مجموعة اليسر للتدريب والاستشارات تأمل من زوارها الكرام المشاركة في الاستطلاعات التي تجريها بفعالية نظرا لفائدتها العالية
مجموعة اليسر للتدريب والاستشارات هي شركة تضامن لبنانية مسجلة تحت الرقم 489 تتنشط في مجال الدورات التدريبية والمؤتمرات العلمية والتربوية والاجتماعية والادارية والثقافية والتنمية والارشاد الاسري والاجتماعي ، واصدار المنشورات المتخصصة ، وتقديم الاستشارات في المجالات المذكورة وتوقيع الاتفاقيات مع الجامعات والمؤسسات والشركات الوطنية والعالمية على انواعها والقيام بالاستطلاعات والابحاث العلمية والدراسات المتخصصة في لبنان والخارج - نتمنى لكم زيارة ممتعة
‏إظهار الرسائل ذات التسميات انثروبولوجيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات انثروبولوجيا. إظهار كافة الرسائل

17‏/12‏/2010

الإِحيائية


 يُطلق اسم الإِحيائية animism أو الأرواحية أو الأنيمية على الاعتقاد أو المذهب القائل بوجود نفس أو روح (anima باللاتينية) في كل ما له مظهر مادي مفرد ويكون لها وجود خاص ومتميز من المادة. ففي كل موجود, بشراً كان أو حيواناً, نباتاً أو جماداً, روح في جسده تكون من طبيعة مختلفة عن المادة, وهي مستقلة عن الجسد وتفارقه مؤقتاً في حالات مثل النوم, وتفارقه نهائياً عند الموت.
    كان أول من نبه إِلى هذا المذهب الأنثربولوجي الإِنكليزي إِدوارد تايلور Edward E. Tylor (18321917), وقد درس هذه الظاهرة وتقصّى أشكال وجودها لدى عدد من الأقوام البدائية, وحلل عدداً من الشروح التي تُقدم عند تلك الأقوام في التدليل على القول بالروح والجسد, ورأى في هذا الاعتقاد الأصل في الاعتقادات الدينية لدى تلك الأقوام. وما تزال نظريته هذه أساساً لدى بعض الباحثين في فهم الأفكار الدينية التي تسود الأقوام البدائية وفي تطورها.
    يرى تايلور أن أصل الإِحيائية عند من لديهم هذا الاعتقاد, يعود إِلى تجارب النوم والمرض والموت. ففي حالات النوم تنفصل الروح عن الجسد وتحيا حياتها الخاصة, ويدلل على ذلك الأحلام التي تحدث لدى النائم. وفي حالات المرض آثار على تدخل الأرواحالأخرى التي تكون موجودة في عالم حول الإِنسان, ويدل على ذلك أن الإِنسان يرى في منامه روح أحد الأقارب أو الأصدقاء وتتعايش روحه معها, وكثيراً ما تسبب له الارتباك والتعب والمرض ولولا وجود الأرواح الأخرى لما جرى هذا اللقاء والتعايش. يضاف إِلى ذلك أن الإِنسان (وكذلك الحيوان) قد تتملكه روح أخرى, أو تتلبسه, ويبدو لديه تصرف غير ما كان معروفاً عنه من قبل. أما مفارقة الروح الجسد نهائياً فيدلل عليه حدوث الموت.
    وفي جملة ما يقول به تايلور إِن السحر ظاهرة لحقت بظاهرة الإِحيائية, وأن مثل ذلك يقال في الأساطير. ثم إِنه يتابع شرح تطور الأديان ويرى أن الإِحيائية أصل في الكثير من المعتقدات الدينية أو شبه الدينية مثل عبادة الأجداد, وعبادة الأوثان والاعتقاد بالتقمص والتناسخ, وأنها أصل في التطور والقول بتعدد الآلهة, والاعتقاد بأن لكل من ظواهر الطبيعة, مثل الأنهار والغابات والأمطار وغيرها, إِلهاً خاصاً, وكثيراً ما تقام الحفلات الدينية تكريماً لهذا أو ذاك من آلهة هذه الظواهر. وكثيراً ما غدا أحد هذه الآلهة, مع تطور حياة الإنسان, ذا مكانة عالية تفوق مكانة غيره فيبرز وحده.
   ولكن هذه النظرية كانت موضع نقد, واتجه النقد إِلى أنها غير كافية في تفسير ديانات التوحيد, وإِلى أنها لا تقدم الدليل الكافي على تطور الديانات في أمكنة أخرى من العالم غير مواطن الأقوام البدائية, وبأنها لم تقدم دليلاً كافياً على بعض الوقائع. وكان من بين الذين وجهوا إِلى نظرية تايلور انتقاداً معمقاً أندرو لانغ Andrew Lang حين ذهب إِلى أن النظرية لا تفسر ما لدى بعض الأقوام البدائية من اعتقاد بوجود قوة عليا بعيدة عن كل الأفراد تقوم بتحريك العالم والتصرف بشؤونه. وكان من بين الانتقادات التي وجهها آخرون إِلى نظرية تايلور القول بأن السحر سبق الإِحيائية في وجوده ولم يكن من نتاجها, وأن القول بتعدد الآلهة تطور لدى بعض المجتمعات تطوراً لم يعتمد الاعتقاد بالإِحيائية, وأن القول بالآلهة الخفية سبق القول بالإِحيائية.
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

الإتنولوجية


الإتنولوجية ethnology هي العلم الذي يدرس الأجناس والسلالات البشرية في نشأتها وخصائصها المميزة ونموها وتطورها والعوامل التي خضعت لها في هذا التميّز. ويهتم هذا العلم كذلك بدراسة الفروض والنظريات التي وضعت لتصنيف الشعوب على أساس الخصائص والمميزات السلالية والثقافية، وبيان مدى إمكان رد الإنسانية إلى جنس واحد أو أكثر، وما يثار من جدل حول الجنس الأمثل، والفروق العنصرية وأثرها في التنظيم السياسي والاقتصادي والاجتماعي. وقد يقتصر هذا العلم على دراسة الشعوب والثقافات، وتاريخ حياة الجماعات دون النظر إلى مدى تطورها وتقدمها. وقد عرفت الإتنولوجية كذلك بأنها علم تصنيف الشعوب على أساس خصائصها ومميزاتها السلالية والثقافية، وتفسير توزعها في الماضي والحاضر نتيجة لتحركها واختلاطها وانتشار الثقافات.
    وتستفيد الإتنولوجية عملياً من البيانات التي تزودها بها الإتنوغرافية، ويقوم الباحث الإتنولوجي بعد ذلك بتصنيف الحضارات إلى مجموعات أو أشكال على أساس مقاييس معينة، وبتحليلها واستخلاص المبادئ منها، ليعمد، بعد تحديد موضوع دراسته، إلى إقامة الفروض والنظريات التي تتعلق بطبيعة التصرفات الإنسانية، والنماذج الحضارية ووظائفها، ووضع الطرائق والوسائل لمعرفة صحتها. وعلى هذا فالإتنولوجية تهتم بتحليل معطيات المجتمع المحلي في ضوء النظريات المختلفة، وبإقامة مقارنات بين المجتمعات والأنماط الحضارية، إذ يرمي الإتنولوجي إلى الوصول إلى قوانين عامة للعادات الإنسانية وظاهرة التغير الحضاري، وآثار الاتصال بين الحضارات المختلفة.
    ويدخل في الإتنولوجية عدد كبير من التخصصات كدراسة الأساطير والآداب الشعبية والموسيقى واللغات والرقص ونظم القرابة والأسرة في المجتمعات البدائية، بالإضافة إلى البحث في الأنشطة الاقتصادية لتلك المجتمعات وأنظمتها الحكومية والقانونية والدينية.
    وتقوم الإتنولوجية بدراسة كل حضارة يمتاز بها مجتمع ما من غيره، فتبحث في النظم السياسية والاقتصادية والدين والتقاليد والفنون الشعبية وفروع المعرفة والفنون الصناعية والمثل العليا والفلسفات، أي إنها تبحث عن كل ما يتعلق بهذا المجتمع من مسائل حضارية.
    وقد اعتمدت الأصول الأولى للإتنولوجية في المستويين النظري والمنهجي، على الوصف والتحليل في دراسة ما خلفته الشعوب القديمة من حكايات شعبية وأساطير معقدة وذلك بقصد استنباط أنماط من الإنجازات الحضارية المهمة التي تشكل منعطفات في تاريخ تطور الإنسان، كاكتشاف النار واختراع بعض الأدوات والفنون المفيدة أو صنعها، أو البدايات الأولى للتقنيات المختلفة المستخدمة في إنتاج الطعام.
    ومنذ عصر الاكتشافات الكبرى في القرن الخامس عشر الميلادي تقريباً بدأت تتراكم كمية من المعلومات تجمعت على يد الرحالة والمبشرين والجنود، امتزج فيها الوصف بالتراث الشعبي وحكايات العجائز والمسنين، إذ كتب المؤرخون عن خبراتهم الشخصية وعن الأقاصيص والأساطير التي صادفوها أو سمعوها في رحلاتهم. وهكذا فإن مصادر المعلومات كانت مبنية على التحليلات الصورية وما تتناقله الأفكار والألسن، لهذا تعرضت جوانب كثيرة من هذه المعلومات للتشويه، ذلك أن معظم الرحالة كانوا ينظرون إلى الشعوب والحضارات الأجنبية من منظار ميولهم الثقافية المتعصبة.
    الإتنولوجية والإتنوغرافية
    يتضح الارتباط الوثيق بين الإتنولوجية والإتنوغرافية من التركيب اللغوي لكل منهما، فالمعنى اللفظي لاصطلاح الإتنوغرافية يتحدد بالكتابة عن الأجناس، إذ تعني كلمة «أتنو» الجنس، وكلمة «غرافية» الكتابة. أما الدراسة في الإتنوغرافية فتقتصر على الناحية الوصفية للحضارات، وتكون مهمة الباحث الإتنوغرافي جمع البيانات من دون تقديم تفسير أو تحليل لها، أي أنها تنصب على وصف حضارة ما من دون أي تعليق عليها.
    وجاء في معجم العلوم الاجتماعية أن الإتنوغرافية تعني «وصف الشعوب» فهي الدراسة الوصفية للمجتمعات الإنسانية، ولاسيما المجتمعات البدائية، أو التي لاتزال في مراحل متأخرة اجتماعياً واقتصادياً وسياسياًَ وفكرياً. وتُعنى كذلك بجمع المعلومات وشرحها بطريقة وصفية أكثر مما تعنى بتحليلها واستخلاص بعض الفروض والنظريات منها. إلا أن الإتنوغرافية استطاعت في منتصف القرن التاسع عشر أن تغذي الأنتروبولوجية بأبحاث نظرية.
    وقد قام العرب بدراسات إتنوغرافية منذ عهد بعيد، واشتهر رحالتهم بالكشف عن معالم مجتمعات مختلفة، وفي مقدمتهم المسعودي (ت346هـ/956م) في كتابه «مروج الذهب ومعادن الجوهر» وابن حوقل (ت380هـ/990م) صاحب كتاب «صورة الأرض» والمقدسي (ت380هـ/990م) صاحب كتاب «أحسن التقاسيم» والإدريسي (ت560هـ/1165م) صاحب «نزهة المشتاق في اختراق الآفاق»، وابن بطوطة (ت779هـ/1377م) صاحب «تحفة الأنظار في عجائب الأسفار». وتوسع الرحالة الأوربيون في دراساتهم فيما بعد ولاسيما بعد الكشف عن العالم الجديد.
    تبدأ الدراسات الإتنوغرافية بوصف البيئة المادية للمجتمع المحلي موضع الدراسة، فتصف مكان المجتمع والمسكن والملابس والأدوات، ثم ينتقل الباحث إلى وصف القطاع الاجتماعي لثقافة هذا المجتمع الذي يتضمن النظم الاجتماعية المختلفة فيه، وأهمها النظم الاقتصادية والسياسية والدينية والتربوية وأواصر القرابة والزواج، وقواعد الضبط الاجتماعي، والتنشئة الاجتماعية، وينتقل الباحث أخيراً إلى وصف القطاع الفكري والرمزي لثقافة المجتمع، وهنا يهتم بوصف لغة المجتمع وفنونه وقيمه.
    إلا أن الدراسات الإتنوغرافية الفردية تختلف في تصنيف الموضوعات التفصيلية وترتيبها. وهكذا تتصف الإتنوغرافية بالعرض الشامل للمجتمع المحلي موضوع الدراسة، وبغلبة أسلوب الوصف وتقرير الوقائع كما هي، وتتصف بفردية البحث إذ لا يتم البحث الإتنوغرافي إلا عن المجتمعات المحلية الصغيرة الحجم.
    الإتنولوجية وعلم الآثار
    يدرس علم الآثار ماضي الإنسان، ويبحث في الحضارات القديمة، والمراحل البعيدة للمدنيات الغابرة، ويرمي إلى تحديد التغير الحضاري وتتابعه على مر العصور، ويهدف كذلك إلى إعادة بناء الحياة الاجتماعية لمجتمعات ما قبل التاريخ. وهناك اختلاف كبير بين طبيعة دراسة كل من التاريخ وعلم الآثار فعالم التاريخ يدرس الأزمنة المسجلة كتابة للمدنيات الكبرى، والحوادث الماضية المؤرخة،إذ يعتمد،إلى حد كبير، على الوثائق والمخطوطات وغيرها من الوسائل التي تنقل أحداث التاريخ بمنتهى الدقة والتحديد، في حين يهتم الإتنولوجي وعالم الآثار بالحقب والمراحل التاريخية الطويلة التي قضاها الإنسان قبل معرفة القراءة والكتابة. فإذا كانت الكتابة قد اخترعت منذ نحو 5 آلاف عام فإن أول حضارة إنسانية يرجع تاريخها إلى نحو مليون عام، هذا بالإضافة إلى أن الكتابة لم تكن من نصيب جميع الشعوب، حتى أن بعض المجتمعات المعاصرة لا تعرف الكتابة حتى الآن. فالإتنولوجي، وإن كان يستخدم الوثائق المكتوبة للحضارات الماضية، يعتمد اعتماداً رئيسياً على بقايا الحضارات التي خلفها الإنسان، إذ ينصب اهتمامه حول الآثار ليرسم صورة أقرب ما تكون إلى الأصل المنقرض وإن لم تطابقه، وذلك باستخدام أساليب دقيقة في القياس ليصل إلى أكبر قدر ممكن من الدقة والتحديد في القياس الزمني.
    وقد توصل العلماء إلى أساليب دقيقة لحفر طبقات الأرض التي يحتمل وجود بقايا حضارية فيها، كما اهتدوا إلى طرائق دقيقة لفحص تلك البقايا وتسجيلها، وتحديد المواقع التي توجد فيها وتصنيفها لتعرّفها ومقارنتها بعضها ببعض، ويستطيع العلماء بوساطة تلك الطرائق استنتاج الكثير من المعلومات عن الحضارات القديمة وتغيراتها واتصالاتها بغيرها.
    ويتعاون علماء الآثار مع الإتنولوجيين والأنتروبولوجيين والمؤرخين في أبحاثهم، ويستفيدون كذلك من أبحاث علماء الجيولوجية والنبات والحيوان والمناخ ودراساتهم في تاريخ هوية البقايا التي يكتشفونها وتحقيقها، وأكثر ما يتعاون علماء الآثار مع علماء الأنتربولوجية الطبيعية وذلك لكثرة وجود الحفريات الإنسانية مع البقايا الحضارية.
    الإتنولوجية وعلم اللغات
    يهتم علم اللغات بلغات المجتمعات المدروسة من حيث أصولها وتطويرها وتركيبها، ويختلف الإتنولوجي عن دارس اللغات لمجرد معرفتها، أو عن دارس الأدب الذي يهتم بالأعمال الأدبية، أو عن الفقيه اللغوي الذي ينظر إلى اللغة وسيلةً لفهم أدق معالم التاريخ من الناحية الأدبية. فالإتنولوجي يرمي إلى الكشف عن الأصول التاريخية لنشأة اللغة عموماً والمجموعات المتشابهة فيها على وجه الخصوص، ويقارن اللغات بعضها ببعض ليحدد الظواهر اللغوية الشائعة بينها على وجه العموم، وفي ضوء ذلك يتمكن من فهم العمليات والظروف التي أدت إلى نشأة اللغات وتطويها واختلافها. وكذلك يسجل لغات المجتمعات البدائية ليحيلها إلى لغات مكتوبة تخضع للتحليل اللفظي ومن ثم يستخرج مضمونها الحضاري. والإتنولوجي لايربك نفسه بالمشكلات اللغوية البحتة، إذ إن العلاقة بين لغة القوم وحضارتهم تلقى منه اهتماماً بالغاً ومثال ذلك العلاقة بين اللهجة والمرتبة الاجتماعية. وكذلك يهتم أيضاً بدراسة بعض العبارات والمقاطع التي يقتصر استعمالها على الطقوس والشعائر فقط، ويجري مقارنة بين التغيير الاجتماعي الحاصل لحضارة  مجتمع ما، وما ينعكس من تغير موازٍ على مفردات لغة هذا المجتمع. ويركز الإتنولوجي اهتمامه في الكشف عن كيفية نقل اللغة من جيل إلى جيل، وكيف أن مثل عمليات التوريث اللغوي هذه تنقل معها بالتالي عقائد المجتمع وتقاليده وأعرافه. وبعبارة أخرى فإن الإتنولوجي اللغوي ينظر أساساً إلى الدور المهم الذي تقوم به اللغة القائمة بين لغة مجتمع من المجتمعات الإنسانية وحضارته.
    وبهذا تعدّ اللغة من أهم عناصر الحضارة، والتبادل بينهما واضح. وينقسم علم اللغات إلى قسمين أساسيين يتمثلان بما يلي:
    علم اللغات الوصفي: ويهتم بتحليل اللغات في زمن محدد، ويدرس النظم الصوتية، وقواعد اللغة والمفردات. ويعتمد الإتنولوجي اللغوي في دراسته على اللغة الكلامية، ولذلك يستمع إلى المواطنين، لأن معظم أبحاثه تتعلق بلغات كلامية لم تكتب بعد، فيقوم بكتابة تلك اللغات، عن طريق استخدام رموز دولية متعارف عليها. وتتركز معظم هذه الدراسات في المجتمعات البدائية، التي لم تعرف القراءة والكتابة، ولكن لها لغة كلامية خاصة بها، إذ لايوجد مجتمع إنساني مهما تخلفت حضارته من دون لغة كلامية.
    علم أصول اللغات: ويختص بالجانب التاريخي والمقارن، إذ يدرس العلاقات التاريخية بين اللغات التي يمكن متابعة تاريخها عن طريق وثائق مكتوبة.
    وتتعقد المشكلة هنا في حال اللغات القديمة التي لم تترك وثائق مكتوبة، إلا أن هناك وسائل خاصة لبحث تاريخ اللغات، وتحديد أصولها الإنسانية.
    ومن الواضح أن العلاقة متينة بين علم اللغة والإتنولوجية الحضارية، وذلك لأن عليهما دراسة لغة المجتمع الذي يبحثانه، ولايتم ذلك إلا عن طريق دراسة مبادئ علم اللغات.
    ولعلم اللغات أقسام مستقلة في الجامعات، ويعود السبب في ذلك إلى إمكان دراسة اللغة وتحليل عناصرها دراسة مستقلة عن بقية عناصر الحضارة، ويقوم المتخصصون في تلك الأقسام بتدريس طلبة أقسام الأنتروبولوجية والإتنولوجية مادة اللغات وفروعها.
    وقد تقدم علم اللغات في العصر الحاضر ويستخدم الآن طرائق ومناهج وأدوات دقيقة في دراسة لغات العالم، وتوصل إلى قوانين عامة دقيقة.
    الإتنولوجية والأنتروبولوجية
    يتحدد الارتباط الوثيق بين الإتنولوجية والأنتروبولوجية بقيامهما بدراسة حضارة الإنسان وتمايزها، والطرائق التي يستجيب بها الإنسان إلى ذلك التمايز، والعناصر التي تكوّن الحضارة، والعوامل التي تدفع إلى انتشارها من مجتمع إلى آخر، وانتقالها من جيل إلى جيل في المجتمع الواحد. ويؤلف مجال الأنتروبولوجية الحضارية المحور الثالث لميدان الأنتروبولوجية إلى جانب كل من الأنتروبولوجية الطبيعية والأنتروبولوجية الاجتماعية، ويتوجه نحو دراسة العناصر التي تكوّن مضمون الحضارة بغية تعرف أصولها ومراحل تطورها. فإذا كانت الأنتروبولوجية الطبيعية تبحث في علم أصل الإنسان وارتقائه وانتظامه في سلالات، وكانت الأنتروبولوجية الاجتماعية تبحث في تطور الأنساق الاجتماعية وتباينها والعوامل التي تدفع إلى تكوين البناء الاجتماعي، فإن الأنتروبولوجية الحضارية تبحث في أسس تكوين الحضارات، وهو ما تشترك فيه مع الإتنولوجية بقاعدة عريضة ويكوّن ذلك القاسم الأعظم لاهتماماتهما.
    إن الإنسان كما هو معلوم يكتسب قدراته عن طريق التعلّم والتدرب وما يختزنه من تراث يتنقل عبر الأجيال، فتولد معارف عامة يستخدمها في علاقاته مع البيئة المادية ومع أخيه الإنسان. وتتمايز الحضارة الإنسانية من مجتمع إلى آخر، كما أنها تتصف بتجديد العلاقات الاجتماعية وتبدل الظروف الاقتصادية والاجتماعية، وقد أعطى هذا التنوع مادة لعلماء الأنثروبولوجية الحضارية والإتنولوجية ليبحثوا في أسس تكوين الحضارات، وأنماط توزعها، وأسلوب انتشارها والعوامل التي تؤدي إلى انتقالها من جيل إلى آخر، والعناصر العامة التي تكوّن مضمون الحضارة، والرموز التي يستخدمها الإنسان في التعبير عنها. ويؤكد العلماء أهمية ذلك التمييز وأثره في سلوك الإنسان فالحضارة تضغط باتجاه التمايز بين المجتمعات من جهة والتصاق سلوك الأفراد برموز الحضارة ومعانيها من جهة أخرى.


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

في سوسيولوجيا ثقافة اللباس


تاريخياً ومنذ مطالع القرن الماضي لم يكن اللباس أو بالأدق لم يشهد اللباس في بلادنا معارك خلافية حادة شطرت المجتمع بين مؤيد ومعارض كما حدث في البلدان القريبة منا ، ذلك ان حقائق التاريخ والجغرافيا هنا جعلتنا أو جعلت البحرينيين في ذلك الوقت المبكر نسبياً يتفهمون ويتقبلون بل وتقبل مدنهم الكبيرة على معظم اشكال التغيير لذا لم يكن محل خلاف ان تتسم الستينات بمظهرية اللباس المدني «السفور» الذي عمّ هنا مترافقاً مع مظاهر متابعة آخر صيحات الموضة مما عرف بـ «الميني والميكروجيب» جاب شوارعنا دون ان يكون سبباً لعراك مجتمعي كما أشرنا.
ذلك ان امتدادات المدنية اخذت حجمها وقتذاك بفكرة القبول والاستعداد المجتمعي للتغيير بوصفه سنة الحياة وأحد قوانينها وشروطها، وبالتالي كان القبول بمظاهر التغيير تحكمه معادلات الفهم قبل الحكم القاطع المانع اجتماعياً مع احتفاظ المعارضين والمحافظين بموقفهم المعارض دون محاولة فرضه قسراً وقهراً على الآخرين وهي ميزة مهمة تميز بها مجتمعنا آنذاك تعكس كثيراً من التسامح أو من فلسفة التسامح المكتسبة هنا عبر خبرات راكمتها التجربة البحرينية منذ وقت مبكر وتميز مجتمعها بذلك الوعي العام القادر على ان يعطي الآخر المختلف مساحاته المستحقة بما يحفظ توازن التعايش اليومي بين المختلفين دون عداوات وحزازات.
وثقافة اللباس في البحرين إذا كانت قد تأثرت إلى حدٍ كبير بواقع عملية الانتاج والعمل حيث انتشر «البانطلون والقميص» منذ انتقال العمل من البحر إلى شركات النفط، فإنه وبلاشك قد تأثر بالثقافة السائدة وهي ثقافة مدنية بامتياز لم تلعب فيها سلطة «الكهنوت» أو الاكليروس «رجال الدين» ذلك الدور المتسلط الذي لعبته الكهنوتية والاكليروس في أوروبا العصور الوسطى ولاشك ان لثقافة الوافد الجديد والتنظيمات الإدارية المبكرة والانفتاح على الآخر المختلف ديناً «مدرسة المشن ومستشفى الارسالية ورؤساء الاقسام في شركة النفط والشركات الأخرى وغيرها» ترك آثاراً إيجابية في مسألة فكرة القبول بالتغيير وفي فلسفة التسامح شبه الفطري الذي كنت تراه حتى في الأزقة ودواعيس الفرجان في المدن القديمة لا سيما المنامة والمحرق.
ولذا لم يكن محل استغراب أو استنكار مشاهدة السيدة فاطمة بنت علي الزياني قبل ستة عقود مضت وهي تسوق سيارتها في المحرق لتنتقل كقابلة قانونية من فريج إلى آخر وهي صورة مدنية متقدمة حيث كانت السيدة فاطمة تسوق سيارتها بلا نقاب يخفي هويتها المصانة اجتماعياً لا بواسطة شكل اللباس ولكن بالموقف وبالثقافة السائدة في المجتمع يومها، حيث لاتحتاج المرأة للاستنجاد بحراسة لباس يسورها ويحميها لان الموقف المجتمعي العام من المرأة شكل حصانة مستمدة من الاحترام والتقدير لدورها ووظيفتها كإنسانة وكمواطنة يقع عليها عبء النهضة الأولى في تلك الفترة سواء في ميدان التعليم أو التطبيب أو غيره من ميادين لم يحل المجتمع ولم يمنع بينها وبين المرأة التي لم تلجأ مضطرة ومحتجة لحرق عباءتها كما فعلت المرأة الكويتية في حركة احتجاج على وضعها ونظرة المجتمع إليها في العام 1956.
ففي البحرين ثمة ثقافة مدنية وقتها كانت هي السائدة وهي الغالبة لم تجد في العباءة النسوية مانعاً او عائقاً كما لم تنظر إلى العباءة أو اللباس النسوي بوصفه قفصاً أواتخاذه ذريعة لتهميش المرأة وعزلها او الالحاح على عودتها إلى قفص البيت والعيش داخل أسواره.
هنا نصل إلى ثقافة اللباس عندما تتحول وتغدو ذريعة وحجة للضغط وللاشتغال على هدف آخر خطير يجرها ويخرجها من ساحة العمل والعطاء والانتاج ويخرجها من دائرة الفعل الاجتماعي العام إلى خطوط الهامش المهمل، والاخطر والأشد وطأة ان يكون ذلك باقتناع المرأة وقناعتها هي شخصياً بذلك المشروع شديد السلبية.
لذلك نقولها مرة اخرى لسنا ضد شكل اللباس ولكننا ضد ثقافة ترميزية معينة يعمل اللباس بواسطتها لاختطاف مكاسب المرأة البحرينية التي حققتها طوال تاريخها المدني.. فهنا يتحول اللباس من مجرد شكل ومظهر إلى رمز ايديولوجي يشتغل على تكريس فكرة مجتمعية مضادة ومناهضة للتطور والتقدم والتنمية البحرينية.. وفي هذا السياق سوف نلاحظ ان اللباس أخذ في العقود الاخيرة رمزيته «الدين سياسية» حيث لكل تيار من تيارات الإسلام السياسي شكل لباس خاص يميز المنتمين والمنتسبين إليه بما يعني ان اللباس تحول إلى ترميز سياسي خالص وخاص جداً وهو أسلوب لأدلجة اللباس.
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

11‏/12‏/2010

أنظمة المصاهرة الزّواجيّة

أنظمة المصاهرة الزّواجيّة :
لدى الجماعات في مجتمعاتنا الحديثة نزعة إلى التواري خلف الأفراد. أمّا المجتمعات التقليديّة فهي محكومة بواسطة قانون ذي اتجاه مختلف،(1) إذ أنّ الزّواج عندها هو عبارة عن مصاهرة بين الجماعات في المقام الأوّل. إنّ الهيبة التي تمنح للجماعات هي من الأسباب التي تفسّر تحريم النكاح بين الاخوات، ومع ذلك فإذا كان هذا التحريم كونيّا، فإنّ الكثير من أنظمة التبادل التي ينبغي لها ضبط دراسة النّماذج البشريّة تحقّق ذلك.
أ ـ تحريم سفاح القربى:
تُحرّم العلاقات السّفاحيّة في كلّ المجتمعات وهي ظاهرة بذلت الكثير من النّظريّات جهدا لتأويلها.
الدّافع إلى سّفاح القربى:
طيلة العقود الماضيّة رقع حظر العديد من المحرّمات القديمة في مجتمعاتنا الحديثة. إلاّ أنّه على ما يبدوـ ما زال هناك احترام لمحرّم سفاح القربى(2) وذلك من خلال بنائه على أساس القوانين "الطبيعيّة" والبيولوجيّة، فالعلاقة بين الأقرباء قد تكون مخالفة للطّبيعة، والأطفال المولودون من هذه الزّيجات هم عرضة لعاهات وراثيّة. ومع ذلك فالعديد من البراهين قد تبدو مُظهرة لعكس العلاقات السّفاحيّة التي تتطابق مع رغبة طبيعيّة. ويؤكّد مثال "أزندي" أنّ الرغبة في المرأة تبدأ من الأخت" وهو يعرّفنا بالنصّ الشهير حيْث أدرجت "مارغريت ميد" شهادة لأحد "الأرابش"Arapesh (المحيط الهادي):" أتريد الزّواج بأختك؟ ولكن ما الذي يدفعك إلى ذلك؟ ألا ترغب في أن يكون لك أصهار؟ ألا تعرف أنّك إذا تزوّجت أخت رجل آخر وأنّ رجلا آخر يتزوّج أختك سيكون لك على الأقلّ صهران؟ في حين لو تزوّجتَ أختك سوف لن يحصل لك ذلك إطلاقا. ومع من ستذهب للصيد؟ ومع من ستقوم بزراعاتك؟ ومن سيزورك؟". إنّ الدّرس واضح، إذْ ينبغي عليه أن يتخلّى عن الزّواج بأخته لأسباب تتعلّق بالنّظام الاجتماعي والاقتصادي. لقد حدس"بليتارك" Plutarque) ) ذلك و هو يعالج مسألة الزّواج عند الرّومان رغم أنّه كان يعبّر بطريقة بدائيّة ويتوقّع فرضيّات أخرى قائلا: "لماذا لا يتزوّجون نساء من أقارب لهم؟ فهل يرغبون من خلال الزواج في مضاعفة علاقات القرابة عندهم واحتضان عدد من الأسر، وذلك بتقديم النّساء لرجال آخرين وأخذ نسائهم منهم".(3)
ويبدو علم النّفس التحليلي في نظريّة عقدة أوديب مؤكّدا أنّ الدّافع السّفاحيّ هو"الطبيعيّ" وليس تحريمه. وأنّ منعه وإن لم يكن طبيعيّا فهو لا يؤدّي إلى ضرر. وكيْ يقع الانفتاح على العالم فإنّ الطفل ينبغي عليه أن يتحرّر من الدّائرة الأسريّة مثلما أمره الكتاب المقدّس:"ستترك أباك وأمّك". فهل سيتحوّل هذا التفسير إلى مستوى الفئات الاجتماعيّة؟ إنّ نظريّة ك. ليفي شتراوس تلمع إلى ذلك.
ـ تأويلات تحريم سِفاح القربى:
تتراوح أهمّ النظريات بين قطبيْن: فهي ترجع التحريم إلى الأسباب المادّية أو إلى أثر الضوابط الاجتماعية الموجودة في الواقع، والتي تأسّست على الحاجة إلى التبادل كما يرى ذلك ك. ليفي ـ شتراوس. ويعتقد م.قولدييM.Goldier في الوقت الحالي أنّ التحريم يستند بشكل متلازم على هذين التأويـليْن.
أماّ بالنسبة إلى ر.فوكس (4) R.Fox فإنّ تحريم السّفاح هو ثمرة التطوّر والانتقاء الطبيعي. فزيجات ذوي القرابة الدّمويّة مضرّة من الناحيّة البيولوجية. ولتجنبها فإنّ الأنواع الحيوانيّة القريبة من الإنسان تلجأ إلى الاختلاط أو إلى التنافس بين الأجيال المفضي إلى إبعاد الكائنات الفتيّة خارج المجموعة. ولكن مع توصّل المجتمعات البشريّة الأولى إلى تشكيل مجموعات أسرية قارّة نسبيّا فإنّ توظيف هذه الوسائل بدا موحيًا بالخطورة اعتبارا إلى أنّ هذه المجموعات كانت في حاجة إلى التعايش فيما بينها. فكان من الواجب اختلاق تحريم السّفاح الذي كان يمنع زيجات ذوي القرابة الدّمويّة وينظّم التنافس بين الأفراد. أمّا المجتمعات البشريّة الّتي لم تتبنّ هذا الحلّ فإنّها قد أُقصيت من خلال الانتقاء الطّبيعي.
إنّ نظرية ك. ليفي ـ شتراوس مقبولة عموما في الوقت الحالي فهي تركّز على عوامل من نظام آخر. فعند هذا الكاتب لا شيء يبرهن أنّ زيجات ذوي القرابة الدمويّة ستكون ضارّة من النّاحيّة البيولوجية آجلا أم عاجلا،(5) فقد لاحظ في البداية أنّ الإنسان منذ نهاية العصر الحجريّ القديم استعمل في بعض حالات زراعة النباتات وتدجين الحيوانات أساليب لاستنساخ مولودات من تزاوج لُحمي(6) endogamiques قد أثبتت جدواها. فلماذا خلص إلى نتائج معاكسة على المستوى البيولوجي المحض في ما يخص تناسله هو؟ ومن جهة أخرى لاحظ ليفي ستروس أنّ إقرار حرمة سفاح القربى عامة من قبل البيولوجيا لم يظهر إلاّ في القرن السادس عشر. وهذا التفسير لا يمكن أن يكون أساس الحجج التي قادت المجتمعات البشريّة الأولى لتحريم سفاح القربى إطلاقا. وفضلا عن ذلك فإذا كان صحيحا أنّ زيجات ذوي القرابة الدمويّة ترفع من نسبة خطورة الإصابة بالعاهات الخلقيّة على المدى القصير فإنّها لا تمثّل إلاّ خطرا ظرفيّا. إذ أنّها تتلاشى في خضمّ تتالي الأجيال. وزيادة على ذلك ففي المجتمعات ذات الحجم الصّغير ليس لتحريم الزّيجات بين الأقارب إلاّ تأثير محدود على مستوى تناقل العاهات الخلقيّة. ففي كثافة سكّانية مكوّنة من ثمانين فردا لا يقلّل منع الزواج بين الأقارب في الأسرة من عدد الحاملين لميزات خلقيّة نادرة إلاّ بنسبة تتراوح من 10 إلى 15 بالمائة. إنّ ك.ليفي شتراوس ينقد بشكل محدّد تفاسير تحريم السفاح المرتكزة على مبرّرات جنسيّة إذ أنّ عامل العيش معا قد يقلّلٌ من بداية الانفعال الجنسي وهي ملحوظة قد تكون على صواب، ولكنّها تقدّم لنا دليلا على خلط بين التعوّد القائم بين أفراد مرتبطين جنسيّا(زوج وزوجته) وبين الأقارب. ذلك أنّ ما بين الأقارب لا يمكن أن يكون تأقلما جنسيّا بما أنّ العلاقات الجنسيّة من حيث المبدأ ممنوعة فعلا. ومن جهة أخرى فإنّ بعض الشّعوب( مثل التشوكتش في صربيا) تمارس أشكالا من الزواج يتمّ فيها تزويج الأطفال ولو كانوا صغارا، ثم يقع تربيتهم معا وهذا لا يمنعهم إطلاقا من الارتباط جنسيّا وإنجاب الأبناء عندما يكبرون. وفي الختام لاحظ ك.ليفي شتراوس أنّه إذا كان "رعب سفاح القربى" يرتكز على دوافع فيزيولوجيّة أو بسيكولوجيّة راسخة بعمق في الطبيعة البشريّة، فإنّه قد نفهم خطأ لماذا أقرّت كلّ المجتمعات البشريّة المعروفة وبدرجات متفاوتة ضرورة تحريمه، إذ لن نأتمن على أنفسنا إلاّ عندما نخشى ممّا يفاجئنا. إنّ العوامل الاجتماعية عند ك. ليفي شتراوس هي التي تفسّر بشكل أساسي تحريم السّفاح فيقع منع الزواج من القريبات ويُسمح بتقديمهن للزواج (7) إلى مجموعات أسريّة أخرى، حيث تتقبّل هذه المجموعات بدورها زوجات منها. إنّ هذا التبادل الزّيـجي (الزّواجي) l’échange matrimonial له تكلفة فرديّة، إذْ على كلّ فرد أن يسمح بـ"التخلّي" عن زوجة ممكنة له من قريباته. ولكنّه يحصل على فائدة جماعيّة، فدون هذه المبادلات قد تعيش هذه الفئات منطويّة على نفسها وهو ما يعدم الحياة في المجتمع. إنّ التبادل الزّيجي ينشيء المجتمع. وإضافة إلى ذلك فقد يُفاقم هذا الانطواء العلاقات العدائيّة بين المجموعات. فحينما تفتقد إحدى هذه المجموعات النّساء فإنّه لا يمكن لها إلّا اللجوء إلى الحرب كي تأخذهنّ من المجموعة المجاورة. إنّ البرهان الذي ينقض هذه الآلية(الحرب) يقدّمه لنا دائما التبادل الزيجي الذي يصلح لوضع حدّ للصراع ويعلن عن انتهائه.
فالميلانيزيون les Mélanésiens يقولون "لا تُسبى امرأة إلاّ من هؤلاء الذين تُشنّ عليهم الحرب"، ولعلّ ملوكنا الأوروبيّين قد فعلوا ذلك عدّة مرّات. وهكذا يرى كلود ليفي شتراوس Levi-Strauss أنّ تحريم سفاح القربى هو أحد المظاهر الأكثر بداهة للتّغيّيرات التي تحدثها الثقافة في الطّبيعة فــــ" جذور تحريم السّفاح ليست ثقافيّة خالصة ولاهي طبيعيّة خالصة، فهي ليست جرعة من العناصر المركّبة تُقدّم بشكل جزئيّ إلى الطبيعة وإلى الثقافة. إنّها تمثّل المسار الأساسي الذي بواسطته وبفضله وفيه، يتحقّق العبور من الطبيعة إلى الثقافة، وبعبارة موجزة فهي تنتمي إلى الطبيعة لأنّها حالة عامّة من الثقافة، ونتيجة لذلك لا ينبغي الاندهاش من رؤيتها تأخذ من الطّبيعة سمتها الّرسميّة أيْ الكونيّة. ولكن بعبارة موجزة أيضا إنّها الثقافة تتصرّف وتفرض نظامها داخل الظواهر التي لا تعتمد بتاتا عليها منذ البداية." 
أما نظرية م.قولديي M.Goldier فتقف بدورها على نفس المسافة بين النّظريات السّابقة، فهي لا ترفض تأويل ليفي ـ شتراوس Levi-Strauss إلاّ أنّها تتفق معها بإعادة إدراج العوامل البيولوجيّة.(9) ويذكّر الكاتب بأنّه لا الأسرة ولا المجتمع مخصوصان بالإنسان فحسب، فبعض فصائل الحيوان تعرف أيضا هذه الأشكال من الوجود (الشمبانزي تعيش في شكل جماعات مؤلّفة من عائلات). وخلافا لذلك فبفضل الإنسان وقع إيجاد علاقات القرابة والعلاقات الأكثر تعقيدا بين الأسر، ذلك أنّ علاقات القرابة الإنسانيّة هيّ علاقات اجتماعية أكثر من كونها علاقات بيولوجيّة (إذ يمكن أن نكون أولياء لأفراد ليس لنا معهم صلات بيولوجيّة)، كما يمكن لها أن تمتدّ بعيدا في المكان وكذلك في الزّمان. ومن المحتمل أنّ هذه العلاقات كانت قد نشأت مع اكتشاف معنى السلطة الأبويّة، وبشكل أقلّ بداهة من التناسل الأمومي (فبعض المجتمعات البشريّة لا تقيم صلة بين العلاقات الجنسيّة والتناسل إذ يعتقدون أنّ النسوة لا يلدن إلاّ بواسطة القوى الغيبيّة). وفي كل الحالات فإنّ تحريم سفاح القربى أسهم في ذلك. ولكنّ التحريم بالنسبة إلى م. قودليي M.Goldier يرتكز على عوامل بيولوجيّة، فالأنثى البشريّة جذّابة جنسيّا بشكل شبه دائم (عكس الأنثى الحيوانيّة)، ومن ناحيّة أخرى فالبشر يدركون سنّ البلوغ متأخرين ويتعايشون في نفس الأسرة مع أفراد من مختلف الأجيال قادرين على ربط علاقات جنسيّة. إنّ التقاء هذين العامليْن كان قادرا على تدمير المجتمع، وذلك بزيادة التنافس بين أفراده، لذا وقع اختلاق تحريم سفاح القربى لإنقاذ هذا المجتمع. ومنذ ذلك الحين ظهرت روابط البنوّة والتصاهر وتعقّدت، ذلك أنّ منع اتخاذ أحد الأقارب زوجا يؤدّي إلى ضرورة تحديد المماثل ـ المحرّم ـ والمختلف ـ الشرعي من خلال التقاء مبادئ المصاهرة والتناسل. في هذا السّياق يكون تحريم سفاح القربى إجابة عن التغيّيرات البيولوجيّة وهي إجابة تؤسّس للتبادل باعتبارها صيغة من الانتظام السوسيو ـ عائلي. وفي الختام يلحّ قودليي Goldier بوضوح على أنّه حتى وإن قدّست المجتمعات البشريّة هيمنة الرجل على المرأة، فإنّ هذه الهيمنة ليست محايثة للقرابة الإنسانيّة التي تكتفي بتنظيم بنية التبادل. إنّ مصدر الهيْمنة الُّذكوريّة يوجد ضمن مجال آخر: في العوامل الاقتصادية والسيّاسيّة والفكرية التي"تطبع" ـ بالمعنى الفوتوغرافي للعبارة ـ علاقات القرابة. ولعلّه بدراسة مختلف نظم التبادل الزّواجي التي تُجيز تحريم سفاح القربى هو ما ينبغي علينا الآن الشروع فيه.
ب ـ أنظمة التبادل الزّواجي:
يمكن التمييز فيها بين أنظمة ثلاثة: الأنظمة الأوليّة التي يُحّرم فيها عدد معيّن من الأقارب، وتشرّع لمن لهم الأولويّة في الزواج. ثم الأنظمة شبه المعقّدة التي تسنّ موانع الزّواج على أصناف كبرى من الأقارب وليس على أفراد محدّدين من حيث الجذور. والأنظمة المعقّدة التي تمنع الزّواج ضمن دائرة الأقارب دون تحديد واضح لاختيار الشّريك. إنّ الأنظمة المعقّدة هي التي تسم مجتمعاتنا الحديثة حيث يمنع قانون الزواج كلّ زواج يُعتبرسفاح قربى، لكن دون إجبار أحد على ذلك، مانحا للأفراد حريّة شبه تامّة للاختيار. وحينئذ ينبغي الاحتراس من كلّ تأويل تطوّريّ فإذا ما غيّرت مجتمعاتنا على المستوى السوسيوـ اقتصادي المحرّمات وإملاءات الأنظمة الأوليّة، وبدت حينئذ محرّرة للفرد من كلّ الضغوطات، فإنها لم تقم إلاّ بتعويض المقتضيات الجينالوجيّة(الأنساب)بالضرورات الاجتماعيّة.(10) فالمجتمعات التقليديّة يمكن أن تكون لها أنظمة معقّدة : إذ يكفي لإحداها أن تفرض الزواج خارج العشيرة دون أن تحدّد قرينا معيّنا. ومع ذلك فإنّ الأنظمة الأوّليّة هي الأكثر انتشارا في المجتمعات التقليديّة وحولها إذن ينبغي أن نركّز اهتمامنا.(11) فهي تمارس صنفيْن من التبادل : المحدود والمعمّم.
الطرق الأوليّة للتبادل المحدود:
(أنظر أسفل النص: الرسم رقم1) إن التبادل المحدود يقع عندما تباشر مجموعتان مقايضة للنساء وهو في الحقيقة تبادل بالشّقيقات، إذ تتخلّى مجموعة من الرّجال عن شقيقاتهم لفائدة مجموعة أخرى تهب بدورها الشقيقات في إطار المقايضة. إنّ هذا الصنف من التبادل يسمّى تحديدا "كارييرا" Kariera) عن عبارة للمجتمعات الأستراليّة حيث وقع وصفها بشكل واضح لأوّل مرّة) فهو يُمارس عموما من طرف المجتمعات التي يقال عنها "ثنائيّة" والتي توزّع أفرادها إلى نصفيْن متزوّجيْن زواجا خارجيّا وموحّدي النّسب. وهو نظام يعطي قيمة للجيل اللاّحق لتبادل الزّيجات بين أبناء العمّ المتقاطعين، ذلك أنّ هؤلاء هم أبناء الرّجال الذين قاموا بمبادلة شقيقاتهم ومنعوا الزّواج بين أبناء العمّ المباشرين.(12)
ـ الأنظمة الأوّلية للتبادل المعمّم:
خلافا للتبادل المحدود المباشر، فإنّ التبادل المعمّم لا يعني تبادلا فوريا ضمن سلسلة انتقال الأزواج، فهو يسمح نظريّا بإشراك عدد غير محدّد من الأزواج كما تبيّنه الجداول اللاّحقة: (13) وضمن هذا النّظام ليس نسب واهبي الزّوجة هو نفس نسب آخذيها إطلاقا، فكلّ فرد هو واهب للنسوة وآخذها في آن. فالمجموعة الواهبة لا تتقبّل إطلاقا ومباشرة أعضاء جددا محتفى بهم، ولكن تتقبل من مجموعة تقع على الطرف المقابل لها من سلسلة المبادلات. لوحة للتبادل المعمّم. (أنظر أسفل النص: الرسم رقم2 )
اتجاه ملكيّة الزوجات. (أنظر أسفل النص: الرسم رقم3)
إنّ هذا النّظام الأقلّ تحقّقا من التبادل المحدود هو أكثر انفتاحا أيضا ويمكنه السّماح للتّمايز الاجتماعي والسيّاسي والاقتصادي بالظهور، وهو ما يعبّر عنه مثال "الكاتشين" Katchin (برمانيا).(14) (أنظر أسفل النص:الرسم رقم 4)
في هذا المجتمع يتجه كل نسب من الفئات الثلاث الأساسيّة إلى عدم إنتاج زيجات إلاّ من صلبه. ومع ذلك فداخل كلّ فئة تتصاهر بعض الأنساب مع أنساب أخرى تنتمي إلى مجموعة أقلّ شأنا منها. إنّ المصلحة المتبادلة بديهيّة. ففي تبادل النّساء اللاّئي يقع التخلّي عنهنّ لفائدة أنساب متواضعة لها رغبة في الحصول على زوجات من رتبة أرفع تحصل الأنساب الشريفة على تعويضات زيجيّة تكون أهميّتها متناسبة مع مرتبة الّزّوجة. وكذلك فإنّ قسما من النّساء يطوف حول نفسه نحو الأسفل في حين أنّ مدّا معاكسا من الثراء يصعد نحو الأعلى نحو الأسياد الذين ينظمّون إليْهم وذلك قبل إعادة توزيعهم في محيطهم في شكل احتفالات أو أغذية. إنّ التبادل المعمّم يمكن إذن أن يكوّن التمايز الموجود في المجتمعات التي تنزع نحو الانقسام السّوسيوـ الاقتصادي والسيّاسي ويدعمه. فهو أكثر تواترا في الأنظمة المعقّدة حيث تُمنع بعض الارتباطات الزوجيّة شأن القانون الوضعي الفرنسي لكن لا شيء مفروض مؤسساتيّا.
إنّ هذه المعالجة السّريعة لأنظمة التّصاهر تؤكّد لنا مدى الانجازات التّي كانت المجتمعات التقليديّة قادرة عليها. وفي الحقيقة إذا ما قارنّاها بنظام القرابة لديْنا فإنّنا لا يمكن إلاّ أن نصطدم بفقره المعنوي الذي يوحي به.(15)
ومع ذلك فلا ينبغي لنا أن نستنتج من هذه البيانات أنّ الممارسات تطابق آليّا القواعد : فعند الأستراليين حيث التنظيم الأسري مثاليّ ومصطنع تُعقد الكثير من الزّيجات من خلال خرق القواعد، وعند البوروم Purum( الهند) تطابق نسبة 62 بالمائة من الزيجات فحسب القواعد، وعند العرب فإن الزّواج المرجعي بين أبناء العمّ الموازين للنسب الأبوي لا يمثّل إلاّ نسبة 30 بالمائة تقريبا من الحالات. إنّ توفّر هذه الهوامش المرتفعة نسبيّا يبيّن أنّه ليس العوامل الماديّة فحسب هي المحدّدة، كما أنّ القرابة لا تستطيع أنّ تدعي أنّها هي التي تحدّد بنفسها المجتمع برمّته. إذ ينبغي لها أن تتلاقى مع قوى أخرى (اقتصاديّة، سيّاسيّة، دينيّة، إلخ…)والتي لا تخضع دوما لتوجّهها. وعلى النّحو ذاته نلاحظ أنّ المجموعة العائليّة مهما كانت قويّة فإنّها تسمح دوما للأسرة الزّوجيّة القيام بدور ما في صلبها.
نوربار رولان: الانثروبولوجيا القانونيّة: ص:237 ـ 245. Norbert Rouland : Anthropologie juridique P:237- 245.
سفاح القربى inceste : اعتمدنا في الترجمة على معجم الاثنولوجيا والانتروبولوجيا لمصباح الصمد : من تأليف بيار بونت وميشال ايزار وآخرون. المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع "مجد". بيروت ـ لبنان.
الهوامش:
1ـ كذلك هل من الممكن التمييز بين الفئات في المجتمعات الحديثة فالقرويون مارسوا لعهد طويل زيجات كان فيها الاتفاق بين المجموعات العائليّة حاسما ففي القرن التاسع عشر لم تجد الطبقة الاجتماعيّة لأرباب الصّناعة تماسكها من خلال المبادلات والمساهمات الماليّة والصّناعيّة فحسب بل ومن خلال تبادل الزّيجات أيضا، فجذور العائلات الكبرى المهيمنة تثبت ذلك بوضوح.
2 ـ حول دلالة الإصرار على تحريم سفاح القربى في مجتمعاتنا الحديثة انظر أسفله ص 238.
3 ـ بليتارك ,مسائل رومانيّة .Plutarque, Quaestiones Romanae,108,Mor,289d.e
4 ـ انظر ر.فوكس انتروبولوجيا القرابة.باريس. غاليمارد,1972,ص.66 ـ68. Cf. R.Fox, Anthropologie de la parenté ,Paris ,Gallimard,1972,p.66-68.
5 ـ انظر كلود ليفي شتراوس : البنى الأوّلية للقرابة ,باريس ,موتون,1967,ص.5ـ29.Cf. C .Levi Strauss, les structures élémentaires de la parenté, Paris, Mouton,1967,p.5-29.
6 ـ انظر أعلاه .ص 140.
7 ـ قلّما نرى في مجتمعاتنا شابّا قد اتّجه لطلب يد خطيبته من صهره المستقبلي الذي يهبها له : إنّ العبارات لها دلالة.
8 ـ كلود ليفي شتراوس. ص 28 ـ 29.
9 ـ انظر أعلاه في الهامش ص 236. م.قولديي: M.Goldier ,Inceste : l’interdit original, Propos recueillis par G.Plessis – Pasternak, Le Monde 26 août 1987,p.12
10 ـ سنرى ذلك ( انظر أسفله ص 237) أنّ الحريّة في المدى البعيد محدودة جدّا في الواقع، فنحن لا نقترن على المستوى الإحصائي والاجتماعي إلاّ بأصناف معيّنة من الزّوجات.
11 ـ سنقدّم بعض التدقيقات حول الأنظمة شبه المعقّدة في إطار دراسة القرابة الإفريقيّة.( انظر أسفله 173).
12 ـ انظر أعلاه 136.
13 ـ مقتطفات من ف. زوناباند F . Zonabend مرجع مذكور ص.39ـ 40. De la famille) ).
14 ـ مقتطف من ف. زونابند F. Zonabendمرجع مذكور ص 40.
15 ـ ومع ذلك يمكن الافتراض أنّ مجتمعاتنا الغربيّة قد كانت منذ القديم أكثر تجدّدا. وهو ما يقدّمه نصّ للقديس أوغسطين حول عادات الزّواج عند الرّومان في العهود الغابرة حيث كان هؤلاء يمارسون الزواج التفاضلي بين أبناء العمّ المتقاطعين.(أوغسطين .مدينة اللّه ,478, 66ـ 75). ولتفاصيل أعمق حول التحليل الاثنولوجي لهذا النصّ انظر ب.مورو P.Moreau و بليتارك Plutarque و أوغسطين Augustin و ليفي شتراوس: lévi-Strauss تحريم سفاح القربى والزّواج التفاضلي في روما البدائيّة. المجلّة البلجيكيّة للفيلولوجيا والتاّاريخ.LVI-I (1978),ص 41 ـ 54.
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

07‏/12‏/2010

العرق والتاريخ

كلود ليفي ستروس 
الكاتب : 
ولد في مدينة بروكسال سنة 1908 وهو انتروبولوجي واثنولوجي وفيلسوف فرنسي ويعدّ من المفكرين الاساسيين في القرن العشرين ، انه الاب الحديث للانتروبولوجيا ويحتل موقعا هاما في اطار محاولات فهم المجتمع الحديث . درس في فرنسا وتحصل على التبريز في الفلسفة سنة 1932 ثم انتقل الى البرازيل حين حصل على كرسي علم الاجتماع لجامعة ساوبولو وقاد الكثير من المهام الاثنوغرافية في هنود الامازون في امريكا الجنوبية ومن خلالهم الف كتابه المشهور tristes topiques 
الاثر : 
ان اليونسكو منظمة عالمية تاسست غداة الحرب العالمية الثانية من اهدافها مناهضة الاحكام العرقية المسبقة والمحافظة على السلام وترسيخ التعاون بين الدول دون تمييز بين الاعراق من خلال التعليم والعلوم والثقافة . ان هذه المنظمة قامت بالعديد من الملتقيات و في هذا اطار طلبت من العديد من الانتروبولوجيين تقديم تصور للمسالة العرقية في ضوء العلم الحديث فكان جواب كلود ليفي ستروس هذا الكتاب العرق والتاريخ ليأتي بعد حوالي عشرين سنة كتاب العرق والثقافة .
الكلمات المفاتيح : 
الثقافة ، العرق ، التنوع ، الحضارة ، المركزية العرقية او الثقافية ، البدائي ، التاريخ ، التطور ، التقدم ، التعاون .
المحتويات : 
الفصل الاول : العرق والثقافة
تمهيد : 
يذهب الراي الشائع الى الجمع بين الاعراق والثقافات الانسانية بل ان العلم بدوره قد دافع على هذا الجمع ذلك ان الانتروبولوجيا في بداياتها قامت بالخلط بين ما هو بيولوجي / عرقي / طبيعي وبين النتاج الاجتماعي والنفساني للثقافات الانسانية وهي خطيئة ارتكبها العلم ادت الى تبرير كل محاولات التمييز والاستغلال ، انها خطيئة ارتكبها غوبينو الذي جعل منه التاريخ أبا للنظرية العرقية . على خلاف ذلك ، يذهب كلود ليفي ستروس الى ان فكرة التفاوت واللامساة ليس لها اي اساس علمي " لاشئ في الوضع الراهن للعلم ، يسمح بتاكيد التفوق او الدونية الثقافية لعرق من الاعراق بالنسبة الى عرق اخر " على خلاف ذلك ان الامر غير القابل للشك هو حقيقة التنوع الثقافي.
النص عدد 1
عندما نتحدث عن مساهمة الأعراق البشرية في الحضارة ، فإننا لا نريد القول أن المساهمات الثقافية لآسيا أو لأوروبا ، لإفريقيا أو لأمريكا تتسم بخصوصية معينة ، كون هذه القارات ماهولة بالاجمال من قبل سكان ينتمون الى أرومة عرقية مختلفة . واذا كانت هذه الخصوصية موجودة ، وهذا الامر غير قابل للشك ، فانها تعود لظروف تاريخية واجتماعية ، وليس نتيجة لقابليات متميزة متصلة بالتكوين التشريحي او الفزيولوجي للسود او الصفر او البيض . هذا التنوع الثقافي والجمالي والاجتماعي ليس متصلا باية علاقة سببية بالتنوع الموجود على الصعيد البيولوجي ، بين بعض الجوانب المنظورة للتجمعات الانسانية ، اذ ان هذا التنوع مواز له فقط غلى ارضية اخرى . ولكنه يتميز عنه في الوقت نفسه بميزتين هامتين : اولا انه يقع في مرتبة اخري من حيث الاهمية ، لانه ثمة ثقافات انسانية اكثر بكثير من الاعراق البشرية ، طالما ان الاولى تعد بالالاف والثانية بالوحدات ، كما ان ثقافتين انتجهما أناس ينتمون الى العرق نفسه يمكن ان تختلفا بقدر ما تختلف ثقافتان تعودان لأناس ينتمون لمجموعات عرقية متباعدة وربما اكثر منها . من جهة ثانية ، وعلى عكس التنوع بين الاعراق الذي تعتبر فائدته الرئيسة ، كشفه عن أصلها التاريخي وعن توزعها في المكان ، فان التنوع بين الثقافات يطرح مشاكل عديدة ، اذ يمكننا ان نتساءل عما اذا كان يشكل بالنسبة للانسانية غنما ام غرما ومن المتفق عليه أن هذه المسالة العامة يمكن أن تتشعب الى عدة مسائل . 
المهام :
ما العلاقة بين الانتاجات الثقافية والنزعة العرقية ؟
ما الذي يبرر وجود خصوصيات ثقافية متعددة ومختلفة؟
ما الفرق بين التنوع الثقافي والتنوع البيولوجي ؟
الفصل الثاني : تنوع الثقافات 
تمهيد :
ان تنوع الثقافات الانسانية في الزمان والمكان اكثر بكثير من كل ما نحن مهياون لمعرفته على الاطلاق كما ان مسالة التنوع لاتطرح بالنسبة للثقافات في علاقاتها المتبادلة فحسب بل ايضا تطرح دلخل كل مجتمع .
النص :
ان تنوع الثقافات الانسانية يجب الا يتم ادراكه على نحو ساكن.هذا التنوع ليس تنوع عينة جامدة او دليل جاف.ومما لا شك فيه ان ابناء البشر قد انجزوا ثقافات مختلفة بفعل التباعد الجغرافي والخصائص المميزة للبيئة والجهل الذي كانوا فيه بالنسبة لسائر البشر ،ولكن ذلك لا يكون شديد الصحة الا اذا كانت كل ثقافة او كان كل مجتمع مرتبطا ومتطورا في عزلة عن المجتمعات الاخرى.الا ان ذلك لم يحدث الا ربما في امثلة استثنائية على غرار التسمانيين (وهنا ايضا لفترة محدودة فقط).فالمجتمعات البشرية ليست ابدا وحيدة،وعندما تبدو في اقصى درجات الانفصال فان ذلك ياخذ ايضا شكل الكتل او المجموعات.وهكذا ليس من المغالاة الافتراض ان الثقافات في الأمريكتين الشمالية والجنوبية كانت منقطعة عن اي اتصال تقريبا مع سائر ارجاء العالم خلال حقبة من الزمن امتدت ما بين عشرة الاف وخمسة وعشرين الف سنة.ولكن هذا الجزء من البشرية المنفصل عنها ، كان يتشكل من مجتمعات عديدة منها الكبيرة ومنها الصغيرة كانت تربط ما بينها صلات وثيقة.والى جانب الفوارق الناتجة عن العزلة كان ثمة فوارق بنفس القدر من الاهمية، ناتجة عن التجاور مثا الرغبة في التعارض وفي التمايز وفي تحقيق الذات. فالكثير من العادات لم ينشا نتيجة لحاجة داخلية او حادثة مناسبة ولكن نشا نتيجة ارادة عدم البقاء في فراغ بالنسبة لمجموعة مجاورة كانت تخضع لاستعمال محدد، مجال لم يخطر ببال احد ان يضع القواعد له.وبالتالي فان تنوع الثقافات الانسانية لا ينبغي ان يدعونا الى نظرة مجزاة او مجتزاة,اذ انة نتيجة للعلاقات التي تجمع ما بين الجماعات اكثر مما هو بفعل انعزالها عن بعضها البعض.
تسمانيا:جزيرة تقع جنوبي شرقي استراليا.
المهام :
كيف يمكن ادراك التنوع الثقافي ؟
هل من المشروع الحديث عن عزلة بين المجتمعات ؟
يقول الكاتب : "وبالتالي فان تنوع الثقافات الانسانية لا ينبغي ان يدعونا الى نظرة مجزاة او مجتزاة,اذ انة نتيجة للعلاقات التي تجمع ما بين الجماعات اكثر مما هو بفعل انعزالها عن بعضها البعض." حاول ان تفهم هذه النتيجة التي وصل اليها الكاتب في دراسته للواقع الثقافي باستحضار مكتسبات النمذجة العلمية والانتقال من براديغم النمذجة التحليلية modélisation analytique الى براديغم النمذجة النسقية ( السيستيمية )modélisation systémique .
الفصل الثالث :النزعة العرقية او المركزية الاثنية
تمهيد :
ان التنوع الثقافي ظاهرة طبيعية لكنها لم تقدر تقديرا صحيحا بل ثمة من اقر بغرابتها واعتبرها نوعا من الفضيحة بل ان التقدم المعرفي لم يساهم كثيرا في نزع هذا الوهم الذي انغرس في اذهان الناس منذ القدم فالمركزية العرقية ليست وليدة اليوم بل تعود الى الاغريق الذين اعتبروا بربريا ومتوحشا كل من هو خرج المجال اليوناني . ان فكرت الانسانية التي تشمل دون تمييز كل الثقافات والنوع الانساني لم تظهل الا مؤخرا ولكن النشوئية المغلوطة faux évolutionnisme يمكن ان تلغي هذا التنوع من خلال اعتبار مختلف حالات المجتمع الانساني مراحل تطور يحكمها منطق الوحدة وبالتالي جعل الهوية الانسانية قائمة على الوحدة وهو ما ينتهي الى ضرب من التبسيط والاختزال ( وهو ما يتناقض مع بنيوية الكاتب وفكر الكاتب القائم على المركب )
النص : 
ان الموقف الاكثر قدما ، والذي يستند دون شك الى اسس نفسانية متينة نظرا لانه ينزع للظهور مجددا لدى كل منا عندما نكون في موقع غير منتظر ، انما يتمثل في الرفض الكامل للاشكال الثقافية ، الاخلاقية والدينية والاجتماعية والجمالية ، البعيدة كل البعد عن القيم التي نعتنقها . فتعابير مثل " عادات متوحشين " و" ذلك ليس من عندياتنا " و" كان علينا الا نسمح بذلك " الخ ، والكثير من ردود الفعل الفظة التي تعبر عن القشعريرة نفسها وعن التقزز نفسه امام اساليب العيش والاعتقاد والتفكير الغريبة عنا . وهكذا كانت العصور القديمة antiquité'l تخلط كل ما لا يشترك مع الثقافة اليونانية ( ومن بعد الثقافة اليونانية ـ الرومانية ) تحت اسم البربري ، وفيما بعد استعملت الحضارة الغربية تعبير متوحش في المعنى ذاته . فقد كان يختفي وراء هذه الصفات الحكم نفسه ، اذ من المرجح ان كلمة بربري تقود من الناحية اللغوية الى غموض وجمجمة اغاني العصافير ، بمواجهة القيمة التعبيرية للغة البشرية ، وكذلك كلمة متوحش التي تعني انه ات من " الغابة " ، تذكر بنوع من الحياة الحيوانية بمواجهة الثقافة الانسانية . وفي كلتا الحالتين نرفض القبول بواقعة تنوع الثقافة نفسها ، ونفضل ان نرمي خارج الثقافة ، في الطبيعة ، كل ما لا يتوافق مع القواعد التي نعيش في ظلها .
المهام :
ما هي الاحداثية الفكرية التي تمثل نقطة التقاء بين الثقافية اليونانية والثقافية الرومانية والثقافة الغربية ؟ 
بناء على هذه الاحداثية الفكرية هل يمكن الحديث عن فكرة الانسانية القائمة على فكرة المساواة بين كل افراد البشرية ؟ 
ماهو موقف الكاتب من هذا الموقف القديم والحديث ؟ 
لماذا نحكم على سلوك ما انه بربري او متوحش ؟
الفصل الرابع : الثقافات القديمة والثقافات البدائية 
تمهيد :
تصنيف الثقافات بالاستناد الى ثلاثة معايير وهي : اولا الاختلاف في المكان في اطار نفس الزمان ، ثانيا الاختلاف في الزمان في اطار نفس المكان ، الاختلاف في الزمان والمكان . 
بالاستناد الى هذا التصنيف تكون النشوئية خاطئة من خلال مقارنة المجتمعات القديمة بالمجتمعات المعاصرة التي بقيت متخلفة وهي عملية اختزالية ولعبة مجانية الى اقصى حد . 
النص:
ان كل مجتمع يمكنه ، من وجهة نظره الخاصة ، تصنيف الثقافات الى ثلاثة انواع هي : الثقافات المعاصرة له ، ولكن الموجودة في مكان اخر من الكرة الارضية ، والثقافات التي ظهرت في المكان نفسه تقريبا ، ولكنها كانت سابقة في الزمان ، وأخيرا ، الثقافات التي وجدت على السواء في زمان سابق لزمانه وفي مكان مختلف عن مكان وجوده . ان هذه المجموعات الثلاث معروفة بدرجات متفاوتة . ففيما يتعلق بالاخيرة ، وعندما يكون المقصود ثقافات لم تعرف الكتابة ولا الهندسة وكانت ذات تقنية بدائية ( كما هو الحال لنصف المسكونة وبالنسبة ل90 الى 99 في المائة ، حسب المناطق ، للمدة الزمنية المنقضية منذ بدء الحضارة ) يمكننا القول اننا لا نستطيع معرفة شئ عنها وان كل ما نحاول تقديمه لأنفسنا في موضوعها ينحصر في افتراضات مجانية . وعلى عكس ذلك ، من المرغوب فيه كثيرا السعي لإقامة علاقات مساوية لنظام من التسلسل في الزمن ، ما بين ثقافات المجموعة الاولى . كيف لا تذكّر المجتمعات المعاصرة التي بقيت على جهل بالكهرباء والالة البخارية ، بالمرحلة ذاتها من تطور الحضارة الغربية ؟ كيف لا نقارن القبائل الاصلية التي لم تعرف لا الكتابة ولا التعدين ولكنها كانت ترسم الوجوه على الجدران الصخرية وتصنع ادواتها من الحجارة ، كيف لا نقارنها مع الاشكال القديمة لهذه الحضارة نفسها ، التي اثبتت الاثار المكتشفة في مغاور فرنسا واسبانيا ، تماثلها ؟ هنا بالذات اخذت النشوئية الخاطئة مداها . ومع ذلك ، ان هذه اللعبة الجذابة التي نستسلم لها دون مقاومة تقريبا كلما سنحت لنا الفرصة ( الم يكن يسر السائح الغربي في العثور على "القرون الوسطى" في الشرق ، وعلى "عصر لويس الرابع عشر" في بكين ما قبل الحرب العالمية الثانية و" عصر الحجر " وسط السكان الاصليين لاستراليا او غينيا الجديدة ؟) ، لعبة مؤذية الى اقصى حد . نحن لا نعرف من الحضارات الغابرة سواء بعض الجوانب ، وهذه الجوانب تصبح اقل عددا ، كلما كانت الحضارة المعنية اكثر قدما ، بما ان الجوانب المعروفة هي فقط تلك التي تمكنت من البقاء رغم تدمير الزمن . اذن تقوم هذه الطريقة على اعتبار الجزء بمثابة كل ، والاستنتاج ان بعض جوانب حضارتين ( واحدة حالية واخرى غابرة ) تقدم حالات تشابه ، وذلك من اجل قياس جميع الجوانب . إلا أن هذه الطريقة في التحليل ليست فقط غير قابلة للصمود منطقيا بل إن الوقائع تكذبها في حالات كثيرة جدا .
المهام:
على أي أساس يتم تصنيف الثقافات ؟ 
اذكر أمثلة مستمدة من الواقع التاريخي لتوضيح هذا التصنيف المقترح 
حلل وجوه الخطأ في الطريقة التي تعتمدها النشوئية في دراسة الثقافات ؟
ـ على صعيد المنطق :
ـ على صعيد الواقع :
الفصل الخامس : فكرة التقدم
تمهيد :
التخلي عن التصور السائد حول التقدم بما هو مسار مسترسل ومتواصل بشكل لا يقبل الرجعة يعكس تطور الانسانية التاريخي من مستوي ادنى الى مستوى ارفع . ان التقدم ليس ظاهرة خطية خاضعة الى منطق النظام والتواصل من اجل الرفع والافضل بل يتخذ صورة القفزات او الوثبات التي لا تقوم على الاتجاه في ذات الخط ، بل يرافقها تحويل الوجهة .
النص :
ان تطور المعارف لعصر ما قبل التاريخ وعلوم الاثار تميل الى نشر الصيغ الحضارية في المكان،تلك الصيغ التي كنا نتصور انها متدرجة في الزمن.ذلك يعني شيئين:اولا,ان"التقدم"(اذا كان هذا التعبير ما زال يناسب لتعيين حقيقة مختلفةجدا عن تلك التي طبقناه عليها في البدء),ليس ضروريا ولا مضطردا,انه يحصل عبر قفزات او وثبات او كما يقول علماء الاحياء عبر التحولات الفجائية. هذه القفزات وهذه الوثبات لا تعني ابدا الذهاب الى ابعد في الاتجاه نفسه,فهي تترافق بتغيرات في الاتجاه,الى حد ما على طريقة خيال الشطرنج,الذي يملك دائما عدة احتمالات تدرج ولكن ليس في الاتجاه نفسه ابدا.ان الانسانية في طريق تقدمها لا تشبه ابدا شخصا يصعد سلما,مضيفا بكل واحدة من حركاته درجة جديدة الى كل الدرجات التي قطعها,انها تذكر بالاحرى باللاعب ذي الحظ الموزع على عدة احجار من زهر النرد,والذي يراها,في كل مرة يرميها,منثورة على الطاولة وقد اعطت جميعها اعدادا مختلفة. وما نكسبه في احداها,نحن معرضون لخسارته في الاخرى,والتاريخ ليس تجميعيا الا من حين لاخر,الامر الذي يعني ان الحسابات تتجمع لتشكل ترتيبا مناسبا.
ان كون هذا التاريخ التجميعي ليس امتيازا لحضارة ما او لحقبة من التاريخ,يؤكده مثل امريكا بشكل اكيد.فمما لا شك فيه ان هذه القارة الهائلة شهدت وصول الانسان,بمجموعات صغيرة من الرحل التي عبرت مضيق بهرنج مستفيدة من الحالات الجليدية الاخيرة, في تاريخ ليس سابقا بكثير الالف العشرين.وخلال عشرين الف سنة,نجح هؤلاء الرجال في واحدة من اروع البراهين على التاريخ التجميعي الذي عرف في العالم.
المهام : 
ما مفهوم التقدم ؟ ( إبراز التحديدات السياقية المختلفة للمفهوم ) 
هل يمكن الحديث عن انتقال من التاريخ الكلي الى التواريخ الفعلية ؟ 
ماهو اسلوب الحجاج المستخدم في هذه الجمل التي وضع تحتها سطرا ؟ وما هي وظيفته ؟
الفصل السادس : التاريخ الساكن والتاريخ التجميعي
تمهيد :
إن أيّ نقطة يمكن ان تتحدد في اطار نظام من الاحداثيات لذلك كل ملاحظة مرتبطة بالملاحظ ومن هنا نسبيتها نتيجة ارتباطها بموقع ما او مرجعية ما و بناء على هذا التصور ؛ إن أيّ ثقافة تعتبر متحركة اذا تحركت في اتجاه ثقافتنا وتعتبر غير متحركة او ساكنة اذا تحركت في اتجاه معاكس لثقافتنا وهو ما ينتهي الى ضرب من المركزية لكن السؤال الذي يطرح ألا يمكن ان يكون هذا الجمود او السكون ( الطابع الستاتيكي للثقافة ) الظاهر ناتج عن الجهل ؟ ألا يمكن أن تكون هذه الثقافات المختلفة عنا ضحية لأوهامنا ؟
لا وجود لمقياس كلي ووحيد لتصنيف الثقافات بل يمكن اعتماد مقاييس مختلفة تؤدي الي تصنيفات مختلفة: 
ـ لو اعتمدنا معيار كمية الطاقة المؤمّنة لكل واحد من الموطنين لكانت الحضارة الغربية في شكلها الامريكي الشمالي في المرتبة الأولى .
ـ لو اعتمدنا معيار قابلية الانتصار على البيئات الجغرافية الاكثر قساوة كان الاسكيمو من جهة والبدو من جهة اخرى في المرتبة الاولى .
ـ لو اعتمدنا معيار العلاقات بين ما هو مادي وماهو روحي لكان الشرق والشرق الاقصى متقدما على الغرب .
النص : 
وهكذا فإننا نعتبر كل ثقافة تتطور في اتجاه مواز لثقافتنا ، ثقافة تجميعية ، اي تلك التي يكون تطورها بالنسبة لنا ذات معنى . في حين تبدو لنا سائر الثقافات سكونية , ليس بالضرورة لانها كذلك , ولكن لان خط تطورها لا يعني شيئا بالنسبة لنا ، اي انه غير قابل للقياس في حدود نظام المرجع الذي نستعمل.
وفي هذه الحال , ينتج ذلك من تفحص ولو مختصر للشروط التي نطبق فيها التمييز بين التاريخين ,ليس لوصف مجتمعات مختلفة عن مجتمعنا ، ولكن في داخل هذا المجتمع نفسه .هذا التطبيق اكثر انتشارا مما نعتقد . ان الاشخاص المسنين يعتبرون بشكل عام التاريخ التجميعي الذي تشهد عليه سنواتهم الشابة .ان حقبة لم يعودوا منخرطين فيها بنشاط , حيث لا يعودون يلعبون دورا , لم يعد لها معنى اذ لا يعود يحصل فيها شيئ ، ا وان الذي يحصل فيها لا يقدم لهم سوى سمات سلبية ، في حين ان احفادهم يعيشون هذه الحقبة بكل الحيوية التي نسيها الكبار . ان اخصام نظام سياسي ما لا يعترفون بطيبة خاطر ان هذا النظام يتطور ، انهم يحكمون عليه جملة وتفصيلا ، ويرمونه خارج التاريخ وكانه نوع من الفاصل القبيح تعود الحياة في نهايته فقط . اما فكرة لمؤيدين فمختلفة تماما ، ولنلاحظ ، اكثر من ذلك ، انهم يشاركون عن قرب ، وفي اعلى المستويات في عمل هذا الجهاز . ان تاريخية ، او بشكل ادق ، وقائعية ثقافة او عملية ثقافية هي هكذا نتيجة ، ليس خصائصها الذاتية ، ولكن نتيجة الوضع الذي نوجد فيه بالنسبة لها ، ونتيجة عدد وتنوع مصالحنا المرهونة عليها.
يبدو ان هذا التناقض بين ثقافات مضطردة وثقافات جامدة ، ينتج بادئ ذي بدء ، من اختلاف المركز . فبالنسبة للمراقب على المجهر ، الذي حدد على مسافة انطلاقا من الهدف ، تبدو الاجسام الواقعة قبل الهدف او بعده ، حتى واو كان الفارق بعض اجزاء من مئة من المليمتر فقط ، غامضة ومشوشة او انها لا تظهر ابدا .اننا لا نرى سوى اجزاء منها . كما ان مقارنة اخرى تسمح بكشف الوهم نفسه . هذه المقارنة هي التي تستعمل لشرح نظرية النسبية . فمن اجل البرهنة على ان حجم الاجسام وسرعة انتقالها ليسا قيما مطلقة ، انما هما نتيجة لوضعية المراقب ، نذكر انه ، بالنسبة لمسافر جالس الى نافذة القطار ، تتغير سرعة القطارات الاخرى واطوالها بناء لحركتها في الاتجاه نفسه او في الاتجاه المعاكس . ومن المعروف ان ابن اي ثقافة متضامن معها تضامنا وثيقا كما هو ذلك المسافر المثالي في قطاره .
المهام :
ما هو مقياس التمييز بين الثقافات ؟ 
اذكر الامثلة المستخدمة في النص لابراز الفرق بين شكلين من التاريخ ؟
ما هو اسلوب الحجاج المستخدم في هذه الجملة : " ان ابن اي ثقافة متضامن معها تضامنا وثيقا كما هو ذلك المسافر المثالي في قطاره " وما رايك في هذا القول ؟ 
الفصل السابع : مكانة الحضارة الغربية 
تمهيد : 
ان اللحظة الراهنة تقوم على اعتراف كل الثقافات بتفوق الحضارة الغربية بل ان ماخذ البلدان المتخلفة على البلدان المتقدمة هو عدم مساعدتها من اجل التماهي معها 
فهل سننتهي الى تغريب كامل ( كلي ) للكرة الارضية
ما مصير الحضارة الغربية ؟ هل الانضمام الى الحضارة الغربية قرار حر ام نتيجة غياب الاختيار ؟ 
النص : 
ليس المقصود هنا الشروع بدراسة فلسفة الحضارات ، لاننا نستطيع ان نناقش طويلا حول القيم التي تعلنها الحضارة الغربية . لن نذكر سوى الابرز منها ، تلك التي هي الاقل عرضة للخلاف .يمكن حصرها ، كما يبدو ، في اثنتين هما : تسعى الحضارة الغربية من جهة اولى ، حسب تعبير السيد لسلي وايت الى زيادة كمية الطاقة المؤمنة لكل فرد من المواطنين ، بشكل مستمر ، ومن جهة ثانية ، الى حماية حياة الانسان واطالتها ، واذا شئنا ان نوجز لاعتبرنا ان الجانب الثاني هو حالة كيفية للاول بما ان كمية الطاقة المؤمنة تنمو ، في القيمة المطلقة ، مع مدة وفائدة الوجود الفردي . ومن اجل استبعاد اي نقاش ، نقر حالا ان هذه السمات يمكن ان تترافق بظواهر معدلة وكابحة بشكل ما ، مثل المجازر الكبرى التي تشكلها الحروب العالمية ، والتفاوت الذي يسود توزيع الطاقة المؤمنة بين الافراد وبين الطبقات . 
وبعد ذلك ، نتاكد فورا ، ان الحضارة الغربية ، عكفت على مهماتها بوحدانية ربما يكمن فيها ضعفها ، وهي ليست بالتاكيد الوحيدة . فكل المجتمعات الإنسانية ، منذ الازمنة المتاخرة جدا ، تحركت في الاتجاه نفسه ، وانها مجتمعات بعيدة جدا وقديمة جدا تلك التي نساويها مختارين بالشعوب " المتوحشة " الحالية ، التي قطعت في هذا المجال اشواطا حاسمة في التقدم . وفي الوقت الحاضر ، يشكل ذلك باستمرار القسم الاكبر مما نسميه الحضارة . نحن ما زلنا مرتبطين بالاكتشافات الهائلة التي ميزت ما نسميه ، دون اية مغالاة ، الثورة النيوليتية : الزراعة والتربية والخزفبات والحياكة... ومنذ ثمانية الاف او عشرة الاف سنة لم نضف على كل هذه " الفنون الحضارية " سوى الزيادة في الاتقان .
حقا ان ثمة بعض العقول التي لديها ميل مزعج لحصر امتياز الجهد والذكاء والخيال لللاكتشافات الحديثة ، في حين ان تلك التي انجزتها الانسانية في الحقبة " البربرية " ليست سوى من فعل الصدفة ، وليس لها بالاجمال الا قيمة قليلة . يبدو لنا هذا الضلال خطيرا جدا ومنتشرا كثيرا وهو قادر بقوة على منع الاخذ بنظرة دقيقة للعلاقة بين الثقافات ، وهذا ما نعتقد انه لا غنى عن تبديده بشكل كامل .
المهام : 
ما طبيعة القيم التي تعلنها الحضارة الغربية ؟ 
ما هي حدود الحضارة الغربية ؟
هل امتياز الذكاء والجهد لا يرتبط الا بالكتشافات الحديثة ؟ 
الفصل الثامن : فكرة التقدم
تمهيد : 
ان اعتبار التحولات التكنولوجية التي حدثت في تاريخ البشرية من ما قبل التاريخ الى يومنا هذا محض صدفة او نتيجة خصائص عرقية هو تجاهل لخاصيات التركيب والتنوع المميزة لهذه التحولات التكنولوجية وليفس ستروس يقدم جملة من الامثلة لابراز هذه الخاصيات : " ان ظهور الانقلابات التكنولوجية ... لم تتعلق بعبقرية عرق واحد او ثقافة واحدة ، ولكن بشروط عامة الى حد انها تقع خارج وعي الناس " 
النص :
نقرا في كتب تاريخ السلالات ، وفي كثير منها ، ان الانسان مدين في التعرف على النار لصدفة الصاعقة او لحريق دغلة ، وان ايجاد طريدة مشوية مصادفة في مثل هذه الظروف كشف له طبخ الاطعمة ن وان اختراع صناعة الفخار نتج عن نسيان كتلة من الطين قريبا من النار . قد يقال ان الانسان عاش في البدء في نوع من العصر التكنولوجي الذهبي ، حيث كانت الاختراعات تقطف بنفس السهولة التي كانت تقطف بها الثمار والازهار . وقد احتفظ الانسان الحديث بتعب الجهد والهام العبقرية . هذه النظرة الساذجة تنتج عن جهل كامل لتعقيد وتنوع العمليات المتعلقة بالتقنيات الأكثر بساطة...
ان الصدفة موجودة دون شك ،ولكنها لا تعطي لوحدها اي نتيجة . طوال الفين وخمسمائة سنة تقريبا ، عرف العالم الغربي وجود الكهرباء، التي اكتشفت صدفة بلا شك ، لكن هذه الصدفة بقيت عاقرا حتى الجهود المقصودة والموجهة عبر افتراضات الامبير و الفراداي (...) علينا ان نميز اذن بعناية بين انتقال تقنية ما ، من جيل الى اخر ، الامر الذي يحصل دائما بسهولة نسبية بفضل الملاحظة والتدرب اليومي ، وبين خلق تقنيات جديدة او اتقانها داخل كل جيل . وتفترض هذه الاخيرة دائما القدرة التخيلية نفسها والجهود الدؤوبة نفسها من قبل الافراد ، ايا تكن التقنية الخاصة التي نملكها وليست المجتمعات التي نسميها بدائية ، اقل غنى من العلماء مثل باستور و باليسي ، من المجتمعات الاخرى(...)1
اذن من اجل تفسير الفروقات في مجرى الحضارات نصل بذلك الى التماس مجموعة من الاسباب معقدة جدا وغير متواصلة ابدا الى الحد الذي تصبح فيه غير معروفة ، سواء لاسباب عملية او حتى لاسباب نظرية مثل ظهور اضطرابات متصلة بتقنيات الملاحظة ، التي يستحيل تحاشيها ( ... ) هذا الوضع يبرر ادخال فكرة الاحتمال في العلوم الاجتماعية ، تلك الفكرة التي كانت معروفة منذ وقت طويل في بعض فروع الفيزياء ، مثل فرع الطاقة الحرارية . سنعود الى ذلك ، لكن يكفي هن لان نتذكر ان تعقد الاكتشافات الحديثة لا ينتج عن تواتر اكبر او عن جاهزية افضل للنبوغ لدى معاصرينا . ولكن على العكس تماما ، طالما اننا عرفنا انه ، عبر الاجيال لا يحتاج كل جيل ، لكي يتقدم ، الا لاضافة ادخار ثابت الى راس المال الموروث من الاجيال السابقة 
1ـ يقول الكاتب صفحة 47 : " سنجد بعد قليل الصدفة والاحتمال ، ولكن في مكان اخر وفي دور اخر . لن نستعملهما لكي نفسر باسترخاء ولادة اختراعات جاهزة ، ولكن لكي نعلل ظاهرة تقع في مستوى اخر من الحقيقة .
المهام :
كيف تفهم هذا القول : " ان الصدفة موجودة دون شك ، ولكنها لاتعطي لوحدها اي نتيجة " ؟ 
مم يستمد الكاتب فكرة الاحتمال ؟ وما قيمتها في الفكر العلمي المعاصر ؟ وباي معني يستخدمها الكاتب في فهم الثقافات ؟ 
اذا اعتمدنا الاحتمالي والممكن واللانظام في فهم الثقافي بما هو " مركب " هل ينتهي بنا ذلك الى موقف ريبي ؟ 
قارن بين علاقات الارتياب / اللاتحدد / اللاتعين
الفصل التاسع : تعاون الثقافات 
تمهيد : 
ان الطابع التجميعي للثقافات يعكس وجود علاقات مع ثقافات اخرى لذلك لا يمكن القول بان ثقافة ما متفوقة على الاخرى طالما ان كل ثقافة هي تجميعية وعلى خلاف ذلك فان الثقافات الوحيدة لا يمكن ان تكون متفوقة بل ان المصيبة الكبرى التي تصيب مجموعة بشرية وتمنعها من تحقيق طبيعتها كاملة هي ان تكون وحيدة . ان اهمية اي ثقافة لا تقتصر على لائحة ابتكاراتها الخاصة بل تشمل تفاعلها وطريقة وجودها مع الاخرين فبقدر ما يكون الاختلاف هاما بقدر ما يكون التفاعل ثريا وان ترافق بنوع من عدم التفاهم في بعض الأحيان
النص : 
ان لاعبا مثل الذي عرضنا له في الفقرات السابقة، لا يراهن ابدا سوى على المجموعات الاكثر طولا ( ايا تكن الطريقة التي يفهم فيها هذه المجموعات ) ، لديه الحظ الكامل لتدمير نفسه . وليس الامر كذلك بالنسبة لاتلاف من المراهنين الذين يلعبون المجموعات نفسها بالقيمة المطلقة ، ولكن على عدة رولات ( roulettes ) مع منح انفسهم حق الاستعمال المشترك للنتائج المناسبة لمجموعات كل واحدة منهم . وذلك لانني عندما اسحب لوحدي الرقمين 21 و22 اكون بحاجة للرقم 23 لاكمل مجموعتي ، فثمة بالتاكيد حظوظ اكبر للحصول عليه من بين عشر طاولات بدل طاولة واحدة .
هذا الوضع يشبه كثيرا وضع الثقافات التي توصلت لتحقيق اشكال التاريخ الاكثر تجميعية . هذه الاشكال القصوى لم تكن ابدا عمل ثقافات منعزلة ، ولكن عمل ثقافات كثيرة ، جمعت ، اراديا او لااراديا ، ادوارها الخاصة ، وحققت عبر وسائل متنوعة ( الهجرة ، الاستعارة ، التبادل التجاري ، الحروب ) هذه الائتلافات التي تخيلنا نموذجها . وها نحن نلمس هنا باصبعنا الاستحالة التي تواجهنا اذا شئنا اعتبار ثقافة ما متفوقة على الاخرى . لانه ، بالقدر الذي تكون فيه الثقافة وحيدة ، لا يمكنها ابدا ان تكون " متفوقة " ، فعلى غرار اللاعب المنعزل ، لن تنجح ابدا الا في تحقيق مجموعات صغيرة من بعض العناصر ، وان احتمال " خروج مجموعة طويلة في تاريخها ( دون ان يكون ذلك مستبعدا ) يكون ضعيفا جدا ، الامر الذي يقتضيها التمتع بمدى من الزمن اطول الى ما لا نهاية من ذلك الذي يندرج فيه التطور الكامل للإنسانية ، لكي تأمل بان ترى ذلك يتحقق . ولكن ، وقد قلنا ذلك سابقا ، لا وجود للثقافة الوحيدة ، انها معطاة دائما مؤتلفة مع ثقافات اخرى ، وان ذلك هو الذي يسمح لها ببناء مجموعات تجميعية . وان احتمال ظهور بين هذه المجموعات يتعلق بالطبع، بمدى نظام الائتلاف، ومدته، وتنوعه (...)
ليس ثمة مجتمع تجميعي في ذاته . ان التاريخ التجميعي ليس حكرا على بعض الاعراق او بعض الثقافات التي تتميز هكذا عن الاخريات . انه ينتج عن سلوكها اكثر من طبيعتها . انه يعبر عن نمط وجود معين للثقافات ، ليس سوى طريقة وجودها مجتمعة . بهذا المعنى ، يمكننا القول ان التاريخ التجميعي هو صيغة التاريخ التي تتميز بها هذه الاجهزة الاجتماعية المتفوقة التي تشكلها مجموعات المجتمعات ، في حين يكون التاريخ السكوني ، اذا كان موجودا حقا ، طابع هذا النوع من الحياة الدنيا التي تتميز بها المجتمعات المنعزلة . ان المصيبة الكبرى والنقيضة الاخطر اللتين تستطيعان ان تصيبا مجموعة بشرية ، وان تمنعاها من تحقيق طبيعتها كاملة ، هي ان تكون وحيدة .
المهام :
حلل التشبيه الذي يقيمه الكاتب بين لعبة الروليت ووضع الثقافات 
باي معنى يتحدث الكاتب عن تعاون الثقافات ؟ 
ايهما افضل العزلة الثقافية ام الائتلاف الثقافي ؟ وهل يمكن اصلا الحديث عن عزلة ثقافية ؟ 
عد الى تراثك الشعبي او الرسمي للبحث عن اقوال تنبذ العزلة وتؤكد التعاون والائتلاف
قين مع الفيزيائي هيزنبارغ والعلاقات بين الثقافات مع كلود ليفي ستروس 
الفصل العاشر : الاتجاه المزدوج للتقدم 
تمهيد :
المفرقة التي يؤدي اليها مفهوم التقدم :
ـ من جهة كل تقدم هو نتيجة للتآلف بين الثقافات من خلال الجمع بين الفرص التي تصادفها كل ثقافة اثناء تطورها التاريخي سواء بشكل واع او غير واع وهذا التآلف يكون اكثر خصوبة بقدر ما يتم بين ثقافات اكثر تنوع . 
ـ من جهة اخرى ، ان التقدم يقتضي ان يؤدي كنتيجة منطقية الى التجانس . 
فماهي الحلول المقترحة لهذه المفارقة ؟ 
النص :
ان الانسانية غنية بالامكانيات غير المتوقعة ، التي ستصيب الناس بالذهول عندما تظهر اي واحدة منها ، لان التقدم لا يصنع على الصورة المريحة لهذا " التشابه المحسن " الذي نفتش فيه عن راحة كسولة ، لكنه مليئ بالمغامرات والتصدع والفضائح . ان الانسانية هي دائما اسيرة عمليتين متناقضتين ، تنزع احداهما الى اقامة التوحيد ، في حين تهدف الاخرى الى الحفاظ على التنوع والى اعادته . ان وضع كل حقبة او كل ثقافة في النظام ، والتوجه الذي تجد نفسها منخرطة فيه هي في حال تجعلها ترى احد العمليتين وكانها تاخذ اتجاها ، في حين تبدو الاخرى وكانها النفي للاولى ، ولكن القول ، كما قد يرغب البعض ، ان الانسانية تنحل في الوقت نفسه الذي تصنع فيه نفسها ، ينطلق من نظرة ناقصة . اذ انه ، في مجالين اثنين وعلى مستويين اثنين متعارضين ، المقصود هو طريقتان مختلفتان لصنع الذات . 
ان ضرورة المحافظة على تنوع الثقافات في عالم مهدد بالرتابة والتماثل ، لم تخف بالتاكيد على المؤسسات الدولية . انها تدرك كذلك انه لا يكفي لبلوغ الهدف ، ان تجامل تقاليد محلية وان تمنح مهلة للازمنة المنقضية . ان ما يقتضي انقاذه هو واقع التنوع ، وليس المحتوى التاريخي الذي اعتطته اياه كل حقبة ولاشئ يمكن ان يجعلها تدوم ابعد من ذاتها . يجب اذن الاصغاء للسنابل التي تنمو ، وتشجيع الطاقات الكامنة ، وايقاظ الدعوات للعيش معا ، التي يحتويها التاريخ . وعلينا ان نكون جاهزين كذلك ، دون مفاجاة ودون نفور ودون تمرد ،لمواجهة كل ما يمكن ان تقدمه صيغ التعبير الاجتماعية الجديدة هذه من جديد . ان التسامح ليس موقفا تامليا ، موزعا الغفران عما كان وعما هو قائم . انه موقف حيوي يقضي بالتوقع والفهم والتشجيع لما سيكون . ان تنوع الثقافات الانسانية وراءنا وحولنا وامامنا . ان الطلب الملح الوحيد الذي نستطيع ان ندعو اليه في هذا المضمار ( المنشئ لكل فرد واجباته الخاصة به ) ، هو ان يتحقق هذا التنوع باشكال يكون كل واحد منها مساهمة سخية ضمن سخاء الاخرى . 
المهام : 
ماهو الموقف المستبعد ؟
ما هو الموقف المثبت ؟
هل من وجاهة لمطلب العيش المشترك ؟ 
ماهي رهانات موقف الكاتب ؟ 
ابحث في راهنية موقف الكاتب
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

الهيئة الخارجية للإنسان: الانطباع وردة الفعل

عند بداية تشكيل الوعي للطفل، تُطبع على ما يُعرف بنتوءات المعرفة(كما تسميها كروبسكايا) نماذج للأشياء لتكون قاعدة للقياس عليها للتعرف على الأشياء المشابهة، فإن كان هناك نموذج واحد للشيء، كالنجوم مثلاً، أو الماء فإنه نادراً ما يجري على النموذج الأساس تعديلٌ ما. وفي حالة الحيوانات الأليفة، فإن نموذج الخروف أو الحصان يكون هو ذلك الصنف من الخراف أو الخيول الموجودة في المنطقة، فإن كانت الخراف بإلية كما هي في بلاد الشام، فإن رؤية خروف بذيل كالخروف السوداني أو الإفريقي، تحتاج الى إضافة جديدة للنموذج الأساس في تشكيل الوعي أو رسم الصورة الأساس. 
في المجتمعات القديمة، كان نموذج الإنسان (الأساس) بلون شعره ولون بشرته ولون عيونه، وملابسه، هو ذلك النموذج الذي تعرف عليه الفرد في مراحل نموه المختلفة، وتكون تلك النماذج عند المجتمعات المعزولة أو البدوية محددة بشكل شبه ثابت، وفي الأرياف قد يُزاد عليها بالقدر الذي يتعرف المجتمع على أنماط من الملابس وهيئات الشكل الخارجي. 
في المدن العربية بخمسينات وستينات القرن الماضي، كان ممكن للمجتمع أن يلتقي بنماذج للهيئات الخارجية للإنسان، مختلفة عما هي موجودة في البادية والأرياف، فقد يمشي في الشارع من يضع قبعة على رأسه أو يلبس قفطانا عربيا، أو بنطالا وسترة وهو مكشوف الرأس. لكن ذلك في الأرياف يكون موضعا للدهشة فيما لو نزع أحد الشباب غطاء رأسه أو غير ملابسه من العربية المعروفة الى تلك التي انتشرت فيما بعد. 
التغير السريع في الهيئات 
بعد انتشار التعليم وزيادة فرص الاطلاع على هيئات الشعوب المجاورة من خلال السفر وأجهزة الإعلام المختلفة، تجرأ الكثير من الناس (ذكوراً وإناثاً) لتجريب أشكال مختلفة من الملابس و(قصات) الشعر وغيرها، ولم يعد هذا التجريب مثاراً للجدل والانتقاد كما كان سابقاً. 
ومع ذلك، فإن الانطباع العام للتصرف مع تلك الهيئات، سواء في التقييم الخفي للشخص بهيئته، أو حتى المراهنة على إمكانيات ذلك الشخص، بقي يمثل محركاً في شكل التعامل العام والتفصيلي معه. 
ولا يقتصر تكوين الانطباع على سلوكنا نحن في منطقتنا، بل أن ذلك يعم وينتشر في مختلف أنحاء العالم. وقد يكون لذلك الانطباع الأثر الأكبر في استغفال أشخاص دون غيرهم. ففي بريطانيا مثلاً في عام 1980، كان التجار في الأسواق الشعبية من مدينة لندن (أَلد جيت) يستغفلون العرب الذين يلبسون الأزياء العربية التقليدية برفقة نسائهم اللواتي يضعن البرقع، فيبيعونهم السلع بأضعاف أسعار ما يبيعونها لغيرهم. فهيئة العربي ومن يرافقه من النساء، كانت تشكل ما يشبه (الأيقونة) في جهاز الكمبيوتر، فهي تدلل على أنه (غشيم) (غني) (مفجوع) بما سيلقاه عند الغرب، استغفاله حلال، لأنه لا يحسن التصرف بأمواله!
بالمقابل، فإن هيئة الأوروبي أو الغربي الذي يأتي لبلادنا كسائح، تدفع أبناء منطقتنا للتعامل معه، وكأنه مسحور ببلادنا وشمسها وآثارها، فهو يدخر الأموال ليصرفها على أي شيء، ( باعتبار السياحة فِسق من عمل الشيطان)، فيتبعه الأولاد علهم يحظون بشيء من عطاياه، ويبتسم له التجار ليقدموا له عملا يدويا غير متقن كثيراً واضعين له سعراً يفوق مئات المرات كلفته الحقيقية. 
لقد تغيرت الأمور كثيراً في السنوات الأخيرة، فيعلم سكان المغرب مثلاً، أن الأوروبيين لم يعودوا يدفعوا (بخشيش) وأنهم يفاصلوا بالأسعار كيهودٍ محترفين. وهذا يلمسه من يذهب بسياحة لتركيا، فإن الأتراك يقبلون على كرم السائح العربي أكثر من مفاوضاتهم لسائحٍ ألماني أو بلغاري. 
عولمة الأزياء والهيئات 
قبل عدة سنوات، عندما كان أحدنا يتابع عملاً تلفزيونياً أجنبياً، فإنه إذا وقعت عيناه على شابٍ وضع (قرطاً) في أذنه، فإن أقل وصف يمكن أن يوصفه به، أنه (مخنث)، وإذا وقعت عيناه على فتاةٍ حشرت جسمها في ملابس ضيقة، فإن استلطافه لهيئتها سيرافقها دعوات أن لا تستشري تلك الملابس لتصل الى داخل بيته وبيئته. 
اليوم، قد يصطف أحدنا في صلاة الجمعة، ويقف أمامه من يضع علامة نادي (برشلونة) على قميصه، أو اسم شركة غير معروفة، وقد تبطل صلاته وهو يتتبع الأحرف والرسوم المكتوبة على قميصه. 
كما أنه من الممكن جداً أن يقف شعر أحد المهتمين بالهيئة المحافظة، عند رؤيته لشعر شابٍ قصه كقصة (المارينز) الأمريكي، أو أوقفه بمادة (الجل) ليبدو كنموذج لدعاية أوروبية لا يعرف مغزاها!
وقد تغزو تلك المظاهر حتى أكثر المواقع دقة، فقد تراجع دائرة للمخابرات، ويفاجئك شابٌ وهو يمضغ العلكة بالقول (Just minute please)، فتذهب الرهبة السابقة من نفسك، وتنسى عبارات سابقة مع (خزرة العين الحمرا) (انجب وانلخم)! 
ما وراء كل ذلك؟
المصلح السياسي كالمصلح الاجتماعي، يكتشف ما سيكتشفه مجتمعه، ولكن بوقت مبكر. وخبراء الموضة وقصة الشعر، هم كذلك مصلحون أو (مخربون) لا فرق، يعلمون نوازع البشر، فمن حولهم يحس بانعدام الوزن والضياع، فهم يبحثون عن نماذج تقربهم (زلفى) من صورة مجتمع يحلمون أن يصبحوا أعضاء فيه، طالما أن مجتمعهم لم يُؤَمِّن لهم الافتخار بالانتساب إليه.
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

انتروبولوجيا العنف المعيش

د. الحبيب النّهدي 
تقديم 
يستعمل العنف وفق مفاهيم مختلفة مما أدى إلى ظهور جدل حول ما يميّز المشروع من اللامشروع. ونظرا لكونه بدأ يكتسح الحياة اليومية في مختلف مظاهرها الأكثر تعقيدا والتباسا فإنّ الدراسات الكميّة والإحصائية[1] التي تركّز في معرفة النسب والمتغيّرات (الجنس،السنّ،الجهة....) على أهميتها في حصرها وضبطها فإنّها تبقى غير قادرة على فهم الأسباب العميقة للعنف التي تختفي وراء بنى لاواعيّة عرفتها البشريّة منذ وجودها وهي تغذيها الأساطير والمعتقدات والرموز أي أنّها مرتبطة بالمخيال الجماعي اللاواعي. ولفهم ذلك يمكننا أن نستعين بالمقاربة الظواهرية لمكانتها إذ‘‘طرحت المسألة من منظور جديد ثري بمعطياته وآفاقه.'' وتنطلق هذه المقاربة من ‘‘دراسة التجربة الذاتية للإنسان في تفاعله العلائقي مع الآخرين فالعنف كغيره من أشكال السلوك هو نتاج علائقي أو بأكثر دقة، نتاج مأزق علائقي''[2] أي دراسة مقاصد من ينتج عنه العنف وما يثير تساؤلنا أكثر من أي وقت مضى هو ما لاحظنا من مظاهر عنف ذات أسباب لامرئيّة[3] (قتل فتاة من قبل المشعوذ لأنّه أراد استخراج الجنّ من جسدها، قتل صبيّة لاستعمال أعضائها في استخراج كنز، قتل من أجل الثأر لأنّه دنس شرف العائلة، حسد العين يؤدي إلى القتل..القتل الرحيم لإيقاف ألم لا يرجى شفاؤه) وغيرها من العبارات التي يعود بعضها إلى ماض بعيد مترسب في المخيال الجماعي[4] كان قد أشار ابن خلدون إلى البعض منه في مقدمته[5].
فإلى أي مدى يقتصر العنف على الأسباب الموضوعيّة المنظورة؟ هذا السؤال هو المنطلق لإشكالية ذلك أنّه كلّما تراجع العنف المعيش المؤسس[6] violence fondatrice (أي العنف المباح كان أسطوريا بداية أو قانونا وشرعيّا لاحقا) أدى ذلك إلى تضخيم العنف اللامشروع بحيث يتحوّل إلى نمط حياة عام لدى شرائح أوسع في المجتمع. كما أنّه كلما لم يتم استيعاب مفاهيم الحداثة في سلوك الأفراد ومواقفهم يؤدي ذلك إلى استحضار مفاهيم مغمورة في المخيال الجماعي اللاواعي ويسود العنف الفوضوي السلبي.
في تحديد معاني العنف:
من خلال متابعتنا لبعض الدراسات المتعلقة بالعنف لاحظنا أنّه من المفاهيم الأكثر التباسا في الفهم وينطوي على مفارقات مما يعني أنّنا في حاجة ماسّة إلى ضبط جهاز مفاهيميّ فهو أساس كلّ عمل موضوعي. فالمتعارف عليه -بصفة مباشرة- يتمثّل في أن العنف يمارس جسدّيا على الشخص، فهو ممارسة القوّة ضد الغير وهذا العنف يتغيّر حسب المرجعيّة القيميّة والتاريخية والثقافيّة لكلّ مجتمع. وقد لا تستعمل عبارة العنف في حدّ ذاتها وإنّما يقع التعبير عنها بعبارات مثل (القتل، الحرب، القصاص، الاستشهاد، الإرهاب، المقاومة، التضحية، العدوانيّة، الثورة.) ومن خلال ذلك نستنتج أن الهويّة هي التي تحدّد عنفها الخاص: العنف الشرعي والعنف اللاشرعي. وهذا المعطى يمثل مدخلا منهجيا ضروريا ذلك أن كلّ هويّة تدافع عن مشروعيتها أمام هويات أخرى.
في مقاربته النفسية والاجتماعيّة يرى اريك فروم أن فهم أشكال العنف الأقل مرضا هو الذي يساعدنا على فهم ‘‘الأشكال المرضية الشديدة والخبيثة لنزعة التدمير. ونستطيع أن نفرق بين الأنواع المختلفة من العنف على أساس التفرقة بين دوافعها في اللاوعي. ففهم آليات السلوك في اللاوعي هو فقط الذي يسمح لنا بفهم السلوك نفسه وجذوره ومجراه والطاقة التي تحركه''[7] ومن بين هذه الأشكال الطبيعية للعنف يمكن أن نذكر:
العنف أثناء اللعب: فهو يساعدنا على إظهار مهارات لا تهدف للتدمير فتلك الألعاب ‘‘تساهم عموما في التّحكم في الذات وفي تنمية القدرة على الإبداع والخيال. وبهذه الصفة نخفض من شغف الأطفال وعدوانيتهم وتدعّم رضاءهم عن أنفسهم''[8]
العنف الذي يقوم على الخوف وهذا ‘‘النوع من العنف يخدم الحياة لا الموت وهدفه الحماية لا التدمير''[9]
العنف ‘‘كردة فعل هو العنف الذي يتولد عن الإحباط''[10] ويكون في خدمة الحياة وليس لغرض التدمير وترافق تلك العدوانية التي تنشئ الحسد والغيرة.
العنف للانتقام والثأر هو نوع آخر من العنف كردة فعل ولكنه أكثر مرضا وتحليله يقوم على أساس لاعقلاني[11]
العنف بالسلب هو عنف مرتبط بتفاعل تصادمي بين البشر فيما بينهم وفيما بين الطبيعة وهو القضاء على الخصم (وهو الغاية تبرر الوسيلة).
المعنى الذي يتجسد من خلال التقابل بين نمطين من التفسير والتأويل عندما يكون ما أتاه الفرد لا يمثل بالنسبة إلى غيره ما قصده وليس لنا إلاّ أن نبحث عن الخلفية التي تحكم هذا التبادل بين مقاصد متضاربة ومختلفة بين شخصين وكأنّ الأمر ليس إلاّ تبادلا لمعان مختلفة في ردود الفعل والتفاعل بين البشر ويعمل أحد الطرفين على تدمير الغير وتحطيمه وليس هناك أي احترام لحقّ الاختلاف.
الاعتداء على الفرد سواء جسديا أو معنويا أو حتّى إلحاق الضرر بممتلكاته. مثل الانتهاك والتعدّي على قيم المجتمع وعاداته وتقاليده وقوانينه من خلال تفاعل سلبي بين أفراد المجتمع أو بين الدول.
اعتباره سلوكا يوميا يأتيه الفرد كما يمكن أن تأتيه المجموعات مثل الاغتصاب والقتل والكلام البذيء وعنف الملاعب وغيره.....
معنى يجد مبراراته في العنف الشرعي (أي القصاص) الذي تأتيه السلطة وتحتكره وتمارسه باسم القوانين وهو عقاب لمن يخرج عن سلطتها أو يمسّ بأمنها أو يمس بأمن مواطنيها داخليّا وخارجيّا.
العنف في هذه التعاريف متعدّد الأوجه ويمكن تصيف ذلك إلى مستوين المستوى الأول طبيعي لرمزيته والمستوى الثاني خطير وعشوائي لغايته العدمية.
مظاهر العنف المعيش في الحياة اليوميّة:
العنف المعيش Le vécu ملازم لليومي الذي يعيشه الإنسان في محيطه ووفق مرجعيّات مقدسة ودنيوية وما يتعامل معه من كائنات حيّة وغير حيّة، ومن غذاء وعمل ومعرفة، أي كلّ ما يحتاجه لقوام حياته وعمرانه. فهو يكتسبه بإرادته وفعله ليعطي معنى لوجوده: فلكي يؤمن حياته يلتجئ إلى استعمال ضرب من القوّة (العنف) ضدّ النبات (القلع)، وضد الحيوان (الذبح)[12] وضد الطبيعة (التحويل). بل يمكن أن نذهب أبعد من ذلك فالإنسان يمارس عنفه على الحيوان انطلاقا من فكرة التطيّر مثل اعتبار رؤية بعض الحيوانات نذير موت في المخيال الجماعي اللاواعي. فالكلب مثلا حينما ينبش الأرض يعتبره البعض نذير الموت و نعيق البوم نذير شؤم. ولم تقتصر ممارسة العنف على النبات والحيوان فحسب وإنّما شملت بعض الممارسات اليومية مثل تبادل الملح والغربال والخمير. فالمجتمع يكره الإعارة لبعض مواد الاستهلاك اليومي. فهل أن هذه الأفعال لا تستدعي منا تفكيرا؟ أليس في ذلك تأكيد على أن حياة الإنسان رهينة القتل والاقتلاع والحرق والأكل والتدمير؟
كما يتخذ العنف شكل العنف المديني violence urbaine الذي هو ظاهرة تتجلّى في التجمعات الكبرى وبالأخص في الأحياء المهمشة ـ لا سيما تلك التي تعاني من نسبة بطالة مرتفعة'' أبطالها ‘‘بشكل رئيسي من شبان يتجولون ضمن جماعات ويمارسون مختلف أشكال العنف المنسوبة إليهم ضدّ النّظام العام وداخله''[13] ومن مظاهر هذا العنف عمليّات التخريب، والمواجهات مع قوات الأمن التي تتخذ أشكال التجارة غير المشروعة، وسرقة المتاجر. أمّا عن الأسباب فهناك من يعتبرها متمثلة في غياب رحابة الصدر وبالتالي لا بدّ من الحوار مع الشباب.
من خلال الملاحظة بالمشاركة نجد أن هؤلاء الشباب يستعملون عبارات عدوانية هي نفسها تمثل عنفا رمزيّا مثل ‘‘ فورتلو راسو'' بمعنى أسلت الدم من رأسه ويتحاشى قول لقد أمته. وكما أن أثناء التعبير عن الحقد والنزاع في العلاقات البشرية يقول الفرد ‘‘نشربلو دمو''. كما نلاحظ استعمالات أخرى من الضروري الإشارة إليها هنا وهي الاستعمالات التي تكون نتيجة نظرة خاصة للموت بحيث نجد في بعض الأحيان في هذه التعبيرات معان فيها نزعة لأكل لحم الإنسان وذلك من خلال التعابير التالية ‘‘والله ناكلك لو ما تقولش الحق'' أي ‘‘والله أكلك إذا لم تقل الحق'' أو ‘‘نشويلك لحمك وناكلوا'' لهذا فإنه عندما يثور أحدهم ‘‘حقدا على رجل آخر ويقسم بأغلظ الإيمان أنه عندما يراه سوف يشرب من دمه يعتبر كلامه هذا نوعا من المبالغة التي لا تعبر تماما على نية صاحبها. ولكن بعض الشعوب كما يبدو تعتبر أن التفوه بمثل هذه الكلمات يوجب على صاحبها الالتزام بها لأنها غدت بالنسبة إليه نذرا لا بدّ من تنفيذه''[14]
وإن سعى علم الاجتماع في هذا المثال للربط بين العنف والتمدّن فإنّ الانتربولوجيين يرون أن ‘‘ثقافة الشارع لا تقتصر فقط على تداول العنف بل تحمل أيضا نظرة أقرب إلى الإيجابية عن العنف الجسدي'' فمن يمارس العنف يريد أن يشعر غيره أنّه يتمتع بجسد قويّ ويتمتع بحماية عضلاته المفتولة، (مثل كمال الأجسام الوشم على الزناد....كما أنّه غالبا ما يتخذ العنف طابع التسلية في التصرفات العنيفة أي أن استخدام العنف يتخذ طابعا ثقافيا تنتجه قيم وأنماط للسلوك وليس تعبيرا عن ‘‘الكره'' يمارسه ‘‘شاب في أسفل التراتبية الاجتماعية ومن أصل أجنبي في آن معا، أي خاضع لثلاثة أطراف إذ غالبا ما يعتبر ‘‘الأجنبي'' في هذا السياق شخص مختلف ‘‘اثنيا'' أحيانا تدخل الرياضة هنا باعتبارها ملطفا بحيث تحوّل استخدام القوّة البدنيّة نحو التحكّم في الذات دون أن نتوقع بالمقابل اضمحلال ظاهرة ‘‘مرئية'' أكثر فأكثر على الصعيد الاجتماعي''[15]
كنا نجد فضاءات غير مسموح فيها بممارسة العنف نظرا لقدسيتها مثل مقام الأولياء الصالحين والمقابر ولكنها تحوّلت إلى فضاء لتمظهر العنف. فقد أصبحت المقبرة تمثل فضاء خطيرا يجد فيه الشباب متنفسّا بعيدا عن أعين المراقبين لتحقيق رغبات مثل شرب الخمر والتسلية ولعب القمار وممارسة الرذيلة فكانت مسرحا لارتكاب جرائم خطيرة. فهل تستطيع القرارات القانونية للمقابر التقليص من هامشيتها حتى لا نقول القضاء عليها نهائيّا؟ وهل جاءت هذه القوانين للقضاء على مظهر الهامشية أم حاولت تأطير المقابر فأصبحت تمثّل خطرا على الفضاءات المعدّة للسكن؟ أو دمج المقابر بالسياسة المالية للدولة فتتحوّل المقبرة نفسها مصدرا من مصادر دعم ميزانية البلديّة؟ فهل هذا القانون مجرد وسيلة لتنظيم المقابر؟ أم أن الجرائم كثرت إلى اكتساحتها المقابر؟
لم تلق حظها من الدراسة العلميّة ما تسعى وسائل الإعلام إلى تضخيمها من أسباب لتحديد آليات اشتغال المخيال الجماعي في تدعيم العنف الرمزي. والأخطر من كلّ ذلك تأثيرها في نفسية المتلقي فتنقل له أفلام العنف وضحايا المجازر الجماعيّة وهو يتلقى ذلك دون تفاعليّة رمزيّة مما يولد لديه سلوكا عدوانيّا خطيرا في فعله اليوم.‘‘ففتنة الموت الكبير تطفو بصورة غامضة تحت انبثاق العنف ويضاف إلى انتشار ضروب العنف الخيالية إبراز ضروب العنف التي تنفجر في أطراف الحياة اليومية على صورة حوادث وجرائم فالصحافة الثقافية الجماهيرية تفتح أعمدتها للوقائع الممنوعة أي للأحداث الطارئة التي تبررها إلاّ قيمتها الانفعالية''[16] فتستهلك جرائم العنف والقتل والاختطاف والاغتصاب وكأن الطبيعة الحقيقية للإنسان هي العنف و‘‘من خلال عالم الجريمة يعيد القارئ اكتشاف أقل أحلامه شعورية في حالتها المعيشة والمتحققة ....وهكذا فإنّ كبار المجرمين هم أكباش فداء الجماعة''[17] وأمام حوادث العنف والإجرام نجد عبارة ‘‘اللطف'' أو ‘‘الله تلطف بنا''وكأن المرء ليس له عودة إلى الظروف الموضوعية وإنّما إلى المصير البشري المحاط بكلّ أنواع العنف.
بعض مظاهر العنف اللامرئي:
لئن كان العنف الجسدي يمكن إدراكه بيسر والمشرع القانوني تعامل معه بوضوح إلاّ أنّه لم يعتمد على المقاييس الدقيقة والعميقة والتي تتعلّق بالأبعاد الرمزيّة واللامرئيّة فكثيرا ما يتم التغافل عنه لأنّه لا يقبل إلاّ ما هو موضوعي أي ما يمكن معاينته وكشفه كما لا يقرّ باعتباره منشأ خرافيا أو ميتافيزيقيا لأنّه من المسائل التي لا يقدر على إثباتها رغم أن المجتمعات التقليديّة كان لها جهازها الرمزي والمؤهلات التي تساعدها على التعامل مع هذه الظواهر الماورائية. ورغم استمرار اشتغال الجهاز المفاهيمي الماورائي واعتماد وسائل الإعلام عليه في تفسير بعض أحداث العنف التي تتجلّى في مجتمعنا فإن البحوث كثيرا ما تتغاضى عنه خاصة إذ حكمت منهجيتها صفة الموضوعيّة التي لا تعطي أهميّة إلاّ لما هو محسوس ماديّ وتستبعد كلّ التصورات والتمثلات والذهنيات والمخيال الذي له حضور متأكد فمعظم حالات العنف تُبنى على معرفة تجريدية، على موروث ذهني جاهز، قوالب مصمَّمة عن الآخرين: الوثن الذهني، بكل أوالياته ومفاعلات ارتباطه، يحلّ أو يقترن بالوثن المادي''[18]. فالعقلانيّة السحريّة هي التي ‘‘تجعل الفرد يفترض، بصورة لاشعورية، إن ذاته والواقع يخضعان لقوى غير التي يمكنه أن يعيشها بالتجربة المباشرة، بمعنى أن هناك في التجربة العادية عنصرا خارج التجربة المباشرة يتخطى العقل''[19]
عنف يعود إلى أسباب غير منظورة أي لا مرئيّة مازال له حضور في الذهنيّات التي تدفع الأفراد دون وعي منهم بل بدافع هذا العنف الرمزي ذلك أن العامل اللاعقلاني الذي يسهل مواجهة الواقع ويجعله مقبولا يقحم نفسه بشكل من الأشكال في مختلف أنواع التبرير، ولذا فلا عجب، في أيام الشدة. أن تكون هناك نزعة إلى إيجاد تفسيرات تتخطى المعطيات المباشرة وتصبح هذه النزعة ضرورة نفسية ماسة''[20]
نقصد بتلك آليات العنف التي تشرعه وتبرره:
قانون الثأر: عادة الثأر للقتيل معروفة عند الأعراب قديما، فإنّهم يزعمون أنّ روح القتيل تبقى حيال قبره صارخة طالبة ثأره حتى يقوم أحد أقارب القتيل بقتل قاتله فتهدأ وتختفي. هنا نجد الربط بين فكرة الانتقام التي تسلّطها القوى الخفيّة المتمثلة في ‘‘العبيثة'' التي ليس لها وجود فعلي إلاّ في المتخيّل الجماعي وبين فكرة الثأر ضرورية ذلك أنّ هذا الانتقام يؤدي إلى فرض احترام الروح البشرية والمحافظة على توازن المجتمع وتحقيق أمن أفراده فقدرة هذا التفسير هو فرض قانون ذو طبيعة ماورائية. كما تتواصل بعض فهذه المعتقدات القديمة ترى أنّ الميت المنسيّ أو الذي مات مقتولا يهدّد دوما راحة الأحياء وقد يأتيهم في شكل أشباح في الحلم ويدخل اضطرابا على حياتهم وتتواصل ما دام لم تأت قوّة أخرى بقداستها لتثأر للقتيل. ذلك أن الثقافة التقليدية ترى أنّ الميت اللامرئي يجاور الأحياء المرئيين. ولكن الملاحظ أن الثأر كان يعبّر عن استقلالية القبائل وخروجها عن إرادة السلطة لهذا فإنّ إقرار شخصية العقوبة خاصة في الفصل الثالث عشر من الدستور التونسي[21] يمثّل تصديّا إلى ذلك لأنّ الفرد لم يعد ينتمي إلى القبيلة بل ينتمي إلى دولة تنظم العقوبات وفق القوانين عوضا عن الثأر بحيث لا تتمّ إلاّ معاقبة صاحب الجريمة . وما تنفكّ وسائل الإعلام تحاول أن تؤكّد قانون الثأر وتجعل صاحبه كأنّه استرجع حقّه ونادرا ما تؤكد شخصيّة العقوبة وفي ذلك مشروعيّة لتجاوز القانون وممارسة الثأر.
القتل بالعين والسحر: وهو ما ذكره ابن خلدون في كتابه المقدمة إذ قال ومن ‘‘قبيل هذه التأثيرات النّفسانيّة الإصابة بالعين'' وبين أن القاتل بالسّحر أو بالكرامة يقتل، والقاتل بالعين لا يقتل وما ذلك إلاّ أنّه ليس مما يريده ويقصده أو يتركه، وإنّما هو مجبور في صدوره عنه''[22]‘‘ وليس كما نرى مجرد الموقف عبر عنه ابن خلدون وإنّما لأنّه يرى أنّه موضوع يشغل المجتمع كما أن قام به مرسال موس في محاولته حول ‘‘الإيحاء الجماعي حول الموت'' حيث يستحق النظر فلقد توصل إلى أنّ هناك الالتقاء ما هو فيزيولوجي مع ما هو اجتماعي بحيث أنّ كلّ مجتمع يفرض على الفرد استعمالا محدّدا لتصوّر الموت من خلال ‘‘توسّط تربية الحاجيات والنشاطات التي تطبع بها البنية الاجتماعية بصماتها على الأفراد'' أي ‘‘بمعنى الانعكاس الاجتماعي على الفرد، وتمثل قضية الاندماج الثقافي عبر الموت آلية ينمط بها المجتمع الأفراد بحسب صورته''. يمكن أن نذكر الذين ‘‘قضوا نحبهم ضحية العشق والحب والوجد''[23] هناك من مات من خشيته من النار فحبس نفسه في البيت حتى مات كما ‘‘يقال على ألسنة العامة من أن فلانا مات من الغيظ أو مات من الحسرة أو مات كمدا''[24] كما أن ‘‘الحزن والخوف المكدّر للحياة''[25] يؤدي إلى الموت . كما كان ‘‘العرب يربطون في لغتهم بين الموت والمعصية....المعصية ترتبط ارتباطا وثيقا بالموت''
البحث عن الكنوز الذي تقضي تقديم قربان وقد أشار ابن خلدون إلى ذلك فكتب ‘‘اعلم أنّ كثيرا من ضعفاء العقول في الأمصار، يحرصون على استخراج الأموال من تحت الأرض، ويبتغون الكسب من ذلك. ويعتقدون أنّ أموال الأمم السالفة مختزنة تحت الأرض، مختوم عليها بطلاسم سحريّة ، لا يفضّ ختامها ذلك ‘‘إلاّ من عثر على علمه، واستحضر ما يحلّه من البخور والدّعاء والقربان''[26]
قتل المريض من أجل الرحمة: Euthanasie اعتمد هذا المصطلح Francis Baconسنة 1605 وهو رئيس القضاء في انقلترا ‘‘يقصد به حق الطبّ في تلطيف ألم من هو على مشارف الموت بطريقة تضمن له نهاية سالمة و‘‘موت حسن''''[27] ولكنه اعتبر في القرن التاسع عشر خارقا لحقّ الإنسان في الحياة، لذلك كان لا بدّ من وضع تشريع ينظمه إمّا بالمنع أو بالقبول. ولقد طرحت هذه القضيّة في الغرب وبلغ صداها تونس من خلال وسائل الإعلام وإن كانت أقلّ حدّة من مسألة زرع الأعضاء. ف‘‘المسألة هي أن إنسانا ما قد يختار الموت ويقدم عليه وهذا انتحار وإنسان آخر مريض معذب يتوق إلى الموت ولكنه لا يمكن تنفيذه. ويحمل الأول أعذاره معه دون اكتراث بالآخرين ويحمل الثاني أعذاره الجليّة وهي : الألم والمرض العضال ويكترث بالأحياء بل يرجوهم أن يساعدوه على تخليصه من الحياة فلا يجرؤ أحد على ذلك''[28]. ويعاقب القانون كلّ من يقدم على قتل غيره رحمة به حتّى ولو كان طبيبا. والإسلام يحرم قتل النفس ومهما كانت الأسباب للقضاء على الآخر بالموت لأنّ إعطاء الموت للآخر مهما كان السياق الذي يوضع فيه يبقى من الممنوع المطلق''[29]. فتشخيص الموت من أصعب المهام التي يتكفّل بها الطبيب، كما أنّ ردود فعل المجتمع التونسي لا يمكن إثباتها إلاّ عبر الدراسات وسبر الآراء. ولكن نلاحظ أن المرجعيّة الإسلامية تجعل التونسي لا يرى الموت إلاّ شأنا إلاهيّا والذي يمارس القتل شفقة هو تدخل في إرادة الله[30].
نحو ثقافة مقاومة العنف:
نؤكد في دراستنا فكرة أساسية ومحوريّة وهي أنّه سجل تراجع في تعامل الإنسان مع مظهر من مظاهر تقمص أدوار العنف المشروع أي العنف الرمزي الذي يساعد الإنسان على تمثّل صورة العنف مما يرسّخ لديه عدم إمكانية استعمال ذلك ضدّ البشر. من الأسئلة التي توصلنا إليها هي: هل يمكن أن نلغي الحرب والاستشهاد والتضحية من أجل مقاومة العنف ؟ ولكي نلغي العنف هل علينا أن نجرم الإعدام ونلغيه؟ ولكي نقتلع العنف علينا أن نرفض أشكالا من الطقوس المكوّنة لجزء من هويّة المجتمع مثل الختان والأضحيّة في العيد لأنّ -حسب مرجعيات الثقافات الأخرى- يعتبر ذلك شكلا من أشكال العنف والقسوة والبربريّة باسم حقوق الإنسان وحقوق الحيوان؟.
فإذا كان فضّ البكارة في المنظومة التقليدية يعبر على انتصار الشرف والرجولة فإنّه مقابل ذلك يعتبر في المدنيّة كبت وساديّة ووحشيّة وغياب الثقافة الجنسية تجعل الأنثى موضع لذّة الرجل.
وإذا كان الثأر قانونا اجتماعيا للقصاص من المجرم أصبحت العقوبة شخصيّة فلا يحقّ بأي حال من الأحوال الثأر.
وإذا كان الختان يمثل طقسا من طقوس العبور طريقة متبعة من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الرجولة فأصبح في الثقافة المدنيّة جرح للنرجسية الذاتية. وهذه المسألة تطرح بأكثر حدّة في المجتمعات التي حافظت على ختان الإناث.‘‘فما يعتبره المسلمون واليهود وغيرهم سلوكا سلميّا (الختان مثلا) يرتبط بمعتقدات وعادات ومعايير يتقاسمها كلّ أفراد المجموعة أو على الأقل الأغلبية السّاحقة منها، إذ بإمكان الآخر الغريب عن هذه المجموعة اعتبارها سلوكات عدوانية في منتهى الشراسة والحدّة''[31]
وإذا كان الإعدام قصاص من القاتل فأنّه أصبح مسّ من الحرمة الجسديّة للإنسان وتأسست جمعيات تعمل ضدّ إلغائه[32]
الإقصاء الممارس ضد المرتدين والشواذ والمرضى بأمراض يعتقد أنّها ذات منشأ الخطيئة بينما نجد اليوم اهتماما بهذه الفئات ومحاولة مساعدتها على تجاوز أمراضها ولا يعاملها المجتمع بموقف عقائديّ.
لم يكن من الممكن وضع حدّ لحياة الإنسان حتّى وهو يحتضر فهناك أصوات الآن في الغرب تنادي بضرورة ممارسة القتل الرحيم لمن يعاني من آلام لا يرجى منها شفاء فهل يستجيب المجتمع التونسي اليوم لهذا النداء؟.
تراجع خطير لاحترام الذات البشريّة والجسدية فقد أصبح السكين رمزا لكل عنف خطير. والمعروف أن السكين هي رمز للأضحية وبه يسال الدم في الفضاء المنزلي. كان المجتمع يبحث دوما عن كبش فداء تحترم من خلاله الذات البشريّة (الكبش الذي أفدى به إسماعيل وحتّى لو كان من البشر أيضا مثل (الفتاة التي تلقى في النيل). ولكن العنف اليوم أصبح يرى حريّة الإنسان في أن يفعل ما يريد وجرائم العنف والقتل تقدّم في وسائل الإعلام على أساس أنّها تثير رغبات الناس في التمتع بمثل هذه الأحداث (ساديّة، ماسوشية). كما نرى البعض يبرر هذا العنف من تعابير عامية مثل ‘‘أش تحبو يعمل بطال، عندو حقّ مسكين''.
كلّ هذه المفارقات التي تحكم المنظومة التقليديّة والمنظومة المدنية تحتاج منا الفهم والتقصي حتّى نصل في نهاية التحليل إلى تدقيق المفاهيم بحسب تنوّع المرجعيّات. ويظلّ العنف محيّرا يثير فينا أسئلة تبحث عن أجوبة أي عن معنى له في أدّق تفاصيل الحياة اليوميّة. وتبعا لذلك ما أحوجنا إلى التساؤل: هل أن نفي العنف بصفة نهائيّة يؤدي بنا إلى إلغاء كلّ أشكال التضحية في المجتمع ومؤسسة العسكر والأمن وكلّ وسائل الضغط الشرعي؟ وهنا تبرز المفارقات التي لا يمكن تخطيها إلاّ إذا تعامل المجتمع مع مفهوم العنف في معناه الواسع وإعادة تأسيسه من جديد متجاوزا الفوضى. فالعنف اليوم يتجلّى في كلّ مكان: في الأسرة، في المدرسة، في المجتمع. وأصبحت الظاهرة تطرح رهانا على الباحث الاجتماعي لوضعها محلّ دراسة.
نعتقد أن الحلّ يكمن في تثمين دور الألعاب الرمزيّة في امتصاص العدوانيّة والعنف مثل: (تقمص أدوار البطولة، التركيز في نماذج من الشخصيات التاريخيّة التي عرفت بإلهامها في نبذ العنف في كلّ أشكاله. والتنشئة على إدماج المقدّس في الحياة العامة والتعامل المباشر مع مختلف ما هو رمزي في التضحية، في الصيد، في التعامل المباشر مع الأعمال اليوميّة مثل: (ذبح دجاجة، رؤية مشهد الأضحية، تمتين الروابط الاجتماعيّة من خلال الاحتفال)[33] كما نؤكد أن العنف الأخطر هو الذي يؤسس على أسباب غير منظورة ولامرئية ولا بدّ أن نهيء أنفسنا للتعامل معه بطريقة ثقافية رمزيّة تعيد تشكيل المخيال الجماعي وتخلصه من مظاهر العنف. وذلك بما يقابله من مفاهيم مدنيّة. فالعنف اليوم لا تتحكم فيه الحدود بل يتخذ بعدا عالميا يجد رواجا إعلاميا مؤثرا.
كما لا بدّ من مساحات حرّة يصرّف فيها الإنسان عنفه المستبطن مثل (المسرح، ممارسة الطقوس الجماعيّة الاستعراضية والألعاب الشعبيّة) ومن ثمة فالتفاعليّة الرمزيّة تلعب دورا محوريا وأساسيا في سياقات العنف المؤسس فهو يدرج العمليّة في آليات دافعيّة تحوّل العنف ضدّ البشر إلى موضوع خارج عن البشر. ولعلّ نشر الثقافة المدنيّة والتجذير في الفكر والسلوك هو وسيلة ضامنة لمقاومة كلّ أشكال العنف مثل مفهوم شخصيّة العقوبة ـ الحرمة الجسديّة ـ الحريّة والمسؤوليّة ـ ثقافة الأمن فلعلها تكون وسائل نستطيع بفضلها مقاومة العنف. هذه المنظومة القيمية والرمزيّة تمثل بيداغوجيا جيّدة في سبيل ردع الإنسان ليؤدي الأفعال العنيفة[34] فهي بالتالي تكوّن وعيه وتشكلّ فاعليّة رمزيّة تنصهر في مختلف ممارساته اليوميّة لذلك فكلما ابتعد الإنسان عن هذا النسق الرمزي التفاعلي في محيطه إلاّ تفشى العنف في أقصى معانيه من غير رادع ولا ضمير.
خاتمة: عندما أردنا أن ندرس العنف لم يكن في وسعنا أن نتوقع هذا التعقيد لفهم هذه الظاهرة بكل متناقضاتها وأبعادها التي تتجسد في كلّ تفاصيل حياتنا اليوميّة فواجهنا صعوبات جمة في تقديم مقاربة قد يعجز هذا البحث المتواضع على أن يغامر من غير الصرامة المنهجيّة. ولهذا تبيننا منذ الوهلة الأولى أنّه ليست كلّ أشكال العنف واحدة بل العنف متعدّد حسب السياقات والمضامين والأهداف. فهو ملازم للوجود الإنساني وقد يتحوّل لدى البعض إلى نمط حياة. فنرى أنّه يتوزع اليوم على مساحات أكثر حميمية في المجتمع بين تداخل الحريّة الفرديّة والفضاء العمومي المشترك وباسم الحريّة الفرديّة أصبح الفرد يقترف ما يشبع عدوانيته. فهل يمكن إذن أن نتحدّث عن العنف الملازم لنمط الحياة العام؟ ولماذا مازلنا نجد الفرد أحيانا يتخفى وراء تقمص مظاهر الحضارة وهو ‘‘لا يستطيع أن يتخلص من بعض بقايا القيم البدويّة المتغلغلة في أغوار عقله الباطن''[35] وهل يمكن اليوم أن نبرر الموت الرحيم ونتجاوز اعتباره عنفا وقتلا؟ وهل نفصل فقط بمجرد القول بقانونيّة المسألة حتّى نطوي صفحة الموضوع أم أن الأمر يظلّ أعمق بكثير؟ هل من الممكن أن نؤسس تربية على ثقافة التسامح أو اللاعنف؟ وهو ما يستوجب منا الوسائل التي تحقق هذه الغاية والتي يرى البعض أنّها تحتاج إلى وجود شخصيّة ملهمة مثلما هو الشأن لدى غاندي وعلى المربين أن يقبلوا العنف المسلط عليهم بالتسامح. فأي أرضيّة يمكن أن تعبر عن حاجتنا إلى اللاعنف؟ وكيف السبيل لتربية المخيال الجماعي وتخليصه من مفاهيم لا تتماشى والقوانين وقيم الحداثة؟ .
-------------------------------------------
[1] بوبر (كارل): بؤس الايدولوجيا نقد مبدأ الأنماط في التطور التاريخي ترجمة عبد الحميد صبرة دار الساقي الطبعة الأولى 1992 ‘‘
[2] حجازي (مصطفى) : التخلّف الاجتماعي مدخل إلى سيكولوجية الإنسان المقهور الدراسات الإنسانية علم النفس معهد الإنماء العربي لبنان الطبعة 1 1976 ص: 293
[3] راجع في هذا الصدد عبد الوهاب بوحديبة: القصد في الغيرية : بحث حول التجارب العربية الإسلامية. الوسيطي للنشر تونس 2001 خاصة في النوع الثاني من الغيريّة التي أشار إليها فهو ‘‘يخصّ العلاقات بالغيب'' صص: 41 ـ 45 ‘‘يقتضي الاعتقاد الشائع المستمدّ من العقيدة الإسلامية أنّ عالم ‘‘الملائكة'' تسكنه كائنات أخرى غير البشر. ولئن كنّا لا نرى عادة الجنّ والملائكة -إلاّ في حالات استثنائيّة- فإنّ علاقات قد تكون إيجابية أو سلبيّة تربط بهذه المخلوقات التي تسمّى في البلدان المغاربيّة ‘‘الناس الأخرى'' وتعيش معنا وحولنا، بل تداخلها. ويمكن لها أن تقدم لنا يد المساعدة بصفة خفيّة وأمينة، كما يمكن أن تغدق علينا النّعم أو تصيبنا -بالعكس- بأنواع من الأذى'' وقد أبرز بوحديبة في كتابه الجنسانيّة في الإسلام ‘‘الأهميّة النفسانيّة لهذا المعتقد في وجود تلك المخلوقات وفي إمكانيّة التعامل معها حتّى على مستوى العلاقات الجنسية، كما يقرّ بذلك مبدئيّا الفقه الإسلامي إلاّ أنّه لا يعترف به'' ويضيف ‘‘ومن شأن الألفة مع ‘‘الناس الأخرى'' ألاّ يكون العالم خاويا أو صامتا أبدا، إلى حدّ أن القانون الإسلامي قنّن علاقاتنا بهؤلاء الناس، وأضفت عليهم العقيدة الإسلاميّة طابع الشرعيّة لمّا أدخلت ضمن أركان الإيمان التصديق بوجودهم. وعلى كلّ، فقد أثر هذا المعتقد المعيش في لاشعورنا الجماعيّ وأكسب الغيريّة بعدا بقي غالبا مطموسا. فالظاهر والخفيّ يتداولان أو تترافقان بل يتنازعان الواقع اليومي لعامة النّاس وبسطائهم'' صص: 41-42 ‘‘‘‘إنّ هذا النوع الثاني من الغيريّة تأسيس في جوهره، لعلاقة نفسانيّة وحتى جسمانية مع الغيب'' ص: 45
[4] ‘‘ليست من مكتسبات الفرد، بل هي مدينة بوجودها حصرا للوارثة. وبينما يتألف معظم الخافية الشخصية من عقد complexes تتألف محتويات الخافية الجامعة من نماذج بدْئية archétype يشير مفهوم النموذج البدئي، وهو معادل لا غنى عنه لفكرة الخافية الجامعة، إلى أشكال محددة من النفس تبدو ماثلة في مكان وزمان، يسميها البحث الميثولوجي ‘‘محاور'' motifs وتنطبق في سيكولوجية البدائيين على مفهوم ليفي برول عن ‘‘الصور'' الجمعية représentations collectives وفي مقارنة الأديان يعرّفها هوبرت وموس ب ‘‘مقولات التخيل'' catégories de la imagination ومنذ زمن بعيد سمّاها أدولف باستيان ب ‘‘الأفكار الابتدائية أو البدئية'' من هذه الالماعات يتضح تماما أن فكرتي عن النموذج البدْئي - حرفيا شكل سابق الوجود- لا تقف وحدها، بل هي تعرّف عليه.'' انظر يونغ: البنية النفسية عند الانسان ترجمة نهاد خياطة الطبعة الأولى دار الحوار للنشر والتوزيع سورية 1997 ص:77-78
[5] ابن خلدون: المقدمة مكتبة ودار المدينة المنورة للنشر والتوزيع الدار التونسية للنشر 1984 الجزء 1 ص 398 الكلام على الملاحم والكشف عن مسمى الجفر الجزء الثاني ص 464 في أن ابتغاء الأموال من الدفائن والكنوز ليس بمعاش طبيعي وغيرها من المواضيع الأخرى المتفرقة على كامل المقدمة
[6] حسب René Girard الرغبة في التشبه بالآخر وتقليده تفتح عالما من العنف والأخذ بالثأر ‘‘عالما لا يمكن الخروج منه إلاّ بتحويل العنف إلى ضحية قربانية Victime sacrificielle انظر قيصر الجليدي: العنف المطلق والتاريخي (خطاب المقدس والمدنس) كتابات معاصرة عدد 30 ص: 36
[7] فروم (اريك): قلب الإنسان ترجمة خالد الشلقاني دار الثقافة الجديدة 1992 ص: 21
[8] محجوب (عبد الوهّاب): السّلوك العدواني نقله إلى العربيّة نور الدّين كريديس المجمع التونسي للعلوم والآداب والفنون ‘‘بيت الحكمة'' 2001 ص: 116
[9] فروم (اريك): مرجع سبق ذكره ص: 22
[10] المرجع نفسه ص:24
[11] المرجع نفسه 25
[12] فعنف الإنسان ضد الحيوان يتجلى في اصطاده لتلبية حاجياته وفق جملة من الطقوس والأدعية لهذا نجد أن النحر يخضع إلى شروط وهي النيّة والبسملة ليستباح أكله وفي غياب ذلك يعدّ لحمه نجسا يحرّم استغلاله. فالنحر هو قتل وموت سخر للإنسان ليتغذّى ويعيش ويلامس عن قرب وبنفسه تمرّغ الضحيّة في دمائها ف‘‘الصيد والتضحية هما بوضوح نقطة تداخل الحياة والموت'' كما أنّه إذا ماتت بقرة فإنّ مالكيها يحزنون عليها لما تخلفه لديهم من أزمة اقتصادية.
مما يعني وجود استئناس وألفة بين الإنسان والحيوان وبمجرد موته يخلف اللوعة والحزن في القلوب ويمكن أن يعزّى صاحبها ويتضامن معه. أمّا بخصوص علاقة الإنسان بالحيوان فهي علاقة تستدعي منه أن يوظّف الموت حتّى يستطيع الانتفاع به. ولكن يجب إخضاع ذلك إلى ممارسات طقوسيّة فلا يجوز أكله من غير بسملة أو ذكر الله حتّى لا يعتبر حراما. فصيد الحيوانات وقتلها يندرج ضمن بعد رمزي وديني. يمكن أن نشير إلى أن النحر لم يعدّ في المحيط العائلي وإنّما أصبح تتمّ في المسلخ البلدي بعيدا عن الأنظار.
[13] راجع بيار بونت، ميشال إيزار: معجم الأثنولوجيا والانتروبولوجيا ترجمة وأشراف مصباح الصمد المعهد العالي العربي للترجمة الجزائر مجد المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع بيروت صص: 671
[14] راجع المدني (سليمان) : القرابين البشرية دار الأنوار دمشق بيروت 1996 ص : 134 راجع أيضا كتابه أكلة لحوم البشر عن مخطوطة لابن فضلان دار الأنوار دمشق بيروت 1995-1996
[15] المرجع نفسه ص 671 و 672
[16] موران (ادغار): روح الزمان الجزء الأول العصاب ترجمة انطون حمصي منشورات وزارة الثقافة دمشق 1995 ص: 126
[17] نفس المرجع السابق والصفحة
[18] خليل (خليل أحمد): سوسيولوجيا العنف مجلة الفكر المعاصر العدد 27 - 28 خريف 1983 العنف في الثقافة في المجتمع ص : 19
[19] شرابي (هشام): مقدمات لدراسة المجتمع العربي دار الطليعة للطباعة والنشر بيروت الطبعة الرابعة 1991 ص : 56
[20] المرجع نفسه ص : 57
[21] الفصل 13 : ‘‘العقوبة شخصية ولا تكون إلاّ بمقتضى نص قانوني سابق الوضع'' دستور الجمهوريّة التّونسيّة تعليق عبد العزيز الجزيري ومصطفى الوصيف تقديم الهادي بن مراد المطابع الموحدة تونس 2006 ص : 69
[22] ابن خلدون : المقدمة علوم السحر والطلّسمات مرجع سبق ذكره الجزء الثاني 1984 ص: 630
[23] راجع قبسي (حسن): المتن والهامش تمارين على الكتابة الناسوتيّة المركز الثقافي العربي الدار البضاء بيروت الطبعة 1 1997 ص : 11 في الاستماتة كيف نقرأ لمرسيل موس وكذلك نراجع ترجمة: في المفعول الذي تحدثه فكرة الموت لدى الفرد حين توحي بها الجماعة لمرسيل موسّ صص: 323 ـ 339يرى مارسال موس أنّ هناك فعلا أحدثه المستوى الاجتماعي في المستوى الفيزيولوجي بواسطة المستوى النفسي. وهذه العملية تتمّ بطريقة غير واعية، وهي بذلك نابعة عن التنشئة التي يتلقاها الفرد من خلال التربية والعادات والتقاليد. ويظهر ذلك باعتباره إيحاء مستمرا وثابت دون أن تتغيّر الأشكال، ولكن يمكن للنتائج أن تكون مختلفة فسيتدخل الفعل العنيف والإرادة في الموت مع إضافة عنصر التأثير الاجتماعي في الفيزيولوجي يعود إلى سبب نفسي أي أن الشخص يقضي على نفسه بفعل لاشعوري، وهذا العنف يتمثل في الموت المفاجئ فهؤلاء الأفراد يعتقدون أنهم سوف يموتون فيموتون بما فيها في ذلك من إلزام. ولهذا يصبح الموت ليس نتيجة مرض بل له أسباب جماعية معينة. وهذه الحالة تقترن عامة بقطيعة اجتماعية إمّا بالسحر أو بالخطيئة أي تحت تأثير ما هو مقدّس ذو أصل اجتماعي فالفرد يعتقد أنّه سحر أو أخطأ فيموت لهذا السبب يلاحظ مارسال موس في هذا الصدد أنّ هذه الخاصية عرفتها المجتمعات البدائية وقد توصل مرسال موس إلى أن الموت يكون حاصلا عندما يعتقد الأفراد أنّهم هالكون إثر اقترافهم لمحرم (البعد المقدّس الذي لا يمكن لمسه). وهذا الفعل أحدثه المستوى الاجتماعي في المستوى الفيزيائي بواسطة المستوى النفسي وهي عملية غير واعية نابعة من الالتزامات الاجتماعية(التربية-التقاليد). ويندرج ذلك ضمن مقولة ‘‘كلية الظاهرة الاجتماعية''وأيضا انظر الموت بالسحر والتر كانون صص: 340 ـ 351البعض يستند على مرجعيّة دينيّة ليثبت ذلك استنادا على الآية القرآنية ‘‘وأن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون أنّه لمجنون'' وقول الرسول صلى الله عليه وسلم ‘‘استعيذوا بالعين المؤذية فإنّ العين حق'' يمكن مراجعة أيضا الطاهر لبيب: سوسيولوجيا الغزل العربي الشعر العذري نموذجا ترجمة مصطفى المسناوي عيون و دار الطليعة بيروت 1988 خاصة ص : 74
[24] نفس المرجع والصفحة
[25] نفس المرجع ص: 12
[26] ابن خلدون المقدمة مرجع سبق ذكره الجزء 2 ص: 464 هناك ملف صحفي متنوع يتحدّث عن هذه الظاهرة في سنوات الأخيرة انظر الأنوار التونسية سمعتهم يخططون لذبها في جبل وسلات لإخراج كنز الشروق الجمعة 1 أفريل 2008 ص : 18 مصادر تؤكد على وجود جثة الطفلة في منطقة أثرية بعد انتزاع احدى عينيها - الملاحظ 25 جوان 2008 الكنوز المحروسة بالجان: بين الحقيقة والوهم صص 24 - 28 حقائق 16 أكتوبر 2006 مصدّق خطفه ‘‘جن'' و ‘‘رفضه'' الباحثون عن الكنوز صص: 36 - 39 سيدتي يذبحون الأطفال<= لاستخراج الكنوز من تحت الأرض صص 102 - 107 حقائق 16 مارس 2000 اعتداءات جديدة على المواقع والشعوذة احدى الوسائل صص 14 - 15 الصباح الأسبوعي 10 جويلية 2006 هل اختطفت عصابة تستخرج الكنوز الملاك نادية من منزل والديها ص 10
[27]Mantz (JM) :«Douleur et Euthanasie»In Le médecin le patient Masson Paris Milan Barcelone 1994 p : 383 
[28] الدبّاغ (فخري) : الموت اختبارا : دراسة نفسية اجتماعية موسّعة لظاهرة قتل النّفس دار الطليعة للطباعة والنشر-بيروت 1986 ط2ص : 101
[29] Mantz (J. M) op cit p :385
[30] Voir Labidi (Lilia) & Nacef (Taoufik) : Deuil impossible Edition Sahar Tunis 1993 p : 17-23
راجع الإعلان 9-12-1994 نجوى الكنزاري: القتل إشفاقا : هل يحق لنا التخلص من المرضى الذين يعيشون بدون أمل؟ ‘‘في شهر جانفي 1972 اقدمت فتاة تونسية تبلغ من العمر ثماني عشرة سنة تزاول تعليمها بالسنة الثالثة ثانوي بمدرسة حرة على قتل شقيقها الصغير البالغ من العمر أربع سنوات إشفاقا عليه من آلامه وقد قضت محكمة الجنايات بتونس بإدانة المتهمة وبسجنها مدّة خمسة أعوام تطبيقا لأحكام الفصل 205 () في تونس وكما رأينا سبق الحادث النص القانوني مما جعل زمرة من الأساتذة في المجال القانوني (محمد الطريطر ومنيّة طريدات وعبد الرحمان الهيلة) وقد توصل إلى ‘‘أن المشرع التونسي إذا ما فكر في أحداث نص يكون أرفق بالمتهم في حالة قتل الإشفاق فإن ذلك سيكون سابقة خطيرة قد تجر بعض المواطنين غير الواعين بتعمد قتل أبنائهم المعتوهين أو المشلولين أو المتخلفين ذهنيا للاستراحة من عنائهم متقبلين العقوبة الخفيفة التي تعتبر حسب نظرتهم وتقديرهم أحسن طريقة وأخف ضرر من إبقائهم منشغلين بحالة أبنائهم مع ما يؤملونه من تمتعهم بالعفو أثناء مدة العقوبة'' راجع الطريطر (محمد): القتل ‘‘إشفاقا'' مجلة القضاء والتشريع وزارة العدل تونس طبع الشركة التونيسية لفنون الرسم ديسمبر 1973 السنة الخامسة عشرة عدد 10 ص: 27
[31] محجوب (عبد الوهّاب): السّلوك العدواني مرجع سبق ذكره ص: 10
[32] راجع مثلا مجلة حقائق العدد 52 - 24 ديسمبر 2007 براءة عامر تثير جدلية إلغاء عقوبة الإعدام أو بقائها
[33] فماذا نتوقع من طفل لا يرى دماء الأضحيّة أمامه ولم يصادف يوما أن كلّف بذبح ( دجاجة ) وانفصلت هذه الممارسات عن حياته اليوم وأصبح كلّ شئ يأتيه من غير أن يعيش ذلك (فهو يتم بعيدا عن رؤيته في المسالخ).
[34] كما يمكن أن نذكر في هذا الصدد خوف العائلة ورهبتها من مجرد أن يلعب الأطفال ببعض الوسائل الحادة ويتجلى ذلك في تعبيرهم ‘‘الحديد زيد'' ‘‘ماتلعبش بالسكين'' ‘‘اللعب موش بالسكين‘‘ كما أن مجرد استعمال المقص في الفراغ عادة غير محبذة فهي توحي بوقوع مكروه أو شجار عنيف نهايته القتل'' فهذه آليات دفاعيّة لتنشئة الفرد على استبطان اللاعنف والأمثلة عديدة ‘‘الي يلعب بالسم يموت به'' ‘‘خليني نرجع على روحي خير'' وعلى العكس من ذلك نجد اليوم في الصفحات الأولى من الجرائد والمجلات أن السكين أصبح رمزا للسلاح الأبيض وللقتل ويقدّم المجرم على أساس أنّه بطل. أو من خلال العبارات المنتشرة ‘‘خليني انفش فيه غيضي''‘‘خليني فش غيضي في ولادي أو كلبي أو أثاث المنزل'' المثير للتساؤل ما عرّف تاريخيّا في مصر أن أهالي النيل كانوا في كلّ سنة يلقون طفلة في نهر وقربان للحمايّة من هيجانه. ونظرا أنا نفسي عاينت في كلّ صيف تقريبا غرق أطفال صغار في السدود أو الوديان وخاصة قناة مجردة نتيجة عدم إحساسهم بالخطر فالأكيد أنّ هؤلاء الأطفال لو شاهدوا طفلا يغرق ويموت لضحينا بواحد عوضا أن نضحي بالكثير ويمكن أن نقترح على متساكني هذه المجاري الخطيرة إقامة احتفال نجسد فيه طفلا يلقى في النهر ثمّ نتابع ماذا يحصل حتّى نعلّم الأطفال خطورة العنف الذي يمكن أن يسببه لنفسه والموضوع في حاجة إلى التأملّ والتفكير لأنّ الفعل البشري عامة منذ نشأته كان يستند على رمزيّة فاعلة غايتها تمكين الإنسان من الحياة. كان مجرد لجوء القاتل إلى زاوية وليّ صالح حتّى يتم بالحصانة ذلك أن هذا المكان يرمز إلى اللاعنف بما في ذلك من قوّة رادعة للفعل البشري العنيف[35] الوردي (علي): منطق ابن خلدون في ضوء حضارته وشخصيته الشركة التونسية للتوزيع 1988 ص: 291
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad