام وشريعته، وتشجيع ملامح الحضارة المغربية ما قبل الإسلام. ساهم علم الاجتماع في تحقيق الأهداف الفرنسية الرامية إلى تعميق الهوة بين العرب والبربر، والعمل على تطوير البربر في اتجاه الحضارة الغربية وليس الإسلام. عمل على إعادة تركيب وتنظيم حياة المغرب العربي في ضوء المرئيات الاستعمارية. اهتمت المؤسسات الأمريكية في بلادنا اهتماماً خاصاً بترجمة مراجع علم الاجتماع الغربي التي تحتوي أفكاراً مضادة للدين وللعقيدة. أشرفت مؤسسة فرانكلين على سبيل المثال على طبع كتاب (المجتمع) لمؤلفيه (ماكيفر وبيج)، لاقى هذا الكتاب رواجاً كبيراً. نظر هذا الكتاب إلى تفسيرات الدين على أنها تفسيرات جامحة لابد أن ينقيها العلم. دعا إلى دين عالمي من صفاته أنه دين بلا جهاد، ولا يقوم على مبدأ الإيمان أو الكفر. نظر المؤلفان إلى الدين على أنه يفرق الشعوب ويقطع أوصال الشعب الواحد، ويعتبر أنه عقيدة ضيقة الأفق غير متسامحة لا تستند إلى العقل. يريد المؤلفان ديناً بلا سلطة أخلاقية، لا يحدد القواعد الخلقية للناس، لا يمنع الاحتكار ولا الربا، يسعيان إلى أخلاق تحررية تنبثق من ضمير الفرد. روج المؤلفان للمذهب الإنساني الذي يعني التخلي عن أحكام ما فوق الطبيعة المتعلقة بالخلق، والجنة والنار.. ويجتمع الناس على قواعد الأخلاق الاجتماعية وليس على أساس الدين والمعتقدات. الإنسان في علم الاجتماع هو ناتج الواقع يحدد له مصيره وينشئه ويحركه كيف يشاء، ولهذا فإن عليه أن يخضع لقوى المجتمع ومعاييره. والإنسان في علم الاجتماع أيضاً هو خالق الواقع كما أنه ناتج له في نفس الوقت. المجتمع يصنع الإنسان، والإنسان بدوره يصنع المجتمع. دراسة المجتمع عند بعض العلماء تبدأ من الفرد وفي داخل الأفراد وليس في أي نطاق آخر يمكن العثور على النظم.
المعنى الحقيقي لعلمية علم الاجتماع هو عدم إقراره بوجود قوة أوجدت العالم وسيرته وتحركه وفق إرادتها. إنه لا يرتبط مطلقاً بما هو روحي وما هو ديني. الروحي والديني أحد موضوعات دراسته، يتحكم هو فيها ولا تتحكم هي فيه، إنه (علم) ولهذا لا يؤمن إلا بالملاحظة والتجربة العلمية.


مصادر علم الاجتماع الثلاثة هي نفس مصادر الحضارة الغربية: المنهل اليوناني الروماني، والمنهل اليهودي المسيحي، والبيئة الأوربية ذاتها.
علماء الاجتماع الغربيون يرون أن الغرب كان يعبر عن نفسه يوماً بالدين. أما اليوم فإن الدين عندهم (معتقدات عتيقة)، ولهذا استعان الغرب بالعلوم الاجتماعية كبديل عن هذه المعتقدات العتيقة، وتحول الدين عندهم إلى موضوع للبحث الاجتماعي والتاريخي، وإلى تراث يمكن إخضاعه للدراسة. خاض علم الاجتماع معركته ضد الدين ووصف علماؤه هذه المعركة بأنها بالغة القسوة والضراوة، وتصوروا أن النصر الحاسم كان حليفهم.
البناء الحالي لعلم الاجتماع يرجع بصورة أو بأخرى إلى الأفكار التي صاغها رواد مبكرون مثل (باريتو) الإيطالي، (ودور كايم) الفرنسي، و (ماكس فيبر) الألماني. الأول (كاثوليكي)، والثاني (يهودي)، والثالث (بروتستانتي).
كانت لكل واحد منهم الرغبة في أن يكون عالماً، وكانت العلوم تمثل بالنسبة إليهم فكرة النموذج الذي يهيء التفكير المحدد أو التفكير الصحيح، وهم كعلماء اجتماع كانوا يرون أن المجتمعات يمكن أن تحافظ على تماسكها من خلال معتقدات مشتركة، إلا أنهم وجدوا أن هذه المعتقدات قد اهتزت نتيجة نمو التفكير العلمي خاصة في الوقت الذي ظهر فيه أن هناك تناقضاً متزايداً بين الدين والعلم لا يمكن حسمه. اعترف الثلاثة بوجود هذا التناقض.
انتمى ( دور كايم ) إلى التفكير العلماني، ووجد أن التفكير الديني لم يعد قادراً على مواجهة ما أطلق عليه: الروح العلمية. كما رأى أن أزمة المجتمع الحديث تكمن في أنه لم يستطع استبدال الأخلاقيات القائمة على الدين بأخلاقيات قائمة على العلم، وكان يرى أن علم الاجتماع يستطيع أن يعاون في إقامة هذه الأخلاقيات.
أما ( باريتو ) فقد كان يصر طوال حياته أن يكون عالماً، وقاده هذا الإصرار إلى تكرار قوله بأن القضايا التي يمكن التوصل إليها عن طريق المنهج التجريـبي هي وحدها العلمية، وكل القضايا الأخرى وخاصة الأخلاقية والميتا فيزيقية ليس لها أي قيمة علمية.


كان ( ماكس فيبر ) ينتمي إلى عائلة دينية، لكنه كان غير مؤمن وإن أبدى احتراماً عميقاً للعقيدة الدينية. صُنِّف ( فيبر ) من قبل علماء الاجتماع كفيلسوف وجودي.
فرضت مشكلة العلاقة بين العلم والدين نفسها على الرواد الكبار الثلاثة، قال(دور كايم): (إن العلم يستطيع أن يفهم الدين وأن يفسر قيام معتقدات دينية جديدة).
(باريتو) أجاب على المشكلة بطريقة ساخرة فقال: (لا تحفل بالدين ؛ لأن الرواسب لا تتغير، وسوف تنشأ معتقدات جديدة دائماً ).


أما (فيبر) فقد كان يرى أن التناقض قائم بين مجتمع يقوم على العقلانية وبين الحاجة إلى الاعتقاد والإيمان، يقول فيبر: (إن الطبيعة كما يفسرها العلم وكما تعالجها التكنولوجيا ليس فيها متسع لسحر الدين وأساطيره القديمة. يجب أن ينسحب الإيمان ليعيش في عزلة مع الضمير).
وجه العلماء الثلاثة النظر إلى علم الاجتماع كمفهوم لعلم الفعل الجمعي، ورأوا أن الإنسان كمخلوق اجتماعي وديني هو خالق القيم والنظر، وأن الدين لا يمكن أن يكون أساس النظام الاجتماعي مرة أخرى.
هذا بالنسبة للرواد الكبار. أما العلماء المعاصرون فقد ساروا في نفس منهج هؤلاء الرواد. (تالكوت بارسونز)من أبرز علماء الاجتماع المعاصرين الذين أحدثت نظرياتهم دوياً شديداً في أمريكا وأوربا على السواء. ولا يخلو كتاب في علم الاجتماع في بلادنا من الإشارة إليه والكتابة عنه. كان (بارسونز) يرفض الدين بعنف. ويقول (روبرتسون) في مقالته عن تالكوت بارسونز والدين (Sociological Analysis, 1982, p. 283): (إن حديثنا عن الدين يعني العودة لموضوع رفض باسونز الإيمان به بثبات، وأنه بالرغم من عدم إيمانه بالدين فقد كتب فيه ما لم يكتب أي عالم اجتماعي آخر، وساهمت دراساته عن الدين في توجيه الباحثين الآخرين بدرجة ساعدتهم على فهم الدين بالرغم من أنه لم يدرسه وصولاً إلى الحقيقة، وإنما درسه من زاوية علاقته مع المظاهر الأخرى للحياة الإنسانية).
ويقر رجال الاجتماع في بلادنا بأن (ماركس) كان واحداً من المفكرين الكبار الذين ينسب (بارسونز) إليهم أطره النظرية.
اعترف العلماء الغربيون بأن إخضاع الدين للدراسة العلمية من شأنه أن يحطم الإيمان الديني، ويعني نهاية الدين ؛ لأن الافتراض الأساسي الذي قامت عليه قضايا علم الاجتماع هو: العلم المحسوس، والخبرة الحياتية، والدراسات الإنسانية بكاملها، تقوم على مبدأ أن حل مشكلات الإنسان تكمن في داخله وفي فهمه لنفسه قبل أن تكمن في خارجها، ومن ثم حدث انفصال واضح بين الواقع والقيم حتى في البحوث الاجتماعية تحت دعاوى الموضوعية والدقة المنهجية.
قام رجال الاجتماع في بلادنا بنفس ما قام به علماء الغرب، فطبقوا الفكر العلمي على قضايا الإنسـان والمجتمـع والدين، ففهموا الإسـلام في ضوء التراث الغربي،فخرجوا لنا بصياغات غريبة عن الشكل الأول للدين، وقالوا إن الدين يجب أن يبدأ بتجربة حسية، وإنه يمكن رده إلى عنصر معروف حولنا، وإن الناس هم الذي يضفون على الظواهر الطبيعية قداسة من عندهم حيث يثير فيهم مشاعر غير عادية. قالوا لنا إن الدين انبثاق من الواقع بأبعاده السياسية والاقتصادية والتاريخية. اعتبروا (الله) فكرة وحـالة نفسية. أطلقوا نفس المصطلحات الغربية على كل ما يتعلق بالدين، مثل: 
(المتعالي، وما فوق الطبيعي، والطقوس... إلخ). تحول الإسلام عندهم إلى دين يكرس الطاعة لتقاليد جامدة. والمؤمن عندهم مثقل بالتقاليد الدينية التي ترسخت في عصور التخلف. التفكير الغيـبي عندهم تفكير سلفي رجعي مغرق في متاهات الماضي. أطلقوا على النبي صلى الله عليه وسلم صفة (الكارزمية) ـ كما أسماها (ماكس فيبر) ـ، بمعنى أنه يملك جملة من القدرات الخارقة للعادة، وأن له موهبة السلطة والزعامة والقدرة على تحريك الأحداث والأفراد في الطريق الذي يريده، وأن المسألة ليست مسألة وحي من الله بقدر ما هي صفات خاصة له. النبي عندهم ينشر دعوته نتيجه لإحساس أو هاجس عميق بمأساة الإنسان والمجتمع في عصره.
العلوم الاجتماعية ليست علوماً محايدة، إنها علوم عقائدية. لا يوجد هناك شيء اسمه علم محايد، وإذا كان يصدق ذلك على العلم عامة فإنه يصدق على علم الاجتماع بدرجة أكبر. أقر بذلك ( عزت حجازي )، وأقر به ( غالي شكري )، ونقله ( حيدر إبراهيم ) عن ( إدوارد سعيد ) الذي سلم بأنه ما من أحد ابتكر أبدا طريقة لفصل الباحث عن ظروف الحياة وعن حقيقة انشباكه، واعياً أو لا واعياً، في طبقة ومعتقدات ومنزلة اجتماعية. 
النظريات الغربية ـ كما يقول ( عادل حسين ) ـ نظريات عنصرية تقوم على الإحساس بالتفوق والهيمنة، تبرز سيطرة الغرب الأقوى على النظام العلمي المستند إلى تقسيم دولي ينظر إلى التنظيمات الاجتماعية غير الغربية بأنها أدنى، وغير قابلة للتجديد والتطور، وأن على الغرب مهمة تاريخية هي العمل على تحديث العلم وتمدينه.الحضارة عندهم احتكار للبيض الذين هم أرقى الأجناس. الغرب هو الغاية الوحيدة للتقدم الإنساني عند ( دور كايم )، وتفوق الغرب مسلمة من مسلمات ( ماكس فيبر ).
صورت لنا العلوم الاجتماعية على أنها علوم عالمية تقوم على الموضوعية، وتعتمد على قاعدة قوية من المعلومات عن سائر المجتمعات البشرية. وهذا تصور أو إدعاء غير صحيح؛ لأنها تعتمد فقط على خبرة المجتمعات الغربية وحدها. قبلنا النظريات الغربية في بلادنا على أساس أنها علم، تعتمد على المنهج العلمي الذي يقوم على الاستقراء والملاحظة لا على الحدس والميتافيزيقا والقول المأثور. صورت لنا النظريات الغربية – كما يقول (جلال أمين) – على أساس أنها تتجاوز حدود الزمان والمكان وواقع الأمر، إنها كانت تنقل لنا تحت ستار العلم قيم العالم الغربي وأفكاره ليس لصالح العلم وإنما لصالح دول الغرب. تخلينا عن ديننا وعن عقيدتنا وعن تصوراتنا عن الكون والإنسان والحياة واستبدلناها بقيم الغرب وأفكاره وتصوراته وأخلاقياته، لنكتشف في النهاية أن ما يدعونه بالنظريات الغربية لا علاقة لها بالعلم.


"الإنسان هو محور الكون"، العمل يجب أن يكون منطلقاً من الإنسان وليس من الله، "هذه هي النقطة المركزية في كل النظريات الغربية. وهذا في حد ذاته يتناقض جذرياً مع المسلمة الأولى في حياتنا وهي أن الله هو محور الكون"، نقطة الانطلاق تبدأ منه وتنتهي إليه.


الحقيقة الخامسة: أن رجال الاجتماع في بلادنا لا ينتجون علماً حقيقياً: وإنما يستوردون الأفكار ويستهلكونها دون تبصر كما يستهلكون قطع غيار السيارات وأجهزة التكييف. النظريات التي يدرسونها في قاعات المحاضرات ذات أهمية فقط في البلاد التي نشأت فيها، وليس لها أهمية في بلادنا، نقلت إلينا دون إعمال الفكر في مدى انطباقها على أوضاعنا، ولم تفرض عليها أي تحفظات عند تدريسها، تعكس نظرة وأيديولوجية وفلسفة مجتمعاتها دون سواها.


هناك أربع مراحل كبرى للتطور العالمي الذي طرأ على علم الاجتماع لا شأن ولا دخل لنا بها.


المرحلة الأولى: بدأت منذ حوالي الربع الأول من القرن التاسع عشر في فرنسا أهم من أسهموا فيها سان سيمون وكونت.


المرحلة الثانية: هي الماركسية التي تبلورت في حوالي منتصف القرن التاسع عشر وعبرت عن جهد معين للارتقاء بتراث المثالية الألمانية وإدماجه بنماذج أخرى من التراث كالاشتراكية الفرنسية وعلم الاقتصاد.


المرحلة الثالثة: تمثل علم الاجتماع الكلاسيكي الذي تطور قبل الحرب العالمية الأولى، وهي مرحلة توفيق وإدماج بين الوضعية والماركسية.


المرحلة الرابعة: هي مرحلة الاتجاه الوظيفي البنائي الذي تبلور في الثلاثينيات في الولايات المتحدة عن طريق جماعة من الدارسين الشبان أمثال بارسونز وكنجزلي دافيز وغيرهما.


هذا التطور نحن لا شأن لنا به، ورغم ذلك فإن مؤلفات رجال الاجتماع في بلادنا تنقل لنا فكر هذه المراحل وتترجمه لنا، الرسائل الجامعية تعج به تشكلاً ومضموناً ولغة وطريقة في التفكير. ولأن بلادنا يتمتع فيها الأجنبي بامتيازات لا حدود لها، ترسخ في شعورنا احترام مبالغ فيه لكل منجزات الأجنبي، فسهل عليه أن يبيع بضاعته الفكرية كما يبيع بضاعته المادية، وصور لنا فكره على أنه نتاج إنساني عام أو ثمرة للتقدم المادي الذي لا ينتسب لحضارة دون أخرى أو ثقافة بعينها، وسهل عليه إخفاء تحيزاته وميوله ونزعاته 
التي طبعت إنتاجه المادي والفكري. في هذا الجو قبلنا كل ما أنتجه هذا الفكر الغربي والهزيمة النفسية تملؤ حياتنا _ على حد قول جلال أمين _.
سار رجال الاجتماع في بلادنا وراء التقسيم المعروف لنظريات علم الاجتماع: نظريات الصراع، ونظريات التوازن، وتباينت رؤى باحثينا بين هذين الاتجاهين من النظريات.
في القاهرة والرباط وتونس وبغداد ودمشق واليمن ودول الخليج نشاط ملحوظ ومسموع لرجال الاجتماع الذين يتأرجحون بين هذين الاتجاهين. ينقلون هذه الأفكار ويعرفون بأن دورهم هو دور النادل الذي يقدم الطعام دون أن تكون له أية مسؤولية في ظهوره. فهم لم يشاركوا في صياغة هذه النظريات التي تبنوها ويرددونها بشكل آلي. يبررون أخذهم لهذه النظريات بأن الحضارة الإنسانية لا تتوقف عن المسير، ونحن نعطي لها ونأخذ منها، ونسترد بعضاً من وديعتنا، عندها وتحت هذا الستار شوهوا الحقائق والتاريخ، فقالوا: إننا أخذنا من الإغريق فأبدعنا حضارة عربية إسلامية زاهرة، وإنه بإمكاننا أن نرسم خطوات الحركة لمستقبلنا في أي اتجاه نشاء في ضوء ما نتعلمه منهم.
النتيجة المحزنة التي وصلنا إليها أن كل ما كتب عن مجتمعاتنا العربية والإسلامية انطلق من مفاهيم غربية، وما كانت الماركسية والدور كايمية والفبرية والوظيفية إلا نتاجاً لتاريخ المجتمعات الغربية، وأصبح تمركزنا حول هذه المجتمعات واضحاً وبيناً. تحركت بحوثنا الاجتماعية في ضوء هذه النظريات، وأضاع باحثونا أوقاتهم وجهودهم في بحوث منطلقها أجنبي، فحصلوا الحاصل وانقطعت أنفاسهـم لإثبات بديهيات نائية منذ عهد بعيد، ونقلوا لمجتمعاتنا استنتاجات تحققت فعلاً في مجتمعات أخرى وفي ظروف متباينة عن ظروفنا.
أقر رجال الاجتماع في بلادنا بهذه الحقائق الخمس، ولكنهم لا زالوا يأملون في أن استخدام علم الاجتماع سوف يمكنهم من تحقيق أهداف وأنماط ثقافية معينة. لا زالوا يأملون من علم الاجتماع أن يجيبهم عن كل ما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية، والتنظيم، والتشريع، ومناهج التعليم، وإعادة صياغة وبناء العلاقات، والقيم، والنظرة إلى الحياة،.. ومواجهة كل المعوقات، والرواسب، والمشاكل، وتشكيل وعي الناس... إلى آخر هذه القائمة من الأماني التي لم ولن تتحقق أبداً.
العديد من رجال الاجتماع في بلادنا تعلموا في الولايات المتحدة، وعادوا إلينا بهذه الأماني. ذهبوا إليها على أنها البلد المسؤول عن التقدم العلمي في كثير من ميادين العلوم الاجتماعية المطلوب تحقيقها في بلادنا. لننظر ما يقوله الأمريكيون أنفسهم. 
يقر الأمريكيون إن الآلاف المؤلفة من البحوث الاجتماعية التي أجروها ونشروها لا قيمة لها من وجهة النظر العلمية، وأنها لم تضف جديداً إلى رصيد المعرفة الإنسانية. إنهم ينفقون ملايين الدولارات على البحوث الاجتماعية ويشجعون الباحثين الاجتماعيين بالمنح الضخمة، وينتهي كل ذلك إلى ركام من الحقائق الجزئية التي لا رابط بينها.
يعترف الأمريكيون بحرصهم على الوضعية المتعصبة، وبأنهم يفصلون المفاهيم عن القيم الدائمة، وأن الكثير من الذي يدرس في علم الاجتماع غير ذي فكر عميق. يقول القليل عن أي شيء يتعرض له، وأنه أشبه بحوض فقاعات كبير مقبول ظاهرياً. لا يدخل أي من موضوعاته تحت إطار التحقيق العلمي المعتنى به. كتب المداخل في علم الاجتماع تجمع رطانات عديدة والقليل منها هو الذي يعطي تفسيرات منطقية جادة.


يقر العلماء الأمريكيون بأن علم الاجتماع الأمريكي يعاني من فقر في استخدام الحقائق والخبرات التاريخية، والافتقار إلى الارتباط بالأحداث الكبرى المهمة، وأنه يعبر 


عن خبرة المجتمعات الأوربية أكثر مما يعبر عن خبرة المجتمع الأمريكي نفسه. يقوم علم الاجتماع الأمريكي على حسابات رياضية، ويهمل التحليل، ويجمع الحقائق طبقاً للمفهوم الشعبي والتفسيرات الشعبية. توسع الأمريكيون في إعداد علماء اجتماع ولم يصاحب ذلك ارتفاع في المستوى العلمي. هناك أكثر من عشرة آلاف عالم اجتماع أمريكي لكل منهم علم الاجتماع الخاص به.
هذه هي اعترافات علماء الاجتماع الأمريكيين، فماذا يقول رجالنا الذين تخرجوا من تحت أيديهم؟
الماركسية سقطت في مهدها، لكن الماركسيين في بلادنا باقون. وأبلغ رد عليهم هو سقوط أيديولوجيتهم جهاراً نهاراً، ورغم ذلك لا زالت عندهم قناعة بها. يرفضون الدين والعقيدة. ينظرون إلى العقيدة على أنها جامدة سرمدية. المتدينون عندهم يخفون روحاً عدوانية، ويستخدمون قوى اجتماعية وسياسية يحمون بها مصالحهم. يفرقون بين ما يسمونه بالثقافة العـربية وبين الثقافة السائدة التي يقصدون بها الإسلام، يؤمنون بالأولى، أما الثانية فهي عندهم دخيلة ومفروضة، اضطر مجتمعنا إلى قبولها بوعي وبلا وعي. وسعوا مفهوم التراث حتى لا يفهم منه مجرد الدين والعقيدة، وليميزوا بين ما يسمونه بالأصيل والدخيل من التراث. رغم أن كل همهم هو كسر احتكار الفكر الغربي وعدم التقيد بمفاتيح التحليل الغربي، فإنهم يعتبرون أن المعركة الحقيقية لهم هي مع الإسلاميين التي ستنتهي عندهم إما بانتصارهم أو بانتصار خصومهم.


الماركسية – كما يقول (جرامشي) -: نظرية فلسفية عن العالم، تضم العناصر الأساسية الضرورية لإقامة تصور كلي وشامل عن العالم. وهي في نظره فلسفة شاملة ونظرية موجهة، وقانون لكل ما يحتاجه المجتمع لكي يحقق تنظيمه المنشود، ورسالتها المقدسة إقامة حضارة جديدة.
يفرق الماركسيون في بلادنا بين الماركسية وعلم الاجتماع الماركسي، وإن كان بعضهم لا يعترف بالأخير. المهم هنا أن نبين الآتي:
إن أحدث ممثلي مدارس علم الاجتماع مثل (هايبرماس) و (فيلمر) قد تخلوا عن الماركسية. أما (كورش) الذي كان قد صاغ المبادئ الأساسية للعلاقة بين الماركسية والنظرية الاجتماعية المعاصرة في مقال شهير له في عام 1937 فقد تخلى عن الماركسية في أواخر حياته، وقال ما نصه: (لم يعد من المفيد الآن طرح قضية الصدق النظري لكتابات ماركس وأنجلز ، ذلك أن كل المحاولات التي سعت إلى إعادة صياغة النظرية الماركسية على نحو تتلاءم مع أهداف ثورة الطبقة العاملة قد باءت بالفشل).
كما اعترف بعض الباحثين الماركسيين من رجال الاجتماع في بلادنا بالآتي:
(1) إن الفكر الماركسي قد عجز عن ملاحقة التغيرات المتلاحقة، ومن ثم فقدت مفاهيمه وتصوراته قدرتها على تفسير المواقف المختلفة.
(2) إن السبب في جمود الفكر الماركسي يعود إلى ضيق نطاقه وجمود مفاهيمه ومقولاته.
ومثال ذلك الآتي:
أولاً: إن علم الاجتماع الماركسي فشل في تفسير التغيرات التي طرأت على البناء الاجتماعي في البلاد الرأسمالية، حيث تطور النظام الرأسمالي في غير الاتجاه الذي تنبأ به ماركس.
ثانياً: إن علم الاجتماع الماركسي قد عجز عن فهم التغيرات التي حدثت في المجتمعات الاشتراكية ذاتها، والتي يخضع الاقتصاد والصناعة فيهما لسيطرة الدولة، فأدى هذا إلى الشك في الأهمية التي أعطاها ماركس للملكية الخاصة.
ثالثاً: عجز علم الاجتماع الماركسي عن فهم قضية استغلال الدول المتقدمة للدول المتخلفة، فبالرغم من أن شعوب العالم الثالث تمثل بروليتاريا عالمية، وأن الطبقة العاملة في الدول المتقدمة تشكل طليعة النضال عند ماركس، فإن الأخيرة تشارك في عملية استغلال قرينتها في هذه الدول المتخلفة.
ورغم هذا الفشل على المستوى النظري والعملي محلياً ودولياً فما زالوا يأملون في انتصار شعوذتهم.التوقيع
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad