مجموعة اليسر للتدريب والاستشارات تأمل من زوارها الكرام المشاركة في الاستطلاعات التي تجريها بفعالية نظرا لفائدتها العالية
مجموعة اليسر للتدريب والاستشارات هي شركة تضامن لبنانية مسجلة تحت الرقم 489 تتنشط في مجال الدورات التدريبية والمؤتمرات العلمية والتربوية والاجتماعية والادارية والثقافية والتنمية والارشاد الاسري والاجتماعي ، واصدار المنشورات المتخصصة ، وتقديم الاستشارات في المجالات المذكورة وتوقيع الاتفاقيات مع الجامعات والمؤسسات والشركات الوطنية والعالمية على انواعها والقيام بالاستطلاعات والابحاث العلمية والدراسات المتخصصة في لبنان والخارج - نتمنى لكم زيارة ممتعة
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقافة وفكر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ثقافة وفكر. إظهار كافة الرسائل

09‏/12‏/2010

أزمة التنظيم الدولي


التنظيم الدولي يمّر- حالياً - بأزمة كبيرة تهدد كيانه ، وتوشك أن تقضي عليه كما فعلت به من قبل ، وذلك في فترة ما بين الحربين العالميتين عندما أودت هذه الأزمة بعصبة الأمم ، وقد ازدادت حدة هذه الأزمة بعد انهيار نظام القطبين عام 1989، بانهيار الاتحاد السوفييتي .إن جذور هذه الأمة تمتد إلى فترة ظهور المجتمع الدولي لأول مرة في القرن السابع عشر ، وعظمت أهميتها بتطور هذا المجتمع ، وتعقد العلاقات الدولية . ما هو التنظيم الدولي ؟ وكيف تأسس ؟ وما عناصر هذه الأمة؟ وملامحها ؟ وما سبل علاجها ؟يقصد بالتنظيم الدولي مجموعة المؤسسات ، والمنظمات الدولية ، والقواعد الأساسية التي تدير ، وتنظم علاقات أعضاء المجتمع الدولي .
1- نشأة وتكوين التنظيم الدولي ( الأزمة التاريخية ) إن أساس نشأة التنظيم الدولي ترجع إلى تشابك علاقات المجتمع الدولي الحديث الذي نشأ على أثر الهدنة التي وقعتها الإمارات الأوروبية المتحاربة التي أنهكتها ويلات الحروب طويلاً ، ولقد تجسّد هذا السلام في توقيع اتفاقيات "وستفالسا" سنة 1648التي بموجبها تمّ الإعلان عن قيام الدول ذات السيادة التي تعتبر الحجر الأساس في قيام المجتمع الدولي الحديث ، وقد نصّت هذه الاتفاقيات على إقامة نظام يقوم على التوازن بين هذه الدول يضمن هذا السلام الجديد ، كما تم تقنين بعض العلاقات القائمة بين هذه الدول ، إذاً فالنواة الأولى لهذا التنظيم هو الدولة السيدة ، وميكنته هو التوازن بين هذه الدول المتساوية بفعل السيادة . دعم هذا الوفاق الأوروبي بتوقيع اتفاقية (فينا) لسنة 1815التي أقامت نظاماً يقوم على توازن القوى بين خمس دول أوروبية كبرى ، فأبقت على أوروبا موحدة وخالية نسبياً من الحروب ، وحصرت النظام الدولي في أوروبا ، فكان القانون الدولي أوروبياً ، والتنظيم الدولي -أيضاً -أوروبياً .
اتضحت أهداف هذا التنظيم جليةً عند إعلان الدول الأوروبية مجتمعة في مؤتمر الوفاق في (فينا ) سنة 1815مسيحي ، حيث أعلنوا الحلف المقدس قاصدين إيقاف المدّ الإسلامي المتمثل في الدولة العثمانية ، والدول العربية القوية في البحر المتوسط ، فانطلقت الأساطيل الأوروبية للالتفاف على القوة الاسلامية من الجنوب والشمال والشرق والغرب ، فتكون التنظيم الدولي على أساس السيطرة والاستعمار والعنصرية ، فلم يتم الاعتراف بالدولة العثمانية ، والدول الآسيوية إلا في نهاية القرن التاسع عشر . نظراً لصحوة الشعوب في أمريكا اللاتينية ، وشرق أوروبا ، وبعض مناطق آسيا ، وظهور كيان الدولة الأمة على إثر هذه الصحوة ، فإن هذا التنظيم بدأ يتوسع، ليشمل دولاً جديدة فظهرت منظمات حكومية لتنظيم العلاقات التي قامت بين هذه الدول، ولكن بسبب التزايد في أعضاء المجتمع الدولي ، وتشابك المصالح بين هذه الدول ، وبفعل التسابق حول المستعمرات ، فقد حدث اختلال في ميزان القوى بين الدول المستعمرة ما أدى إلى قيام الحرب العالمية الأولى التي أدخلت التنظيم الدولي في عصر جديد حاملاً معه تأزمه الممقوت .بإنتهاء الحرب العالمية الأولى أدركت الدول العظمى خطورة الموقف ، وحاولت تجاوز الأزمة ، وذلك بإنشاء منظمة دولية هي "عصبة الأمم" ، تعمل على حفظ السلم والأمن الدوليين ، وتصون مصالح الدول العظمى ، وهي وإن كانت محدودة النطاق ،فإنها أدخلت في عضويتها دولاً عدة من القارات الأخرى ، ووضع لضمان عملها آلية تضمن الأمن الدولي وهو "مجلس العصبة" الذي أوكلت إليه مهمة حماية الأمن عن طريق تطبيق نظام الأمن الاجتماعي ، وقد فشلت هذه المنظمة في إقرار الأمن والسلم الدوليين ، وذلك لأنها قامت- أصلا-ً على حماية المصالح الأساسية للدول الكبرى ، وتكريس عدم المساواة بين الدول ، وإضفاء الشرعية على الاستعمار والتوسع ، لقد كان تطور التنظيم الدولي واسعاً من الناحية الشكلية ، ولكن من الناحية المعيارية والموضوعية ضيقاً ومركزياً .
وبهذه المفارقات التي أدت إلى زعزعة الاستقرار والأمن انهار التنظيم الدولي من جديد، ودخل العالم في حرب عالمية جديدة أشعلت فتيلها القوى العظمى راعية الأمن والسلم الدوليين . أدت الحرب العالمية الثانية إلى سيطرة مجموعة من القوى العظمى مجدداً على الوضع الدولي ، فأنشأت الدول المنتصرة "الأمم المتحدة" على حساب الدول المهزومة ، وفي هذه المرحلة بدأ التنظيم الدولي يأخذ شكله النهائي، فتأسست كثير من المنظمات التخصصية التابعة لهذه المنظمة ومنظمات أخرى إقليمية وهدفها تطوير سبل التعاون الاقتصادي والاجتماعي والثقافي ، وتفعيلها والحفاظ على الزمن والسلم الدوليين . بفعل القانون الموروث والمتأزم تاريخياً من أساسه الذي يحكم هذا التنظيم الدولي فقد دبَّ الخلاف بين الدول المنتصرة فانقسم الشمال أيديولوجيا وسياسيا إلى معسكرين ، فنشأ نظام التوارن بين القطبين . ظهرت الحرب الباردة التي منعت من اصطدام القطبين ، فأوجد هذا النظام مناطق نفوذ ، ومناطق صراع مّا أدى إلى شلَّ حركة الأمم المتحدة ، ومنعهامن تحقيق العدالة والشرعية الد ولية في الكثير من القضايا المطروحة ، وأبرزها قضية الشعب العربي الفلسطيني ، وفي هذه الفترة وإن كانت الأمم المتحدة قد ساعدت على تحقيق إستقرار نسبي في العلاقات الدولية ، وساعدت على إشراك عدد كبير من الدول في صياغة القواعد الدولية وغر بلتها من شوائب القواعد القانونية التي وضعها الاستعمار ، فإن تطبيق هذه القواعد بواسطة هذه المنظمة وغيرها كان نسبيّاً إلى حد بعيد . ما زاد الطين بلّة هو انهيار نظام القطبين ، ودخول العالم في وضع جديد تتسم ملامحه بالهيمنة والسيطرة من دولة كبيرة ، هي الولايات المتحدة الأمريكية التي باتت تضرب بالشرعية الدولية عرض الحائط ، وتضع التنظيم الدولي أمام أزمة ادة لايعرف كيف يخرج منها ، وهذه الأزمة تتمثل في هيمنة الولايات المتحدة الأمريكية على الأمم المتحدة وجعلها أداة طيعة في يدها لتحقيق مصالحها السياسية ، الاقتصادية والإستراتيجية .
إن أسباب هذه الأزمة التي يعيشها التنظيم الدولي- اليوم- ، وعاشها من قبل ليست بالجديدة ، لأن أصولها ترجع إلى بداية نشأة هذه التنظيم ، وذلك في مرحلة القانون الد ولي الاستعماري الذي طبعه بقواعد اللامشروعية ،وهي التي تتكرر- اليوم - من جديد متمثلة في الآتي :-
02تنظيم متناقض مع طبيعة أعضائه ( الأزمة العضوية ) 
إن المجتمع الدولي هو مجتمع إرادي ، والقانون الذي يحكمه هو قانون تنسيق ، فالعلاقات التي تتم بين أعضائه هي علاقات تعاون ، والقواعد الدولية التي تنشأ هي قواعد تعبر على الإرادة الحرة التي تنبع من السيادة، فالقاعدة الدولية من نشوئها مروراً بتطبيقها إلى تفسيرها إلى إنهائهار هي قاعدة إرادية . عكس ما هو عليه الحال بالنسبة للقانون الداخلي الذي هو قانون خضوع في أغلب مراحله . فلا يملك المواطن السلطة في مناقشة تطبيقة عليه بل إنه في كثير من الدول المواطن لا يشارك في وضع القانون . طبيعة القانون الدولي تفترض أن يكون تنظيمه الدولي منسجماً مع طبيعة أعضائه . إلا أن الأمر غير ذلك، فالقرار في هذا التنظيم احتكرته بعض الدول الكبرى ، ومؤسساته تدار على أساس الهيمنة والتمييز . احتكارحقّ النقض في مجلس الأمن - مثلاً - والعلاقات والخلافات بين أعضائه تدار عن طريق القوة والخضوع . والقواعد التي تنظمه تفرض على الدول . نحن إذا أمام قانون خضوع وليس قانون تنسيق ، وأمام تنظيم فوقي وليس إراديا . ومن هنا أتت أزمة التنظيم الدولي الرئيسة التي انعكست على مؤسساته الهيكلية والقانونية .
3 - تنظيم يحكم علاقته وتفاعلاته قانون غير عادل الأزمة المعيارية ).
عرفنا من خلال عرضنا لتطور النظام الدولي من أنه نشأ، لكي يجنب القارّة الأوروبية ويلات الحروب التي عانت منها الكثير، وقد وضع هذا النظام من أجل تحقيق الاستقرار للدول الأوروبية ، ونقل الحرب خارج أراضيها ، فأباحت الاستعمار بقوانين واتفاقيات استعمارية .
عكس هذا التنظيم قواعد العرف الدولي التي تجسد مصالح الدول الغربية وأهدافها ثم أضفت عليه الشرعية الد ولية فيما بعد بتوسيع دائرة المجتمع الدولي ، وذلك بانضمام دول عديدة من القارات الأخرى المستقلة حديثاً إلى هذا التنظيم .
وجدت هذه الدول الحديثة نفسها أمام تنظيم يكرس اللامساواة والاستغلال والاستبداد في تطبيق القانون الدولي ، فنادت بالثورة على هذه القواعد، وهذا التنظيم .
نظراً لسيطرة الدول الكبرى على مؤسسات هذا النظام فإن هذه الدول ، وإن كانت قد حقّقت نجاحات لا باس بها فإن شبح اللامساواة واللامشروعية لقواعد هذا التنظيم مازال ماثلا.
4 - تنظيم يحكمه توازن مصالح الدول القوية والمستعمرة كان بالأحرى لإيجاد أي توازن ، إن كان ضروريا أن يضم مجلس الأمن سواء في عصبةالأمم أو في إطار الأمم المتحدة دولاً من جميع القارات ، لكي لا يحدث خلل في حماية مصالح المجتمع الدولي . أو أن تكون قضايا الأمن الجماعي، وقضايا السلم والعدالة هي من اختصاص الجمعية العامة ،لا من اختصاص مجلس أمن هذه المنظمة إن فكرة الأمن الجماعي القائمة على نظام التوازن في السابق أو على حقّ النقض حاليّاً هي آلية غير عادلة ، ذلك أن الذي يؤخذ في الاعتبار- دائماً - هو مصالح الدول الكبرى . ساعد وجود توازن القطبين على استقرار نسبي في المجتمع الدولي، وعلى تطبيق نسبي للقانون الدولي ولكن بصورة غير متكافئة .هذا واضح في معالجة القضية الفلسطينية التي انحازت فيها أمريكيا - صاحبة حق النقض - بالكامل إلى (إسرائيل) على الرغم من اللامشروعية التي يمثلها هذا الكيان ... ما يدل على أن نظام الأمن الجماعي المقرر في وثيقة الأمم المتحدة هو نظام غير فاعل وغير شرعي ، إنه عندما انهار نظام القطبين ، أصبح الأمن الجماعي والشرعية الدولية في وضع غير قانوني وغير منسجم مع أهداف التنظيم الدولي ، فسيطرت أكبر الدول العظمى على النظام واستخدمته منفردة . ظهر هذا واضحا في معالجة مجلس الأمن لقضية لوكوربي)، وقضية العراق، وقضية محاربة الإرهاب .
فيما يتعلق بقضية لوكوربي ) ، لقد برهنت الإجراءات التي قامت بها الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ضدّ الجماهيرية على استخدام المنظمة الدولية في تفسير القانون الدولي بما يتوافق ومصالحها . فقد تمّ تسييس القضية التي هي في الأصل قضية قانونية بحتة، واستخدام مجلس الأمن وحق النقض كأداةٍ لتحقيق سياسات هاتين الدولتين وأهدافهما أما فيما يتعلق بقضية العراق ، فإن الأمر كان أ كثر خطورة فعندما تصادمت مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا مع نظام الأمن الجماعي ، ومع الشرعية الدولية ومع المجتمع الدولي ، ذهبت إلى الحرب متحدية إرادة الأمم المتحدة والقانون الدولي 
أما فيما يتعلق بقضية الإرهاب فقد استخدمت الأمم المتحدة أداة لتحقيق مآرب أمريكا الاستراتيجية في المنطقة العربية ومنطقة الشرق الأوسط، ووظفت كل الآليات القانونية من خلال هذه المنظمة للسيطرة على العالم . لقد صار التنظيم الدولي تحت وطأة الضغوط الاقتصادية والسياسية التي تمارسها أمريكا بشركاتها المتعددة الجنسية وبأحلافها العسكرية وأساطيلها البحرية .
بالإضافة إلى تأزمة سياسياً ، فقد تأزم هذا التنظيم هيكياً ووظيفياً ، وتمثّل هذا التأزم في غياب الديمقراطية عن هذا التنظيم الذي أصبحت هيئاته يديرها من البيت الأبيض، وبواسطة الشركات الأمريكية العالمية وجماعات الضغط الصهيونية .
5 - تنظيم يُفتقر إلى الديمقراطية 
إن ديمقرطة التنظيم الدولي قد أعلن صراحة في ميثاق الأمم المتحدة، وفي إعلاناتها المتعددة، حيث أكدت على الديمقراطية، وحماية الحريات العامة، والمشاركة والمساواة بين الشعوب . إن هذا التوجه لم يجد من هذه المنظمة ، أو من المنظمات التابعة لها ، أو المنظمات الاقتصادية الأخرى أيّ تطبيق . ذلك أن هذه المنظمة قد تبنت في ميثاقها ، وفي تطبيقاتها نظام التصويت غير المتكافئ .مجلس الأمن يعمل بآلية حق النقض الذي يعطي سلطة القرار للدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن ، ولا يشرك بقية دول العالم من أجل حقهم في إصدار قرارات تتعلق بمستقبل البشرية وأمنها واستقرارها ،أضف إلى ذلك ، فإن الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تضم جميع أعضاء المجتمع الدولي قد سلبت منها سلطات كثيرة ، ولم يخول لها إلا إصدار توصيات غير ملزمة . كما أن طريقة التصويت تعتمد نظام الأغلبية في اتخاذ القرارات من أجل المسائل المهمة ، بالإضافة إلى ذلك فإن المنظمات الاقتصادية الدولية ،مثل: منظمة صندوق النقد الدولي المصرف الدولي للإنشاء والتعمير، ومنظمة صندوق التنمية الزراعية الدولي قد اعتمدت في آلية صناعة القرار نظام التصويت غير المتوازن الذي يخضع عدد الأصوات الممنوحة للدولة إلى عدد الأسهم والإمكانيات الاقتصادية التي تملكها،كما أن عدد الأعضاء في المجلس التنفيذي ، أو الجمعية العمومية للمنظمة يخضع هو نفسه إلى ما تملكه الدولة من أنصبة مالية في صندوق المنظمة . إن الديمقراطية التي تُسيَّر النظام الدولي هي الديمقراطية النيابية التي لا تسمح للجماهير أن تشارك في صنع القرار الدولي عن طريق من تختارهم مباشرة أو من يكتسبون الشرعية الديموقراطية،وقد ظهر هذا واضحاً في منظمة العمل الدولي التي تعتمد نظام التمثيل النيابي من أرباب عمل وممثلي ، حكومات، وممثلي النقابات ،، والكفة الراجحة دائماً هي في صالح أرباب العمل وممثلي الحكومات الذين يمثلون تكتلا ضد النقابات . إن غياب الديمقراطية الحقيقية عن التنظيم الدولي جعل الدول العظمى تقرر نيابة عن غالبية الدول ما يزيد في تأزم التنظيم الدولي وعدم فاعليتة ، وتحقيق برامج التنمية والعدالة والأمن والسلام . إن تأزم التنظيم الدولي قد سبب للبشرية كوارث كبيرة ،وساهم في زيادة الفرقة بين الشعوب بدل أن يقرب يوم الخلاص للشعوب من ويلات الحروب والفقر والتخلف ، لذا فقد قامت عدة محاولات لإصلاح هذا التنظيم التي كان من بينها محاولات الجماهيرية العظمى وجهودها في إصلاح الأمم المتحدة .رؤية الجماهيرية العظمى ودورها في إصلاح الأمم المتحدة. منذ قيامها نبهت ثورة الفاتح رؤية الجماهيرية العظمى ، ودورها في إصلاح الأمم المتحدةإلى ما هو عليه الأمم المتحدة من حالة الّلاشرعية والّلامساواة بين الدول ، فطالبت بتعديل ميثاق الأمم المتحدة بما يتناسب مع العدالة والمساوة بين الدول .تركزت هذه المطالبة في ضرورة إحدات تغييرات في عمل نظام الأمم المتحدة ، وذلك بإلغاء حق النقض ، وبتعديل دور الجمعية العامة للأمم المتحدة بإعطاء قراراتها طبيعة قانونية ملزمة .هذه المطالب بدأت منذ قيام ثورة الفاتح من سبتمبر، فنجدها على سبيل المثال في الرسالة التي بعث الأخ قائد الثورة بها سنة 1975 إلى رؤساء الدول أعضاء منظمة الأمم المتحدة بمناسبة إصدار الجمعية العامة قرار إدانة الصهيونية واعتبارها ظاهرة عنصرية .في كلمته ، في الدورة التاسعة لقمة عدم الانحياز المنعقدة في 05/09/1989مسيحي أكّد القائد قائلاً :-
( إن حق النقض أصبح شرّاً وليس خيراً وبدلا من أن يقوي مجلس الأمن الأمم المتحدة بدأ يضعف مجلس الأمن الأمم المتحدة ويتحول العالم كله إلى رأي دولة واحدة، وموقف دولة واحد صاحبة حق النقض، إذا ليس أمامنا إلا تعديل حق النقض ، يمكن أن تتمتع 15 دولة من أعضاء مجلس الأمن كلها بحق النفض ، وهذا لا يمس الخمس الكبار في مجلس الأمن ، الخمس الكبار يستمرون في التمتع بالعضوية الدائمة ، وبحق النقض ، ولكن إلى جانبهم عشرة دول تتمتع بهذا الحق لمدة سنتين وهذا يعطي فرصة لكل دول العالم أن تتمتع بهذا الحق لمدة سنتين ، وإن كل دول العالم ستمر على عضوية مجلس الأمن ثم لا بد من من إعطاء السلطة العليا حسب ميثاق الأمم المتحدة للجمعية العامة عندما يصبح استخدام أو عندما يصبح موقف مجلس الأمن مضراً بالسلام الدولي، عندئذ يجب أن تتدخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، ويجب أن تكون هي السلطة العليا وليس مجلس الأمن).
يستمر القائد قائلاً :
( لقد قدم وفد الجماهيرية في قمة عدم الانحياز الخامسة عام 1986 في مدينة (كولومبو) مشروع قرار يتعلق بحق النقض ، وصدر عن المؤتمر قرار احتوت ديباجته التأكيد على دعم ميثاق الأمم المتحدة ، والإعلان العالمي للحقوق الإنسان ، وإبداء حقّ تقرير المصير، إن المعطيات الراهنة تستوجب إعادة النظر في ميثاق الأمم المتحدة وإن مسؤولية السلم والأمن الدوليين تقع على جميع الأعضاء بالأمم المتحدة الجمعية العامة اعترفت بأن حق النقض عطل الأمم المتحدة كما أن حركة عدم الانحياز اعترفت في( كولومبو) بأن استعمال حق النقض عطّل استقلال الشعوب ، يعني أن كل المجموعة الدولية قرّرت هذا ، وبالتالي فإنه من الناحية القانونية الدولية الشرعية سقط حق النقض، ومنذ ذلك الوقت أصبح غير شرعي ، لأن القانون الدولي ما تصنعه شعوب الأرض ، وهذا هو القانون المقدس ). يستطرد القائد : ( إن محكمة العدل الدولية تحكم لمصلحة (نيكاراغوا)، ثم ترفض أميريكا الحكم ، معنى هذا أن المحكمة الدولية معطلة . يجب أن يعود إلى المحكمة - مجلس الأمن - الجمعية العامة والقانون الدولي والعرف الدولي اعتبارهم ، وذلك برفع الهيمنة والطغيان ، وأن تتساوى كل الأمم كبيرهم وصغيرها في الحقـــوق ). في هذا الإطار أصدرت المؤتمرات الشعبية مجموعة من القرارات تؤكد فيها على هذه القواعد الجديدة التي طالبت بها الجماهيرية ، وتوجهت إلى الأمم المتحدة تطالبها بضرورة اعتماد هذه التوجهات .
في دورة انعقادها لسنة 1982ف ، أوصت المؤتمرات الشعبية بأن تقوم الدول العربية والإفريقية ودول عدم الإنحياز بالعمل معاً من أجل إقناع الدول الأخرى المطالبة بتعديل الميثاق . تنفيذاً لذلك بعثت اللجنة الشعبية للاتصال الخارج والتعاون الدولي بالجماهيرية رسالة إلى مجلس الأمن ييطالبها فيها بتعديل الميثاق ، وبإصلاح نظام الأمم المتحدة ، وذلك لأن مساهمة كل الشعوب في المحافظة على السلم والأمن الدوليين لاتتأتى إلا في إعطاء الجمعية العامة صلاحيات واسعة من أجل حماية الأمن والسلم الدوليين . تقدمت الجماهيرية -أيضاً- بمشروع قرار إلى مجلس الأمن يتضمن نقاطاً عملية لتحقيق المساواة بين الدول، وذلك كالآتي :ـ
1.يجب ألاَّ يلجأ إلى نظام الاجتماع في التصويب في حالة إصدار قرارات تتعلق بحق المصير، ويمنع الممارسات العنصرية والعدوان . 
2.تحقيق الأمن الدولي هو مسؤولية جماعية ، وتهم كل أعضاء المجتمع الدولي تحت إطار الديمقراطية والمساواة .
3. ضرورة إعطاء قرارات الجمعية العامة صفة إلزامية . 
كل هذه الجهود التي قامت بها الجماهيرية من أجل إصلاح الأمم المتحدة ، وتغيير هيكلية التنظيم الدولي أعطت ثمارها، وذلك أن هذه الحلول التي طرحتها الجماهيرية قد وجدت صداها في المحافل الدولية ، ووعت كل الدول أزمة التنظيم الدولي المتمثلة في الهيمنة والّلامساواة واللامشروعية ، وطالبت هذه الدول بتعديل الميثاق 
جاء ذلك في البلاغات البيانات المشتركة التي وقعتها الجماهيرية مع كثير من الدول، واعتمدت الجماهيرية كثيراً من المنظمات والتجمعات الإقليمية والدولية في قراراتها وتواصياتها مطالب الجماهيرية في هذا المجال . 
على سبيل المثال ، لقد نجحت الجماهيرية في إقناع منظمة الوحدة الإفريقية بأن تتبنى هذه المطالب فأصدرت قرارها في الدورة السابعة والعشرين لسنة 1986مسيحي مطالبة الأمم المتحدة بضرورة إلغاء حق النقض، كذلك هو ماأكد عليه قرار منظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثامنة لسنة 1977مسيحي ، المنعقدة في الجماهيرية . وبدورها قامت منظمة عدم الانحياز بإصدار قرار في مؤتمرها الخامس و السادس يؤيد موقف الجماهيرية بضرورة إصلاح الأمم المتحدة . 
أضف إلى ذلك ، فحتى على صعيد جمعية مجلس الأمن والجمعية العامة فإن بعض الدول قد تقدمت باقتراح يتعلق بتوسيع دائرة حق النقض بإدخال ألمانيا والبرازيل ونيجيريا والهند إلى جانب الدول الخمس التي لها حق النقض وذلك حتى تستطيع كل قارة أن تساهم في وضع القرار الدولي . 
د. عبدالسلام الطيف


إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

إخفاقات النظـــام الـــدولي حــــالة مجـلس الأمـن الدولي



إن تدخل مجلس الأمن في حالة عدم توصل الأطراف إلى حل ، أو في حالة اتفاق الطرفين إلى رفع النزاع أمام مجلس الأمن أو رفعه من قبل طرف واحد أو من قبل دولة أخرى أو هيئة من هيئات الأمم المتحدة « الأمين العام » م «38+37» إن تدخله لايترتب عليه إلا إصدار توصية غير ملزمة للأطراف ، ومع ذلك يستطيع المجلس أن يصدرقراراً ملزماً« أي أنه مخير في ذلك» حسبما يراه مناسباً ، هذا التخيير مكن مجلس الأمن من أن يقيم سياسته على ازدواجية المعايير ، فإذ رأى أن الأمر يهدد مصالح الدول العظمى أو حلفاءها فإنه يلجأ إلى اتخاذ قرار ملزم ، أما إذا رأى غير ذلك فإنه يتخذ توصية ، إن المجلس بفعل الميثاق وبفعل السلطات الواسعة وغير المحددة وبفعل المصالح الأنانية كثيراً ما يلجأ إلى استغلال هذه الثغرات (13) ، هكذا انعكس على طبيعة القرارات التي يتخذها المجلس وإمكانية تفسيره لهذه القرارات ، فليس في الميثاق ما يحدد ما إذا كانت هذه القرارات هي القرارات التي تنتمي إلى الفصل السادس أو إلى الفصل السابع ، هذا الغموض يجعل شرعية هذه القرارات أمرا مطعوناً فيه ..
وهذه اللامشروعية تطال أيضاً القرارات الصادرة في إطار الفصل السابع (14)
الأمر الرابع : إن المجلس سلب من الجمعية العامة اختصاصها في حل النزاعات ودورها في حفظ السلام ، وهو ما سنبينه عند التعرض إلى دور الجمعية العامة (15):
الأمر الخامس إنه رغم كل ما ذكر في الميثاق من جعل عملية تسوية المنازعات عملية ثانوية وليست أساسية فإن المجلس لم يتقيد في تطبيقاته بكل هذه القواعد ، فمثلا فيما يتعلق باختيار الدول للطرق المناسبة لحل النزاع ، فإن المجلس قد أصدر عدداً من القرارات يلزم فيها الدول المتنازعة باللجوء إلى وسيلة معينة يحددها هو .
مثلاً في النزاع الأندونيسي الهولندي فإنه دعا الطرفين إلى قبول الوساطة ، أما في النزاع الألباني البريطاني فقد دعا المجلس الطرفين إلى رفع النزاع أمام محكمة العدل الدولية ، إنه بهذا يطبق المادة 36 ف « بدلاً من المادة 33». كذلك نلاحظ أن المجلس أصدر قرارات ملزمة تندرج في الفصل السادس مثل قراره رقم 1946/15 الخاص بإنشاء لجنة تحقيق لفحص النزاع في الحدود اليونانية ، كذلك إنشاء لجنة تحقيق بخصوص أحداث خليج (كورفو) قرار رقم "1949/19" هذه القرارات تم فيها استخدام حق الاعتراض مما حولها إلى قرارات ملزمة عكس ما عليه القرارات الأخرى ، فهي مجرد مسائل إجرائية تتخذ بالأغلبية ولا ترقى إلى أن تكون قرارات ملزمة. السؤال المطروح : هو لماذا جعل الميثاق سلطة تدخل مجلس الأمن في تسوية المنازعات بالطرق السلمية سلطة اختيارية ؟
هل بسبب تعزيز مبدأ سيادة الدول في حل المنازعات أم أن الدور الرئيس للمجلس هو التدخل القوي في حالة حفظ الأمن والسلم الدوليين ؟
في الحقيقة إن المجلس عد نفسه كسلطة قمعية وليس سلطة وقائية . الميثاق يؤكد على أن دور المنظمة الأساسى هو منع انفراط الأمن والسلم الدوليين ، ومنع كل ما من شأنه أن يؤدي إلى توتر العلاقات الدولية سواء في إطار الحرب أو في إطار السلم ، لكن المجلس وواضعي الميثاق اصروا على الصفة القمعية للمجلس ، وهو ما أكده الفصل السابع من الميثاق وما أكدته تطبيقات المجلس لهذا الميثاق ..
الإخفاق الثالث .. مشكلة الرقابة إن عملية مراقبة شرعية قرارات مجلس الأمن تكمن في الطبيعة الخاصة للرقابة في إطار التنظيم الدولي .
في الحقيقة إنه في إطار التنظيم الدولي هناك ما يسمى بالرقابة الذاتية ، إنها تختلف عن الرقابة في القانون الداخلي باعتبار أن المجتمع الدولي هو مجتمع تنسيق ، وقانونه قانون تنسيق فإن وجود جهة رقابية عليا هو من الأمر شبه المستحيل ، إنه لايمكن أن تمارس جهة ما على الدول رقابة على الالتزام بقواعد القانون الدولي إلا إذا قبلت هذه الدولة ذلك وتم إنشاء نظام يقوم على الاندماج ، وهنا فإن الأمم المتحدة وحتى وإن كان الفصل السابع يلزم الدول بالخضوع لقرارات مجلس الأمن فإن للدولة حق الاعتراض لأن المنظمة هي منظمة تعاون وليست منظمة اندماج. في منظمات الاندماج القرارات والقواعد والاتفاقيات مطبقة مباشرة في القانون الداخلي وذلك لسببين :
1- إن الدول اتجهت ارادتها للالتزام بذلك. 
2- إن الدول أحالت تغيير نظامها الأساسي إلى جهة تعتبر قراراتها ملزمة ومطبقة مباشرة.
في نظام ميثاق الأمم المتحدة الدول التزمت فقط في إطار الرقابة الوظيفية ، أما الرقابة التنازعية فإن الدول لها الإرادة في أن تقوم بتفسير الميثاق والقرارات حسب سلطاتها ، السبب أن الميثاق جاء خالياً من إعطاء حق تفسير الميثاق والقرارات إلى أية جهة بحيث يكون تفسيرها ملزماً ، وبموجب القانون الدولي وقانون المعاهدات فإن الدول الأطراف في المعاهدة تحتفظ بحقها في تفسير الاتفاقية وما ينتج عن تطبيق هذه الاتفاقية ، حتى تفسير محكمة العدل الدولية لا يكون ملزماً إلا إذا قبلت الدولة الولاية الجبرية للمحكمة والمادة 95 تؤكد ذلك ، إذن هنا تكمن المشكلة. 
ما يقوم به مجلس الأمن ليس تفسيراً للميثاق ، إنما هو تكييف للأوضاع « بمعنى أنه يمارس اختصاصاته» أما إذا كان هناك نزاع لأحد الأعضاء الخمسة مع دولة فإنما يصدر هو تفسير وليس تكييفا ، وهناك فرق بين التفسير والتكييف ، لقد خالف المجلس هذه القاعدة وهي قاعدة تساهم في تأزم التنظيم الدولي والتي تنبع من طبيعته ، إذن لا يمكن أن يكون هناك ضبط لشرعية قرارات مجلس الأمن إلا بتغيير الطبيعة الهيكلية للتنظيم الدولي .
أنواع الرقابة:-
رقابة يقوم بها مجلس الأمن على التزامات الدول الأعضاء وهي رقابة متأزمة.
ـ رقابة في إطار العلاقة بين أجهزة المنظمة ، هناك رقابة سابقة على أعمال المجلس تتمثل في التزامه بمجموعة من القواعد الموضوعية والإجرائية التي نص عليها الميثاق . لاتوجد رقابة سابقة تمارس من قبل الجمعية أو المحكمة ، هناك رقابة لاحقة تمارسها محكمة العدل الدولية،
أمثلة : 
ـ قضية مصروفات المنظمة والمتعلقة بقضية قوات حفظ السلام ، أكدت المحكمة في رأيها الاستشاري أن قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة في الشرق الأوسط لا تعد من قبيل الأعمال القمعية التي يخص الميثاق مجلس الأمن بسلطة تقريرها ، ويضيف هذا الرأي الاستشاري بأن لو كان لهذه القوات هذا الوصف « أي عمل قمعي» لتعين اعتبار قرارات الجمعية العامة الصادرة بشأن تشكيل هذه القوات قرارات غير مشروعة « الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية ، مجموعة أحكام المحكمة 1962، ص171. كذلك هو الحال بالنسبة لرأيها الاستشاري الخاص بقبول عضو جديد في المنظمة ، أكدت المحكمة ضرورة صدور توصية من مجلس الأمن لكي يصبح قرار الجمعية العامة في هذا المجال مشروعاً ، كما تتطلب المادة «2ر 4من الميثاق » إذن هناك رقابة لاحقة من المحكمة على أجهزة المنظمة 
الإخفاق الرابع : الامتيازات المتعددة 
لقد وضع الميثاق بطريقة تجعل مجلس الأمن الهيئة الأقوى والأكثر سيطرة على المنظمة رغم عدم وجود تبعية للهيئات لهذا المجلس ، إن هذه الهيمنة أكدها العدد الكثير من الامتيازات الممنوحة للمجلس ولأعضائه الدائمين .
الأمتياز الأول : العضوية الدائمة
إن أهم الامتيازات الممنوحة لأعضاء المجلس هي بالطبع العضوية الدائمة المحددة لبعض الدول المذكورة بالاسم .
إن معيار العضوية الدائمة في المجلس ليس معياراً موضوعياً وإنما هو معيار شخصي فالعضوية الدائمة مكفولة للدول التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية ، رغم ذلك فإن قوة بعض هذه الدول مثل فرنسا والصين أقل من قوة دول ليست لها حق العضوية الدائمة كالمانيا وايطاليا والبرازيل وإسبانيا .
إن معيار القوة لم يحدد في الميثاق ، إذن كيف تم تحديد ذلك ؟ هل هو معيار القوة النووية ؟، إن هذا لم يطبق بخصوص الهند وباكستان .
هل المعيار هو القوة الاقتصادية ؟إذا كان كذلك فإن هذا لم يطبق بحق اليابان وكندا إن النص بالاسم على الدول الأعضاء م"23" منع من دخول أعضاء جدد تكتسب نفس الأهمية في المجتمع الدولي إذن إن المعيار المعتمد هو قوة الدولة وحجم مسؤولياتها على المستوى الدولي، كأن هناك دولا تتبنى الدفاع عن المجتمع الدولي وأخرى لا تتبنى ذلك. أما فيما يتعلق بالدول الأعضاء غير الدائمة في مجلس الأمن فقد تم اعتماده وذلك لترضية بعض الدول التي أنكرت واحتجت على العضوية الدائمة لهؤلاء الخمس مثل كندا وهولندا والبرازيل ، لقد روعي في ذلك التوزيع الجغرافي وروعي انتخابهم لمدة سنتين. أما فيما يتعلق بالتوزيع الجغرافي فقد كان في البداية سنة 1945 يتم على النحو الآتي :
مقعد لأوروبا الشرقية ، مقعد لأوروبا الغربية ، مقعد للشرق الأدنى ، مقعد لمجموعة الكومنولث البريطانية، واثنان لامريكا اللاتينية ، إذن لقد عكس التوزيع النظرة الاستعمارية للعالم ، أوروبا الشرقية تعني الدول التي تقع في نفوذ الاتحاد السوفيتي ، الشرق الأدنى يعني الدول الواقعة في نطاق الصين ، ثم الكومنولث البريطاني يعكس نفوذ بريطانيا ، لم يكن هناك تقسيم قاري وإنما إيديولوجي « انعكاس الأزمة المعيارية».
إن النص على الأعضاء الدائمين بالاسم ووضع عدد معين من الدول غير دائمي العضوية دل على أن واضعي الميثاق فضلوا استقرار هذا الوضع وعدم خضوعه لتغيير الأوضاع من صعود دول وهبوط دول أخرى ، كما أن تحديد الدول الأعضاء بالعدد لابنسبته إلى عدد أعضاء المنظمة المتزايد كشف عن إحكام المركزية وثبات وضع المجلس لصالح الدول الكبرى . أما تحديد مدة عضوية الدول غير دائمة العضوية بسنتين غير قابلتين للتجديد فإن ذلك لكي لاتبقى أية دولة أخرى تنافس الدول الخمس . إن تشكيل مجلس الأمن عكس إذا مركزية القواعد الدولية وتسييس هذه العضوية في مقابل انتهاك مبدأ المساواة بين الدول حسبما ينص عليها القانوني الدولي .
رغم هذا التشكيل الذي هدف إلى إنشاء جهاز فعال وسريع الحركة ، فإننا لاحظنا أن النتائج تأتي عكس ذلك ، فقد لوحظ تحركه بسرعة عندما يكون هناك تهديد لأمن الدول الكبرى أو لحلفائها مثل (إسرائيل) ، أما إذا تعلق الأمر بأعضاء آخرين غير مهمين فإن الأمر يختلف ، فلا يتحرك المجلس بالسرعة المطلوبة لحماية السلم والأمن الدوليين الامتياز الثاني .
إن المتفحص لنظام الوصايا الذي وضعه الميثاق يؤكد له أن الميثاق بدل أن يدين فترة الاستعمار البغيض فإنه كرس هذا الوضع وقننه ، وكأنه يعترف به.
إن المادة 76 من الميثاق رغم أنها تقر في فقرتها «ب» على أن هذا النظام (يهدف إلى ترقية أهالي الأقاليم المشمولة بالوصايا في أمور السياسة والاجتماع والاقتصاد والتعليم واطراد تقدمها نحو الحكم الذاتي أو الاستقلال حسبما يلائم الظروف الخاصة لكل إقليم وشعوبه ويتفق مع رغبات الشعوب التي تعرب عنها بملء حريتها وطبقاً لما قد ينص عليه في شروط كل اتفاق من اتفاقات الوصايا) رغم ذلك فإننا نلاحظ أن واضعي الميثاق اسسوا نظاماً محكماً يخدم مصالح الدول الكبرى التي تستحوذ على مستعمرات وضعتها تحت الانتداب أو تحت الوصايا مما يسمح لها إبقاء قبضتهم عليها بصورة غير مباشرة وهو بالطبع مكسب اقتصادي لهذه الدول .
إن الذي دل على ذلك الآتي :ـ
الأول : إن الميثاق وضع نظاماً للوصايا على الأقاليم وليس على الكيانات الموجودة فيه ، كأنه بذلك يبرر وجود فراغ يجب أن تملأه هذه الدول المستعمرة .
الثاني: إنه فرق بين الأقاليم العادية والأقاليم الاستراتيجية ، فالأقاليم العادية توضع تحت وصاية الدول المستعمرة باتفاقات فردية ، أما الأقاليم الاستراتيجية فتوضع تحت وصاية مجلس الأمن ، ويباشر عليها جميع وظائف الأمم المتحدة ويوافق على شروط اتفاقات الوصايا وتغييرها وتعديلها .
إذن الهدف هو وضع يد الدول العظمى على المواقع الإستراييجية « الاقتصادية والمداخل والممرات البحرية المهمة» . 
أما الأقاليم غير الإستراتيجية فهي من نصيب الجمعية العامة ، فهي التي تباشر عليها وظائف الأمم المتحدة . 
الثالث: تكوين مجلس الوصايا يجعل من أعضاء مجلس الأمن الدائمين أعضاء أساسيين في المجلس وذلك في حالتين : 
ـ الأعضاء الذين لهم مستعمرات ويمارسون الوصايا على أقاليم . - الأعضاء الذين ليس لهم مستعمرات يعتبرون أعضاء في المجلس . إن جعل المجلس يتكون من فريقين متساويين ، فريق يمثل الأعضاء الذين يقومون بإدارة الأقاليم المشمولة بالوصايا ومن بينهم بعض الدول الخمس » والفريق الآخر أعضاء لايقومون بإدارة الأقاليم المذكورة ، هؤلاء ينتخبون من الجمعية العامة ، أما الأعضاء الدائمون والذين لايديرون أقاليم تحت الوصايا فإنهم لا ينتخبون ولكنهم أعضاء في المجلس بفعل عضويتهم في مجلس الأمن. النتيجة : الدول المستعمرة لا تنتخب مهما كان وضعها ، عضو في مجلس الأمن أو غير عضو ، وهو تكريس للاستعمار ، لقد اكتسبوا حق العضوية في المجلس بفعل احتلالهم لهذه الأقاليم وهو انعكاس واضح للأزمة المعيارية على الميثاق . الامتياز الثالث : اختصاصه بانتخاب الأمين العام للمنظمة وقبول عضو جديد في المنظمة أو فصله بناء على توصية يقدمها إلى الجمعية العامة التي تصدر فيهم قرارا بأغلبية الثلثين. إن هذه الاختصاصات التي يمارسها المجلس بالاشتراك مع الجمعية عن طريق التوصية السلبية أو الإيجابية تؤكد هيمنة المجلس على المنظمة. إن الدليل على هذه الهيمنة أن المجلس إذا أصدر توصية سلبية فإن قرارالجمعية يعتبر ملغى، وهذا ما أكدت عليه محكمة العدل الدولية سنة 1950 في رأيها الاستشاري الذي يتعلق بانضمام دولة جديدة إلى المنظمة . كذلك فإن مجلس الأمن يمارس سلطة في اختيار قضاة محكمة العدل بالاشتراك مع الجمعية العامة. إنه بهذا الاختصاص فهو بالإضافة إلى سيطرته على الجمعية العامة يضع يده أيضاً على النظام القضائي الدولي ، وذلك في إطار ثلاث آليات بالإضافة إلى ما سبق ذكره .

بقلم د. عبد السلام اللطيف عماره
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

الرأسمالية وحتمية الانهيار



تنطلق الفلسفة الرأسمالية بذاتها وأقسامها ومناهجها من ملكية أقلية من الأفراد ، تتوفر على الحق الشرعي في استغلال هذه الملكية من أجل الربح الخاص المرتبط بنظام السوق الذي يحدد التوزيع ويوظف الموارد .. ويحدد معدلات المداخيل والأجور دون أن يكون هذا الشيء موضوعاً لها بل وفقاً للنظرية الرأسمالية تندرج أو تتمحور حول مقولة «دعه يعمل دعه يمر» وعلاوة على مفهوم أن« الربح الخاص يصب في الربح العام » وهذا المفهوم الفلسفي الضاغط في قوالب فكرية بالية أوجد تراكمات من المشاكل المعقدة أدخلت العالم في دوامة من« الصراعات الاقتصادية» ذات البعدين السياسي والاجتماعي ، وهي صراعات عنيفة طابعها أحداث التصادم ، التنافر مع المصالح العليا للمجتمع مما ينتج عنها افرازات خطيرة تشل بصورة مباشرة حركة المجتمع وتلحق به اضراراً فادحة لايعلمها إلا الله والراسخون في العلم . خاصة وأن المتغيرات الدولية التي بدأت تعرف خطواتها على المسرح الدولي منذ فترة أواخر الثمانينيات ، وهي متغيرات لها دون شك أثار عميقة ومباشرة على تطور العلاقات الدولية وبنيات الجماعية الدولية وهي أيضاً متغيرات بدأت بتفكك المعسكر الاشتراكي وانهيار الاتحاد السوفياتي وبروز الولايات المتحدة الأمريكية التي اعتقدت وفقاً لمفاهيمها الامبريالية بأنها خرجت من « الحرب الباردة» بين المعسكرين منتصرة في ظل نظام دولي جديد ، يرتكز على مفهوم «الأحادية القطبية » بزعامة الولايات المتحدة المدافعة عن القيم الليبرالية الديمقراطية التقليدية وحامي الأمن الجماعي الدولي .. إن المتغيرات الدولية التي أدت إلى ولادة المشروع الإمبريالي الأمريكي ـ في ظل هذه المتغيرات ـ أوجدت ضغوطا سياسية وعسكرية على مسارات عديدة تميزت بالطابع العسكري القتالي مثل عمليات الغزو العسكري ، والاحتلال والتآمر على دول معينة وتفجير الصراع في أكثر من موقع مما جعل العالم الرأسمالي يصاب بعمليات اقتصادية انعكاسية فجرت أكبر أزمة رأسمالية عالمية على مدى التاريخ ، حيث إن المتغيرات الاقتصادية والسياسية العالمية الناجمة عن تفاقم الأزمة المالية التي ألمت بالمجتمعات الرأسمالية ليست هي وحدها التي تعنينا في تشخيص ما آلت إليه تلك المجتمعات القائمة على أسس وأفكار وفلسفة « النظرية الرأسمالية »
إذ يمكن أن نجد في مؤشرات عديدة معالم هذه الأزمة الخانقة التي باتت تعصف وتلتهم كل النظم الاقتصادية المستمدة أطروحاتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية من « النظرية الرأسمالية »وجميع ما يرتبط بها من مؤسسات وشركات ومنظمات ، مما يؤكد على انهيار وفشل القواعد الأساسية التي بني عليها هذا « النظام» القديم وبالتالي عجزه العجز كله في تحقيق غايات وأحلام الشعوب في التقدم والرفاهية والسعادة على الرغم من الطفرات الاقتصادية التي حققها في بعض مراحل نموه وتطوره لأسباب تاريخية مرتبطة بالحقبة الاستعمارية وما رافقها من عمليات منظمة في نهب ثروات وخيرات الشعوب التي خضعت بقوة السلاح والقمع للاستعمار ، وهذه السيطرة الاستعمارية على مقدرات الشعوب الاقتصادية واستغلال مواردها الطبيعية هي وحدها التي وفرت لهذه القوى الامبريالية الاستعمارية تحقيق « تراكمات رأسمالية» ـ مخزون مالي ضخم - ساهم مساهمة فعالة في انطلاق « قطار الرأسمالية » لكن بعد انحسار المد الاستعماري وتقلص عمليات النهب وازدياد الوعي السياسي لدى الشعوب ، وارتفاع صوتها بالمطالبة بالاستقلال والتحرر من قبضة القوى الامبريالية الرأسمالية التي هيمنت على ثروات الشعوب أخذ هذا « النظام الرأسمالي» القائم على امتصاص دماء الشعوب في الانهيار والتراجع ، حيث أخذ يفقد تدريجياً أهم موارده الاقتصادية على الرغم من كل الحيل وسياسات الخداع التي مارسها حيال الشعوب للاستمرار في عمليات السطو والنهب ، هكذا جفت عروقه وانفضحت أمام الجميع عوراته وانكشفت عيوبه الكثيرة ، وجاءت أخيراً الضربة القاضية ممثلة في انهيار مؤسساته الاقتصادية الكبرى ، التي هزت أركان « النظام الاقتصادي الرأسمالي » وجعلته يفقد توازنه في لحظة واحدة وتلاشت في لمح البصر وظائفه ومهامه الرئيسة.. 
إن هذه التداعيات المتشابكة للأزمة الاقتصادية الرأسمالية هي التي تعنينا هنا ، باعتبارها هي التي تعطينا الدليل القاطع على فشل هذا النظام الرأسمالي ، الذي أوجد الصراع السياسي والاجتماعي داخل المجتمعات الرأسمالية .
إن الوثائق والرسوم البيانية للأزمة الاقتصادية العالمية للمجتمعات الرأسمالية ترسم لنا بوضوح منحنيات خطوط انزلاق الاقتصاد الرأسمالي ، رغم كل المحاولات والتصريحات التي يحاول أصحابها التأكيد على أن النظام الرأسمالي في طريقه لاستعادة توازنه وعافيته وتحقيق وجوده الفاعل مجدداً على خشبة المسرح الاقتصادي العالمي ..
إن نقاط التأمل والتمعن والدلالات الاقتصادية والسياسية التي تمضي الأزمة الاقتصادية للنظام الرأسمالي في عرضها وشد انتباهنا إليها عديدة تفند كل الأكاذيب التي يسردها انصار الفكر الرأسمالي حول إمكانية انقاذ الرأسمالية ، وهي بلا أدنى شك مخالفة لكل الدراسات والتقارير الاقتصادية التي صدرت مؤخراً عن أهم المراكز الأكاديمية المرموقة والتي تؤكد في مجملها على أن« الأزمة الرأسمالية » وتداعياتها الخطيرة ماتزال تتفاعل بصورة مخيفة يمكن متابعتها من خلال ما تشير إليه المنحنيات البيانية لاقتصاديات جميع الدول الرأسمالية وأسواقها التي لم تستطع الوقوف مجدداً منذ أن عصفت بها رياح الأزمة من معقلها في « الولايات المتحدة الأمريكية» على الرغم من أن النظام الرأسمالي بتركيبته الهيكلية الحالية يعتبر من أقدم ـ النظم الاقتصادية المعاصرة ـ وهو يتصف بأنه يقوم على مبادئ وأسس لابد لنا من مناقشتها لتوضيح مكوناته بصورة مباشرة ولعل من أهم مبادئه « الملكية الخاصة» لوسائل الإنتاج ، وتسخير هذه الوسائل من قبل الافراد لتحقيق« الربح» تحت ظروف وقوانين الحرية الاقتصادية والمنافسة الكاملة داخل المجتمع دون وجود أي ضوابط تحد من عمليات المنافسة كما أنه يرتكز على جملة من الأسس والمبادئ الأساسية التي يمكن لنا تلخيصها في النقاط التالية :ـ
أولا : الحرية الاقتصادية 
يندرج هذا المفهوم أو المبدأ ضمن « حرية الاختيار» في اختيار الأنشطة الاقتصادية للأفراد بما يحقق لهم رغباتهم ومصالحهم ، وهذا الأمر يشتمل على مجموعة اختيارات أساسية منها المهنة أو الحرفة ، وحرية التعاقد وحرية التملك ، وحرية الباعث الشخصي حيث تقوم وظيفة الدول في إطار هذا « النظام الرأسمالي » بحماية أصحاب رؤوس الأموال وسن القوانين واللوائح التي تحقق لهم المصالح الاقتصادية الذاتية « أي إن تقنين ممارسة الاستغلال » بحماية قانونية.
ثانياً :الملكية الفردية« الخاصة»
لعل من أهم ركائز النظام الرأسمالي حرية التملك حيث يعطي هذا النظام « الفرد» الحرية المطلقة في أن يمتلك ما شاء بغض النظر عن الكيفية التي يمتلك بها هذه الممتلكات ، المهم وفقاً «للنظام الرأسمالي»هو دفع الضرائب لخزينة الدولة حتى تتمكن من توظيف كل إمكانياتها ومواردها خدمة لهذا النظام وحمايته والمحافظة على الأمن الداخلي والخارجي والاهتمام بأمور العدل والقضاء ، الذي يخدم مصالح طبقة أصحاب « رؤوس الأموال» ، كما يعطي هذا « النظام » الفرد الحرية الكاملة في التملك وممارسة الأنشطة الاقتصادية حافزاً ودافعاً قوياً لإنجاز العمل المنتج المحرك لعجلة ونمو الاقتصاد الرأسمالي الذي يعمل ضمن منظومة استغلالية احتكارية تسعى إلى « جني الأرباح » بأية طريقة حتى لو أدى بها الأمر إلى امتصاص دماء الشعوب خاصة في الدل النامية التي ربطت بصورة أو بأخرى بعجلة النظام الرأسمالي الفاسد..
ثالثاً : الربح كحافز على الإنتاج الاقتصادي 
من المعروف أن « النظام الرأسمالي » يرتكز على مبدأ الربح كحافز على الإنتاج وبالتالي ـ التقدم الاقتصادي يعتبر معياراً للتقدم والازدهار لأية مؤسسة رأسمالية ، وحتى يتم تجاوز الخسائر التي تحدث نتيجة المضاربات في أسواق الأوراق المالية يعتمد أصحاب المؤسسات الرأسمالية على ممارسة إشباع أنواع الاستغلال واتباع أساليب المنافسة الرخيصة ، حيث يرى أنصار« النظام الرأسمالي » بأن ترك الأفراد في عملية حرية اختيار النشاط الاقتصادي سيوجد منافسة غير محدودة وهو عمل من شأنه منح استغلال الجماعات بعضها البعض ، حيث تقوم المنافسة الكاملة بمعادلة القوى المؤثرة على عرض وطلب السلع والخدمات المختلفة ، فتحدد نتيجة لذلك الأسعار التي تعمل على تحديد الكميات الواجب انتاجها من هذه السلع والخدمات في ظروف تنافسية قد تصل في بعض الأحيان إلى صراع عبر وسائل الإعلام باستخدام كل أشكال الحرب الدعائية والمؤامرات غير المعلنة في « الخفاء » بهدف تحطيم المؤسسات أو الشركات المنافسة ، وكثيراً ما تتخذ هذه الحروب طابعاً غير أخلاقي وإنساني لأنها تقوم على سياسة تحطيم وتهشيم عظم المنافس بصورة بشعة
رابعاً : التوافق الاجتماعي
هذه النظرية مضمونها يتركز حول استحالة وجود تعارض بين مصلحة الفرد ومصلحة الجماعة أو المجتمع ، وهذه النظرية الرأسمالية هي في الواقع قائمة على جملة من الأوهام والترهات والمنطق المغلوط ، حيث تربط بصورة غير منطقية عملية المصالح الفردية والجماعية في بوتقة واحدة تتخذ فلسفتها من مقولة إن مصلحة الفرد ومصلحة المجتمع تحدث تلقائياً لوجود ما يعبرون عنه باليد « الخفية » التي تقود الفرد ـ من حيث يدري أو لايدري ـ إلى تحقيق مصلحته الذاتية و إلى تحقيق مصلحة المجتمع دون أن يهدف إلى ذلك بالرغم من أنها ليست هدفه الأساسي ، وقد عبر « آدم سميث » منظر هذا « النظام الرأسمالي » عن اعتقاده الراسخ بهذه النظرية « التوافق الاجتماعي « بالعبارة التالية « إن الفرد يحقق مصالح المجتمع بدرجة أكبر عندما يعمل على خدمة شؤونه الخاصة ، مما لو خصص وقته وجهده لخدمة المجتمع أساساً » ، وانطلاقاً من المبادئ السابقة واستناداً عليها طبق النظام الرأسمالي الذي اعتنقته واتبعته كثير من الدول حيث ساعدت القوة الاقتصادية للرأسمالية الامريكية القائمة على شبكة ضخمة من الشركات الرأسمالية العملاقة متعددة الجنسيات « العابرة للقارات» منذ فترة طويلة في توسيع أنشطتها الرأسمالية الاحتكارية الاستغلالية على نطاق عالمي في أعقاب الحرب العالمية الثانية بالقدر الذي أصبحت فيه نظاماً عالمياً يؤثر في ويتأثر «ب» عملية صنع القرار على المستوى القومي في عدد لايحصى من البلدان في كل قارات العالم ، إنه امتداد جغرافي رهيب لمؤثرات« النظام الرأسمالي» القائم على الاستغلال وعمليات الخداع والإبهار والأعمال الدعائية الإعلانية بهدف خداع الشعوب وجعلها في دائرة الانبهار لاترى ما يجري تحت أقدامها وهي مسلوبة الإرادة لاتقوى على فعل أي شئ يحد من الأعمال الإجرامية التي تمارسها « الأنظمة الرأسمالية» 
إن التأثير الاقتصادي للرأسمالية كما يقول«هوبرت .. أ.. شيللر» في كتابه «المتلاعبون بالعقول » هو أمر معروف ومعترف به بوجه عام ويشمل هذا التأثير حركة المواد الأولية وعمليات اكتشافها والنزاعات المتعلقة بميزان المدفوعات ضغوط تعريض الأرباح وايرادات الأسهم وهجرة الكفاءات البشرية ، « استنزاف العقول» ومضاربات العملة والذهب وتحويل أسهم السوق العالمية ، كذلك بدأت تتضح للأذهان النتائج السياسية للأنشطة الدولية للشركات الاحتكارية الرأسمالية الأمريكية ، وفي حالات عديدة ارتبطت القلاقل و الاضطرابات في البنى السياسية المحلية بتدفق رأس المال الأمريكي حتى إنه في فترة معينة كان هو النظام الوحيد المطبق على اقتصاديات العالم .
مما لاشك فيه أن هذا النظام ـ كما سبق الحديث قد حقق نجاحات كبيرة حيث استطاع لاسباب تاريخية وظروف اقتصادية معينة ان يحدث تحسناً كبيراً في الظروف المعيشية وارتفاعاً ملحوظاً في مستوياتها ، وازدهرت في ظله الصناعة والزراعة والتجارة ، كما تطورت في ظله الدراسات والبحوث العلمية التي من شأنها تطوير الإنتاج وزيادته ، كذلك فإن النظام الرأسمالي كان دون شك أفضل من النظام الذي سبقه وهو نظام « الإقطاع» الذي كان فيه الإنسان يباع ويشترى طبقاً لنظام الاقطاعية التي كان يعمل فيها ، إلا أن الإنسان في ظل المجتمعات الرأسمالية فقد تدريجياً كرامته الإنسانية وتحول مع مرور الوقت إلى عبد للسيد الرأسمالي الذي يمتلك كل أدوات الإنتاج في النظام الرأسمالي ..
إلا أن الأزمة الاقتصادية الخانقة التي عصفت مؤخراً بالمجتمعات الرأسمالية ، كشفت بصورة واضحة عيوب وفشل هذا النظام الرأسمالي ، حيث يؤكد المتابعون لمجريات الأحداث التي تعصف بـ«النظام الرأسمالي » أن هناك ارتفاعاً كبيراً في عدد العاطلين عن العمل بسبب انهيار المؤسسات والشركات الرأسمالية الكبرى التي كانوا يعملون فيها ، كما أن تفشي هذه الظاهرة في كل العواصم الرأسمالية تقريباً ، أدى إلى ارتفاع معدلات الجريمة المنظمة وانتشار الظواهر الاجتماعية الخطيرة مثل تعاطي المخدرات وأعمال السرقة والسطو المسلح وانحدار الاستقرار الأمنى إلى حدود متدنية..
إن الأزمة الرأسمالية الكبرى بسبب تداعيات الأزمة المالية باتت تتشكل في خطوط متداخلة من خطوط أزمات متلاحقة قد هزت بصورة عنيفة أركان« النظام الرأسمالي » بحيث لم تعد تنفع معه أية محاولات للعلاج ، وأخيراً ارتفعت أصوات عدد كبير من علماء الاقتصاد الذين يطالبون بإزالة هذا النظام برمته من الخارطة الكونية حيث أصبح من الضروري إيجاد نظام بديل حضاري يقدم الحلول الجذرية والنهائية لمشاكل الانسان المعاصر كافة، ويسعى في الوقت نفسه إلى تحقيق الرفاهية للمجتمع ككل ورفع مستويات المعيشة لجميع الأفراد ، وذلك عن طريق استخدام الموارد الاقتصادية المتاحة في إنتاج السلع والخدمات بعيداً عن سياسات التجويع والاستغلال والاحتكار بهدف إشباع أكبر قدر ممكن من حاجات ورغبات الإنسان حتى يكون حراً وسعيداً ، وهذه المبادئ الإنسانية لاتوجد في النظام الرأسمالي الاستغلالي الذي يعتبر من أقدم النظم الاقتصادية المعاصرة وهو نظام أثبتت وقائع الأيام والأحداث العالمية والتجربة أنه ينطوي على عيوب كثيرة تجعله يفشل في تحقيق مطالب الإنسانية وسعادة البشرية وقد بدأت هذه العيوب تظهر للعيان بعد تفاقم أزمة النظام الرأسمالي في الآونة الأخيرة..
إن الحاجة إلى نظام عالمي جديد ، جعلت عدداً كبيراً من خبراء وعلماء الدراسات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية في العالم يطالبون بضرورة وأهمية الأخذ بالنظام الاشتراكي الجديد« الجماهيري» كنتيجة حتمية لفشل الأنظمة الاقتصادية خاصة النظام الرأسمالي وقصوره عن إيجاد حل جذري ونهائي للمشكلة الاقتصادية المتفاقمة والتي تضرب اليوم بأطنابها كل أركان النظام الرأسمالي الاستغلالي ، فالعالم لم يبق أمامه إلا طريق النظرية العالمية الثالثة التي تشكل بكل مضامينها وأفكارها الإبداعية العظيمة طريق النجاة والفوز والسلام ، لأنه طريق المستقبل .

بقلم :د. ابوالعلاء عبدالمنعم الزوي
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

الماركسية وثنائية الخصوصية والكونية



فؤاد خليل
السفير- 19\11\2009

طغت على الكتابة العربية في العلاقة مع الغرب الحديث والمعاصر ثنائية الخصوصية والكونية التي انحكمت عند من أخذ بها إلى التعارض، لا بل في أحيان كثيرة إلى التناقض بين طرفيها. وقد تأتى عن ذلك، أن كل طرف رؤي من منظور الطرف الآخر، بأنه يمثل جوهرا مستقلا أو ماهية قائمة بذاتها؛ ما جعل العلاقة بين الطرفين تنتظم على قواعد برانية وشكلانية بمعنى أنها تنتظم وفق آليات التصنيف الانتقائي والنمذجة الاختزالية والأدلجة الشاملة.

وهكذا، فمن أخذ بالخصوصية، حدد الخاص بالحضارة العربية ـ الإسلامية، والعام بالحضارة الغربية. ثم رأى أن كل حضارة، أنتجت في سياقات تاريخية ومجتمعية مختلفة. فاتصفت بسمات أو خصائص أو روح متفردة لا يمكن أن تشكل روحا عامة أو كونية تنتظم في ضوئها العلاقات بين حضارات العالم.


ومن هذا المنطلق، وجد أن الحضارة الغربية هي حضارة مادية ليس إلا، فاختزلها إلى تقنيات وتكنولوجيا علمية، ورأى أن إنسانها قد ضل الطريق عن القيم الإنسانية والروحية السامية. لذا كان بديهيا بالنسبة إليه أن يدعو إلى الأخذ بالجوانب المادية من تلك الحضارة، وأن يرفض جوانبها الأخرى وبخاصة النظرية والفكرية التي توصلت إليها العلوم الإنسانية والاجتماعية. ذلك أن مثل هذه الجوانب أو أن النظريات الفلسفية والاجتماعية الغربية تعبّر عن تجربة تاريخية محددة بشروطها وظروفها المعلومة. وهي حسب منطقة لا تلائم التجربة التاريخية التي أنتجتها شروط وظروف الواقع العربي والإسلامي.


ومن أخذ بالكونية، انطلق كما الأول من التحديد نفسه للخاص والعام. لكنه رأى أن الحضارة الغربية التي انبنت في حقل تاريخي موصوف، تحولت إلى حضارة كونية وامتلكت أسباب النجاح والقوة لفرض هيمنتها على الحضارات العالمية كلها. أنها بمعنى ما الروح العامة التي تنتظم في ضوئها العلاقات بين بني البشر على كوكب الأرض.


على هذا اعتبر أن الحضارة الغربية تؤلف كلية تاريخية شاملة، لا يجوز فصلها انتقائيا إلى جوانب مادية وأخرى قيمية أو روحية. لذلك كان منطقيا في نظره أن يدعو إلى الاقتداء بتلك الحضارة والنهل من مناهجها ونظرياتها الفلسفية والفكرية، والأخذ بأشكال التنظيم العقلاني لمجتمعاتنا إذا ما أراد العالمان العربي والإسلامي أن يخرجا من تخلفهما وفواتهما التاريخي وأن يخوضا تجربة ناجحة في الحداثة والعصرنة.


يرجع الأصل في صيغة الكتابة أعلاه إلى رؤية فلسفية تسود في الغرب والشرق على السواء، وهي تحيل إلى إنسان يملك طبيعة ثابتة تتعالى على التاريخ وتحكم مجراه. فالغربي في متن تلك الرؤية ينطبع بالعقلانية والمنهجية العلمية في التفكير. وقد أنتج حضارة تتساوق مع خصائص طبيعته هذه. أما غير الغربي، كما هي حال الشرقي، العربي والإسلامي، فهو في منطواها ينطبع بعقلية الاستيعاب والوسطية والأصالة الروحية. وقد حصّل حضارة تلائم خصائصه العقلية وتؤكدها في مناحي حياته الفكرية عامة.


هذه الرؤية حكمت في جانب منها النظام المعرفي الفلسفي في الغرب قبل ماركس؛ وبخاصة في روحيته الهيغلية الطاغية التي جسّدتها مقولتنا: أن العقل المطلق تحقق في جرمانيا، وأن أوروبا هي نهاية التاريخ. كما شكلت المرجعية الإيديولوجية لطروحات مؤسسة الاستشراق من مثل: أن العقل الغربي هو عقل بنائي، بينما العقل الشرقي هو عقل غيبي؛ أو أن العقلية الغربية هي عقلية متفوقة في حين أن العقلية الشرقية هي عقلية دونية، أو ما شاكل من طروحات جوهرانية تجعل من الغرب ذات التاريخ ومحوره، ومن العوالم غير الغربية أعراضا طرفية تتنكب وظيفة رئيسة، هي خدمة تلك الذات والخضوع أو التبعية لسلطانها الحضاري.


أما في جانبها الآخر، فقد حكمت النظام المعرفي في الفكر العربي بعد أن جُبّت عقلانية ابن رشد وتاريخية ابن خلدون، وبخاصة في روحيته التوفيقية التي حملتها طروحات الأغلب الأعم من أعلام عصر النهضة العربية كالأخذ بمقولات: أن الشريعة لا تتعارض مع العلم، وأن الإسلام يتوافق مع المدنية والحداثة، وهو فضلا عن ذلك دين العقل والدعوة إلى التعقل. كما كوّنت الأبعاد الإيديولوجية لنزعات استغرابية نحو: أن الحضارة العربية الإسلامية هي حضارة العقل والروح، في حين أن الحضارة الغربية هي حضارة العلم والمادة أو العقل العاري من الإيمان الروحي، أو ما شابه من نزعات ماهوية تجعل حضارة الشرق وتاليا الحضارة العربية ـ الإسلامية متفوقة في قيمها الروحية على حضارة الغرب المادية.


لقد أفضت ثنائية الخصوصية والكونية كما قوربت آنفا إلى أدلجة كثيفة لمفاهيم الإنسان والحضارة والعقل والروح. فعلّقت تاريخية هذه المفاهيم وأفقرت المعرفة بها وبالواقع المدروس. فمن غلّب الخصوصية على الكونية، أهدر الكونية ولم ينتج معرفة حقة بالخصوصية. ومن غلّب الكونية على الخصوصية، أهدر الخصوصية ولم ينفذ إلى حقيقة الكونية.


وعليه، أن المقاربة الفعلية للثنائية المطروحة، لا تستقيم في نظرنا على صعيد فلسفي ماهوي؛ بل على صعيد تاريخي يرى إليها بوصفها وليدة تجربة مجتمعية محددة. والأصل في نظر كهذا لا بد له من أن يتناول الثنائية كبناء معرفي دينامي ومتكامل في آن.


في كل تجربة بشرية وجهان للمعرفة. وجه أول يرتبط بالشروط المجتمعية الملموسة للتجربة؛ وهو ما يعبر عنه بالمحلي والخاص. ووجه ثان تجاوز الشروط الملموسة للتجربة، وهو ما يعبر عنه بالعام أو الكوني. بتعبير آخر، أن كل تجربة بشرية أيا يكن مجالها تنتج وجهين متلازمين للمعرفة وفي الوقت عينه متمايزين. وهذا يعني، أن كل نظر في بنائهما يفترض وعي التمييز بينهما، مثلما يقتضي استحالة التمييز بينهما. فوعي التمييز يحيل إلى أن الخاص لا ينوجد إلا بوجود العام؛ وأن العام لا ينوجد إلا بوجود الخاص. واستحالة التمييز تحيل إلى وحدة المعرفة في وجهيها...


من هنا يتضح أن انتقال المعرفة سواء في داخل المجتمع أو بين المجتمعات لا يتم من خلال وجه واحد منها، بل من خلال وحدتها. كذا، لا يعود منطقيا القول: أن ثمة وجها يمكن أن ينتقل من الحضارة الغربية إلى الحضارة العربية الإسلامية، وآخر لا يمكن أن ينتقل لأنه يعبر عن روحية حضارية متفارقة عن روحية الحضارية التي يجري الانتقال إليها..


إن ما ينتقل إلى العالم العربي والإسلامي من العالم الغربي، ليس جوانب حضارة الأخير المادية وحسب، بل وحدة معرفته العامة، أي ما يرتبط بشروط تجربته التاريخية وما يتعدى شروط وظروف تلك التجربة في آن. أما عملية الانتقال فتنحكم إلى موازين القوى بين العالمين وموقع حضارة كل منهما في تلك الموازين.


ولطالما كان العالم الغربي قد شغل منذ قرنين وما زال يشغل موقع السيطرة العالمية؛ فإن السؤال عما إذا كانت المناهج والنظريات الفلسفية والاجتماعية الغربية تصلح في مقاربة أوضاع بلادنا أم لا تصلح؛ يصبح سؤالا تلفيقيا ومزيفا. ذلك أن السؤال الحقيقي هو: كيف نعيد إنتاج المعرفة بتلك النظريات أو المفاهيم من داخل شروط تجربتنا التاريخية. فإعادة إنتاج المعرفة تتيح تجاوز الوعي الدوغمائي بثنائية الخصوصية والكونية إلى الوعي بوحدتها الجدلية. كما تسمح بتجاوز الفهم الماهوي للحضارة والعقل والإنسان إلى فهم تاريخي يرى هذه المفاهيم بوصفها نتاجات تاريخية؛ والى المعرفة بأنها دينامية ونسبية تُنتَجُ وتُبنى ويُعاد إنتاجها وبناؤها باستمرار، بمعنى أنها ليست مطلقة أو متعالية على التاريخ والمجتمع.


هذا الفهم التاريخي تجلى في الفلسفة الماركسية بصورة أكثر جلاء من الفلسفات والنظريات الحديثة والمعاصرة. فإذا كانت منظومة التفكير الهيغلي تتأسس على مقولة ماهوية هي الذات العارفة، فإن منظومة التفكير الماركسي تنبني على مقولة تاريخية هي الذات المنتجة.


في فلسفة هيغل تتبدى الذات العارفة في تحقيق أو نضج العقل المطلق في أوروبا. وهو العقل الذي اختتم به التاريخ. وهذا ما جعل من الغرب »عقل« العالم أو أناه المحورية. وعندما يرسم الغرب عن نفسه صورة كهذه، يغدو من المسلّم به أن يتصف الغربي بعقل بنائي وبعقلية متفوقة على سواه من بني البشر، وبعقلانية في النظر إلى شؤون الكون والإنسان والمجتمع. وفي المقابل، أن يتصف غير الغربي بعقل سردي تكراري وبعقلية ميتافيزيقية وانطباعية في علاقتها بالعالم. جراء ذلك، حق للغربي المتفوق عقليا، أن يجد في المساواة بينه وبين الشرقي أو أي إنسان آخر، شأنا لا تقره طبيعة الأشياء، وأن يعتقد بأن الطبيعي في نظره، هو أن يمارس استعلاءه وسيطرته على غير الغربي، وأن على الأخير أن يتقبل ويذعن »لمشيئة الطبيعة«.


وفي فلسفة ماركس تتبدى الذات المنتجة في الحياة المادية للإنسان، أو بتعبير أدق، في شروط إنتاج هذه الحياة. والحياة المادية هي كما العقل أصل مشترك عند بني البشر. لكن العقل في نظر هيغل ومؤسسة الاستشراق يتصف بماهية ثابتة هي مختلفة عند الغربي عما هي عليه عند سواه. ما يعني أن العقل هنا، لا يؤلف أصلا مشتركا في التكافؤ والمساواة بين الخلق؛ لا بل على النقيض، فهو يؤلف ما يدل على التفوق والاستعلاء عند بعضهم، مثلما يعبّر عن القصور والبلادة لدى بعضهم الآخر.


أما الأصل في مشترك الحياة المادية، فهو عند ماركس أصل واقعي ملموس يعيشه بنو البشر في كل مكان. وعندما يختلف مشترك هنا عن مشترك هناك، لا يرجع الاختلاف بينهما إلى طبيعة ماهوية لهما، لأنهما لا يتصفان بمثل هذه الطبيعة، بل يرجع اختلافهما إلى الشروط التاريخية والمجتمعية لعملية إنتاج كل منهما، وهي شروط متبدلة ومتغيرة، تتيح لهذه العملية أن تبلغ مستوى من التطور، يختلف من مجتمع إلى آخر ومن مرحلة إلى أخرى؛ أي أنها تُدخل المجتمعات في مسار من التفاعل الدينامي الذي لا يحجزه أي طرح عن عقلية متفوقة واستعلائية أو غيبية ودونية. إذ ذاك يظهر أن الحياة المادية للإنسان أو الذات المنتجة، تؤلف أصلا مشتركا في التكافؤ والمساواة بين البشر بغض النظر عن عرقهم ولونهم ومكان إقامتهم. وفي الوقت عينه ينكشف العمق الإنساني في الفلسفة الماركسية التي طالما اختزلت في معظم المقاربات العربية إلى اقتصأدوية بائسة أو إلى طبقوية صلبة أو سياسوية فظة. ولعل هذا العمق ما أثر في المسيرة الفكرية لكارل ماركس الذي ابتدأها بدرس الاغتراب فلسفيا بهدف تحرير الفرد من اغترابه الفكري، وانتهى إلى درس الاقتصاد السياسي بغية تحريره من اغترابه أو تشيئه بلغة جورج لوكاتش، الناتج من استغلاله الاقتصادي والطبقي.. قد تكون مقولة إنتاج الحياة المادية جعلت ماركس ينزلق إلى تطورية أحادية قادته إلى مآل حتمي تحدد لديه في تنظيم مجتمعي موصوف بحيث اقترب من يوتوبيا توماس مور وابتعد عن الملموس التاريخي الماركسي نفسه. وربما يجد الانزلاق تفسيره من خلال تأثر صاحبه بالبيئة الفكرية في التاسع عشر التي طغت عليها التطورية. لكن بالرغم من ذلك لم يصل ماركس في انزلاقه إلى حد اعتبار الغرب ذاتا للتاريخ أو أناه المحورية؛ بل بقيت فلسفته تتركز على علم الوجود المجتمعي وهو العلم الذي قطع مع العقل الماهوي وأحل مكانه العقل التاريخي، أي العقل الذي ينبني ويعاد بناؤه في رحاب الصيرورة التاريخية.


إن فكرا يعدل في نظرته إلى بني البشر ويتصف بجدلية واقعية؛ تملك أدواته المعرفية قابلية استثنائية على التبيئة خارج حقله التاريخي. فإذا ما أحسن من يأخذ بتلك الأدوات، إعادة إنتاجها معرفيا من داخل شروط التجربة المجتمعية في بلادنا؛ أمكنه أن يتجاوز النظام المعرفي في الفكر العربي، أي أن يتجاوز روحية التوفيق القائمة على التصنيف الإيديولوجي أو الماهوي لمفاهيم الحضارة والعقل والإنسان، إلى روحية جدلية ترى إلى هذه المفاهيم كبناءات تاريخية ومجتمعية ومن ثم أن يتعامل مع ثنائية الكونية والخصوصية ليس من منظور ضدي، بل من منظور تكاملي ينطلق من وحدة المعرفة في وجهيها، ويعتبر أن إنتاج كل معرفة حقيقية بالخاص في بلادنا، لا يستقيم من دون أن ننتج معرفتنا بالكونية في الوقت نفسه.
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

أسطول الحرية وعودة المعقول


د. فؤاد خليل
 - استاذ جامعي - لبنان
صحيفة السفير

ينطلق فكر ما بعد الحداثة من مقولة تفيد بأن الواقع ليس له وجود موضوعي، وان وجوده يتحدد من خلال وعي الناظر او الرائي إليه. وقد تأتى عن هذه المقولة نفي أية إمكانية لإنتاج معرفة علمية بالواقع المعني. ذلك أن من البديهي استمولوجيا ان موضوعية الواقع تشكل الشرط الأساس لإنتاج مثل هذه المعرفة من حيث هي معرفة عامة وعالمية. أما حين يجري نفي موضوعية الواقع، تغدو المعرفة به موقوفة فقط على وعي الذات سواء أكانت فردية ام جمعية، حيث ينزع عنها طابع العمومية والعالمية لتتحوّل الى معرفة جزئية او حدثية ظرفية. ومع معرفة كهذه ينسلخ طابع الموضوعية عن الحقيقة لتصبح بالتالي وجهة نظر فحسب. وبما ان وجهات النظر ذات كثرة فردية وفئوية (من فئة)، تغدو نسبية الحقيقة حينئذ مطلقة، ولا يعود هناك أي مرجع عقلي او قيمي صالح للفصل في شأنها او للفصل بين الخطأ والصواب، والزائف والحقيقي، والباطل والحق، والذاتي والموضوعي. فتتساوى الأشياء في نسبية ما بعد الحداثة، وينقلب نظام الأولوية في قيمة الأفكار. فيتقدم ما ليس معقولاً على ما هو معقول وما ليس منطقياً على ما هو منطقي وما ليس يقينياً على ما هو يقيني، والفوضى على النظام. وتتراجع مركزية الإنسان في العالم، ولا يعود يقوى على فصل التجاوز، أي تجاوز ماديته، إلى معاني الكلية والشمول، او الى اية غاية سامية او نبيلة، بل يستقر في كيان مادي تحركه الدوافع الجسيمة وحوافز الاستهلاك واللهاث الدائم وراء المتعة، فيعيش في عالمه الخاص ويصطنع قصته الصغرى، ويدير ظهره للقضايا الكبرى، أي انه يبتعد عن عيش الإنسان ويلتصق أكثر بحياة البيولوجي. وإذا كان إنسان ما بعد الحداثة كذلك، فالتاريخ لا يعود يحمل في نصها الفكري أي معنى او غاية، او أي أهداف إنسانية عامة، بل يغدو مجرّد صيرورة مادية لا نهائية تسيل في كنف «القوة الأعلى» التي لا تتوانى عن إشاعة الصدمية أفقياً لمجرى الحياة الإنسانية.
÷ من لدن هذا الفكر، لم يتأخر الفكر الصهيوني من ان يقدم نموذجه ما بعد الحداثي قصيّاً في سفوره. وهو سفور حظي بترجمة كاملة في الملموس السياسي عند الصهيونيين خصوصاً حين يتعامل هذا الملموس مع ما يعود إلى الآخر المختلف او مع ما يختص به. وهكذا، رأى النموذج منذ استيلاده على أيدي القابلة الكولونيالية الغربية، ان فلسطين أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض، أي أنه نفي الوجود الموضوعي لواقع غائر في التاريخ هو فلسطين، وأعاد تشكيله وفق وعي يتشبع بصور الطغيان والجبروت. لذا انطبعت الكيمياء الصهيونية بنبذ الآخر وإقصائه والاستعلاء عليه. فكانت أفعالها في ارتكاب المجازر بحق الشعب الفلسطيني، واقتلاعه من أرضه وتهجيره، تعبر عن وعي ذاتي يتعطش إلى استئصال ذاك الواقع الموضوعي مستبدلاً به واقعاً كولونيالياً لن يكون إلا غريباً في وجوده، لان ليس له أن يكون إلا صهيونياً. ثم جاءت حروب الكيان الصهيوني المتتالية ضد العرب، تثبت شره هذا الكيان الى العدوان والتوسع. ولقد صوّر كل حرب شنها بأنها دفاع عن نفسه «الوديعة»! وهذا التصوير الذاتي، أي قلب الهجوم الى دفاع، والجلاد الى ضحية، يدل بشكل سافر على ان الفكر الصهيوني يستبدل الزائف بالحقيقي وغير المنطقي بالمنطقي والايديولوجي بالمعرفي، لأنه نتاج لعبة أصلية في التنافي المتبادل بين دوال الواقع الموضوعي. وكذلك، كانت لعبة هذا الفكر في حرب تموز على لبنان وفي حرب غزة. فلقد صنف المقاومة هنا وهناك تحت مسمى الإرهاب. وهو تصنيف ينكر الحق الطبيعي للآخر في مقاومة الاحتلال، ويطيح بمعيار العقل في التفريق بين الحق والباطل والصواب والخطأ... وعندما اعتبر أن الهجوم على القطاع مع ما تمتلكه إسرائيل من أسلحة ذات تقانة عالية، هو دفاع عن أمنها الاستراتيجي ضد صواريخ القسّام اليدوية، يكون الفكر الصهيوني قد قلب المعقول إلى غير معقول شبه مطلق. ثم أخذ يستخدم كل مفاهيمه ما بعد الحداثية من اجل ان يسوّغ الحصار على غزة، ويكثف فعاليته بغية إدامته الى أجل يؤتى فيه أكله السياسي. ومع استطالة الأجل لم يكن هذا الفكر يخشى من سفوره الطاغي لأنه استند الى النموذج الغربي ما بعد الحداثي لكون الأخير يشكل نموذجه الأصلي في تراث العنف المنظم ضد الآخر. هنا أفاد الكيان الصهيوني من الغرب السياسي الذي كان قد دعم الحصار وتفهم أسبابه «المباشرة وغير المباشرة»، خصوصاً حق إسرائيل في درء خطر غزة المحاصرة عليه! انه الغرب المحجوز داخل عقدة السيطرة والإخضاع.
أما النظام العربي «المعتدل»، فقد شارك في الحصار، او منحه تركته السلالية، او تواطأ عليه. ثم ارتاح في صمت ثقيل. وهو صمت هولي (نسبة الى أبي الهول) يعبّر عن ان الروح عند أهل هذا النظام ما زالت تائهة في الطبيعة. وهي لن تتحقق في عقل كلي ناضج او في ذات إنسانية حرة.
لقد حقق الفكر الصهيوني تسويق فعل الحصار وتطبيعه بشكل واسع على الصعيد العالمي. فاستخدمت إسرائيل الفرصة لجني حصاده على غير صعيد، وغرقت في ما ليس معقولاً عندها وظنت ان اللحظة جعلتها سيدة الفصل في المقال.
÷ في هذه اللحظة بالذات عبر أسطول الحرية المتوسط واتجه الى غزة لفك الحصار عنها. وكانت ميزته انه أسطول معولم يحمل ناشطين مدنيين من جنسيات مختلفة. ولم تأبه إسرائيل لمعنى الحرية. وأطلقت لا معقولها من عقاله وارتكبت مجزرة إنسانية موصوفة. فكان ما لم تتوقعه او تحتسب له.
تحرّكت تركيا في طول العالم وعرضه. وقدّمت خطاباً تنزّل في موازين العقل وأحكامه. فوصف إسرائيل بما هي عليه في واقعها الموضوعي. ولقد جاء فيه: ان المنطقي يفيد بأن قتل الأبرياء هو إرهاب دولة. وان اليقيني يثبت بأن إسرائيل تمارس النفاق والخداع لكي تخفي جريمتها، أي لكي تقلب الحقيقي الى زائف. وان الحق يعني إنهاء الحصار، والباطل يعني استمراره. والصواب يقضي بإجراء تحقيق دولي مستقل لفضح قرصنتها المستعرة دائماً. والخطأ يكمن في تغافل العالم عن هذه القرصنة. بتعبير آخر، لقد أخذت تركيا بمفاهيم الحداثة ومقولاتها. فأعادت المكانة الى النظر العقلاني في ماهية الفكر الصهيوني وفي طبيعة إسرائيل، خصوصاً ان العالم قد جانب ذاك النظر او أهمل الاحتكام إليه طويلاً. ومن ثم أطلقت تلك الإعادة دينامية حداثية وازنة. وقد تبدت في أفكار التحرك الشعبي العالمي وبخاصة لدى الرأي العام الغربي.
فانكشف بالملموس ان الاستهــلاك لم يختزل الإنسان المعاصر الى كيان مادي سائل في مسالك المتعة، بل ما زال على عهده الإنساني قادراً على تجاوز ماديته الى غاية إنسانية نبيلة. كما انكشف ان التاريخ لا يجري بمحرك «القوة الأعلى» فحسب، بل يجري ايضا في مجرى الدفاع عن القضايا العادلة والمساواة بين الشعوب. هنا، أخذ العالم (أوساط عالمية واسعة) يتلمس ان نموذج الفكر الصهيوني ما بعد الحداثي، هو خارج المعقول، مثلما راح يقدّر ان الكيان الإسرائيلي قد شوّه صورته السياسية ولن يعيد بناءها او تطبيعها عالمياً كما كانت عليه قبل ارتكابه المجزرة.
÷ لقد قادت تركيا أسطول الحرية، وفتحت صفحة جديدة في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، ثم خطت سطورها بمعقول حداثي مقروء من لغات العالم كافة. ومما جاء في استهلالها: إن فلسطين عدا كونها قضية وطنية وقومية، هي قضية إنسانية بامتياز. أما ما ورد في هامشها، فهو إن التاريخ أخرج الحكام العرب من عقله وذاكرته على السواء.
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

ترتيل مأزق الهوية وتجويده



د. فؤاد خليل
أستاذ جامعي - لبنان
       جريدة السفير04/11/2010  

منذ أن طرحت ثنائية البحر والجبل، ارتسمت محددات ثقافية عميقة للأزمة اللبنانية. وهي محددات ذات قوام رؤيوي يتصل بهوية لبنان وموقعه. إذ إن ما تنطوي عليه هذه الثنائية يكشف حمولتها الحقيقية أو مضامينها الفعلية... فالبحر يدل على ان لبنان منفتح على بلاد تقع في الغرب، وهو يحاكي حضارتها ومدنيتها، ويرنو كي يكون على شاكلتهما أو طرازهما؛ وله في ذلك قصب السبق في التاريخ. ففي الزمن الفينيقي خاض لبنان غمار البحار وانفتح على دول المتوسط، وتفتقت «عبقريته» في التجارة وأحرز «شطارة» غير مسبوقة.. والحال، فلا غرو أن يحاكي البلد الصغير، الغرب أي أن يجدّد المجد الذي كان عليه في زمنه «الغابر»! . والجبل يستبطن دلالتيْن: الأولى، المعقل المنيع الذي صدّ الغزوات الخارجية وحفظ استقلاله في ارض وعرة حوّلها «شعبها» إلى «مرقد» تشتهيه أجناس الخلق كافة. والثانية، تقابل الأولى وتمثل الحاجز الذي يفصل لبنان عن الصحراء. وليس المقصود في الصحراء هنا جغرافية بادية الشام أو الربع الخالي (على سبيل المثال)؛ بل سكانها أو أهلوها. فهؤلاء أو أغلبهم الأعم، هم في منطوى الثنائية بدو وأعراب. لهم نمط من العيش يختلف عن النمط اللبناني وهو أدنى منه في مرتبة الرقي والحضارة

وفي المقابل، برزت طروحات تواجه ثقافة البحر والجبل، وتقدّم بدورها رؤيتها الثقافية المخصوصة. فالانفتاح على ما وراء البحر لن يجعل لبنان على حضارة أوروبية أو غربية. «وعبقريته» في التجارة ليست فريدة في بابها. فسلطنة عمان (مثلاً) قدّمت تجربة رائدة في التجارة ابّان القرون الوسطى. وفينيقيا ليست حكراً على لبنان، بل كانت تمتد من رأس شمرا في سوريا شمالاً، حتى الكرمل في جنوب فلسطين. أما الجبل، فهو ليس معقلاً يفصل لبنان عن الصحراء، إنما هو جزء من بلاد أوسع. ولا يصح النظر إلى أهلها على أنهم أدنى من سواهم؛ ذلك أن ظروف عيشهم هي التي تحدد مستوى تطورهم وليس أيّ جبلّة .. أو طبيعة ثابتة فيهم

هكذا يتبدى بوضوح، أن الرؤية الأولى ترى الى لبنان أنه جزء من المشرق العربي بحكم الحتمية الجغرافية. لكنه جزء قائم بذاته، له تاريخه المستقل، وذو هوية خاصة به؛ أي أنه لا ينضوي في الهوية الجامعة للبلاد العربية. وما هو جامع بينهما يقتصر على كونه عضواً مؤسساً في جامعة الدول العربية.. أما الرؤية الثانية، فتفيد بأن لبنان جزء لا يتجزأ من الوطن العربي والأمة العربية، وان تاريخه يندرج في نطاق التاريخ العربي المشترك، كما أن حضارته هي جزء من الحضارة العربية الإسلامية.. 

ان التناقض بين هاتين الرؤيتين، أو بين محدداتهما الثقافية، وضع لبنان في مأزق هوياتي منذ الإستقلال حتى نهاية الحرب الأهلية.. ولقد جرى ترتيل هذا المأزق بشعائر وطقوس ملّونة. فرتّلت الطائفيات المسيحية الرؤية الأولى، وجودّت الطائفيات الإسلامية الثانية. ثم تنادى الفريقان إلى تلفيق تسوية بينهما. فكان ان ابتدعا: لبنان ذو وجه عربي ـ لبنان ليس ممراً أو مقراً للاستعمار ـ لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه. لكن التسوية اهتزت بعنف 1958؛ ولم تلبث أن تفجرّت في مجرى الحرب بين 1975 – 1989. ففي ظل هذا المجرى ظهرت حقائق الرؤيتين عارية من كل زيف أو خداع أو تضليل، أي أنها ظهرت من غير لبوس إيديولوجي عام أو فئوي. فقد أعيد إنتاج ثنائية البحر والجبل من خلال مشاريع التقسيم، أو من خلال توحيد البلد قسرياً وفاق أحكام الثنائية بالذات؛ كما إزدهرت طروحات التفوّق والإستعلاء على الآخر اللبناني (المسلم)، وعلى «الغريب» أي العربي وخصوصاً على السوري والفلسطيني إلى حد لا يبتعد كثيراً عن مقولات التمييز العنصري.. ومن جهة أخرى، أُنتجت عروبة لبنان على قوام عروبة رسمية موصوفة. وهي عروبة دمجية لها باع طويل في البراكسيس التراثي القومي. فكان أن أهدرت خصوصية البلد باسم الوحدة الوطنية. أما حين كانتتدعو إلى الوحدة، فكانت تمارس التجزئة والتفتيت. وعندما كانت ترطن بالحرية، كانت تبتدع في الواقع فصاحة القهر والتسلط.. 

هذه الحقائق تعهدتها قوى طائفية تابعة إلى الخارج. وقد أخذت على عاتقها أن تبني لبنان على تناقض هوياتي:
لبنان ذو وجه عربي وفي حياد عن الصراع العربي الإسرائيلي. وصيغته الفريدة تقوم على التلازم بين الكيان والنظام والطائفة.. ولبنان عربي الانتماء وجزء لا يتجزأ من الصراع. وصيغته الحقه تقوم على المشاركة المتوازنة بين طوائفه..!! 

تغييب المشترك الثقافي 

وفي مساق هذا الانشطار الكياني قدمّ الطائف تسوية «متقدمة» عن تسوية الجمهورية الأولى على الصعيد الهُوياتي. فنصّ على ان لبنان وطن نهائي، وانه عربي الانتماء. وهو جزء من الصراع العربي الإسرائيلي. لكن النص الدستوري، التسووي المسيحي ـ الإسلامي؛ لم يجد ترجمته في ثقافة هوياتية جامعة لدى القوى الطائفية. فما جرى واقعياً بين 1990و2005، هو انبناء ثقافة التخاصم الطائفي الكياني. وقد تبدّت هذه الثقافة عند الفريق المسيحي في مطلب المشاركة المتوازنة، وفي رفض الأرجحية الإسلامية على الدولة. وهو مطلب كان يرافقه أحياناً قول بعض هذا الفريق بالعروبة. لكن أغلبه بقي ضمناً لا يرى فيها هوية جامعة. كما أنها تبدّت عند بعضه الآخر في طروحات كيانية ترى أن لبنان يتشكل من ثلاث مجموعات لغوية ثقافية (عربية ـ فرنسية ـ إنكليزية). أو بمعنى آخر، ليست للبنان هوية جامعة أو مشتركة بين أبنائه.. وظهرت عند الفريق الإسلامي في تثبيت أرجحيته وتعزيزها في الحكم، وفي بناء عناصر قوته السلطوية. وابتدع بوصفه الأقوى، أسلوب الإرضاء والوقوف على خاطر «الخلق». إذ حاول أن يستوعب أو يضم الفريق المعترض على ارجحيته، إلى «حماه» السلطوي. وأفاد هذا الفريق من عروبة منمذجة على مقاس نظام محدد. فوظفّها في خدمة مصالحه الفئوية، على غير صعيد. ومن ثم لم يبنِ كما نظيره، المشترك الثقافي القائم موضوعياً بين مكونات البلد المجتمعية.. 

وما بين رفض ضمني لهوية جامعة، وعروبة منمذجة رسمياً، جرت إعادة إنتاج المحددات الثقافية للأزمة. ثم لم تلبث هذه الأزمة أن اتخذت أشكالاً جديدة مع مسار التحولات السياسية والثقافية في خريطة القوى الطائفية في المرحلة الممتدة بين 2005 وحتى اليوم. وكلُّ مقترب سوسيو ثقافي يتفحص موضوعياً هذه التحولات يمكنه أن يكشف عن تحول كبير في رؤى وثقافة بعض الطائفيات، عمّا كانتا عليه في الجمهورية الأولى، وعن تجدد رؤى وثقافة بعضها الآخر وفاق صيغ محددة ! وعن سيولة رؤى بعضها الثالث في نطاق عدد من الثوابت والأصول الوطنية.. 

وعلى هذا، هناك فريق أو تيار طائفي أعرض عن رأسماله الثقافي التاريخي، أي عن طروحاته ورؤاه الفكرية حول موقع لبنان من الصراع، وحول العروبة وخصوصاً العروبة الناصرية؛ وارتحل الى لبنانية كيانية وأقام في معاقلها.. 

هذه الإقامة جعلته يترجم الكيانية في شعار لبنان أولاً. وهو شعار دال على مدلول وحيد، هو تحييد لبنان عن الصراع العربي الإسرائيلي. والتحييد لا يتطلّب الحرب والقتال. ففيهما تتجلى ثقافة الموت لدى دعاتهما، بل يتطلّب «ثقافة العيش وحب الحياة». ثم تزينت هذه الثقافة بالانفتاح غير المشروط على الغرب الكولونيالي. فرحّب بها الاخير وتبنى تيارها وصنّفه في خانة التيار الاسلامي «المعتدل». فكان موقعه «الاعتدالي» أي موقع « الرشد والحكمة» يقتضي من هذا التيار ان يُعرض عن العروبة الناصرية، وان يذهب الى عروبة «صحراوية» «رشيدة وحكيمة». ومن ثم ان يكثر من الحديث عن عروبة «معتدلة وحضارية». والعروبة الحضارية هنا لا تعني سوى نبذ الحرب والتخفف من عداوة إسرائيل وعقد الصلح معها بحسب شروطها التي هي الى حد كبير شروط الغرب الكولونيالي. والأخذ بهذه الشروط جعل التيار «المعتدل» يستبدل إيران باسرائيل عدوة للأمة العربية و«لعروبته الحضارية» بالذات

لقد ارتكز هذا التيار على ثقافة كيانية معهودة. فانفتح على الغرب، بلاد ما وراء البحر، وابقى على الجبل حاجزاً بوجه «صحراء عربية قريبة» لكنه قفز عنه الى «صحراء عربية بعيدة». فكانت صحراؤه أصلاً من اصول «عروبته الحضارية والاقتصادية» على حد سواء... بتعبير آخر، لقد أعاد بناء ثنائية البحر والجبل في صيغة كيانية جديدة.. وهكذا، اذا كانت الثنائية الشيحاوية قد قامت على انتاج ثقافة الازمة الكيانية، فإن ثنائية التيار المذكور أدارت طيلة السنوات الخمس الأخيرة، مساراً مضطرباً من الأحداث والوقائع، أي أن ثنائيته تقوم على إدارة الفوضى الكيانية التي شاركته في صنعها الطائفيات كلها. فكان أن قدّم بالتالي شيحاوية هزلية تعاهد فيها البحر والصحراء على ثقافة «الاعتدال والواقعية

ومع هيمنة الريع، يغدو من الطبيعي ان تأنف بنيته من ثقافة الانتاج اي ثقافة القوى المنتجة في مصادر رزقها وحاجات عيشها وهمومها الوطنية، وان تنغمس في ثقافة ريعية اي في ثقافة التنعّم بالمال والافتتان بالمتعة السريعة كما الربح السريع، والتفاخر في فنون الاستهلاك وضروبه والتباهي بمظهرية خادعة او مزيفة، وكي يتراكم الربح، كان لا بد من سلطة تؤمن شروط تراكمه، كما شروط تنامي ثقافة الاستهلاك «العصري». وعليه، فكل ثقافة تغلّب مقولة العيش من أجل الاستهلاك ، تعبّر عن هشاشة حاملها البنيوي، وعن سطحية تفكيره، وبالتالي عن قابليته النفسية والفكرية لتبديل خياراته الوطنية والقومية أو أي خيارات أخرى لديه... 
هنالك فريق طائفي ما زال مفتتناً بطروحاته الكيانية. وهي طروحات مستمدة من ثنائية البحر والجبل، وقد اعتد بنفسه وفاخر بها لأن التيار الأول اخذ بقسم واسع من طروحاته تلك. لكن هذا الفريق جارى التحولات الأخيرة في لبنان. فأضاف الصحراء البعيدة الى ثنائيته. ثمّ أخذ يرطن بعروبة لفظية لكل لفطة منها وظيفة في النفع وفي السياسة. اما فصاحته الحقة، فبقيت على حالها لجهة تحييد لبنان عن الصراع وعقد الصلح مع اسرائيل ورفض اي ثقافة وطنية لبنانية وتصويرها إما انها وزر ثقيل على طبيعة لبنان الطائفية، أو أنها وسيبلة الخارج وهو هنا الصحراء القريبة، للتدخل في الشؤون اللبنانية. انه فريق اصيل في لبنانيته الكيانية الضيقة، ولذلك، تلقاه على عهده في اصالتها وخصوصاً بعد ان عززتها عروبة «الاعتدال» او عروبة موادعة العدو الصهيوني، بالولوج الى عروبة اقتصادية مثمرة. كما تلقاه يحفظها بدوغمائية معممة حيث تتوسل التبسيط والسطحية والبداهة، وتقدّم نفسها باسلوب القطع واليقين، وبلغة تكرر القديم بدلالات مؤدلجة... فدلالة الجماعات اللبنانية تحيل «حتماً» الى الطوائف؛ والى ان لبنان هو بالبداهة بلد طائفي وطرح المجتمع المسيحي (بين الحين والآخر)، يدل بشكل «قاطع» على وجود «نقيض» له، هو المجتمع الاسلامي، أي على وجود حضارتين او ثقافتين «مستقلتين» في لبنان، ولكل واحدة مرتبتها في معارج التقدم التاريخي. والحديث عن الخصوصية يدل «حكماً» على الوجود المسيحي . والكلام على العروبة يدل دون «لبس» على «الذوبان المسيحي» في المحيط الاسلامي الكبير

هكذا يبني الفريق المذكـور هويته الكيانية. وهو بناء ايديولوجي يتــصف بثقافة البداهة والاختزال . وتلك ثقافة تعبّر عن طبيعة اطارها المجتمعي. فهذا الاطار، تتوزعه فئات طبقية وسطى وصغيرة، وذات اصول ريفية وجبلية غالبة. وقد جعلتها هذه الأصول تمجّد الجبل وريفه، وتعلي من شأنه كمعقل خاص لها، تعتز به و«تستقل» من خلاله عن الآخر، في سبيله، تفتتن بذاتها الجمــاعية وتعدها في باب الفرادة. ترتاح الى ما وراء البــحر لأنه يرسّخ خصوصيتها. وتتوجس من وراء الجبل لأنه لا يتورع عن تهديدها... ولعل هذا ما جعلها على وعي ايديولوجي ضيق. وهو وعي يأنس بقابلية عالية، الى البداهة والسطحية والتبسيط، في اعلاء انتمائها الى هوية لبنانية ضيقة... 

وثمة فريق او تيار طائفي يتشكل من الفئات الطبقية نفسها، غير انه اكثر حضوراً في فئات مدينية وخصوصاً في الضواحي الجديدة. وهذه الميزة خوّلت نخبه ان تنفتح لاحقاً على خيارات فكرية وسياسية مغايرة لما كانت عليه طبيعة خياراته الاصلية

لقد كان هذا التيار يعبّر في اصول نشأته، عن ثقافة تكوينه المجتمعي في غلبة واضحة للطابع الريفي عليها. فكان ان قدّم خطاباً منطوياً على الطروحات الكيانية وعلى ثقافة الثنائية ذاتها. إلا انه ميّز خطابه بشعبوية تنغرس في تربة الريف والجبل والاحياء الشعبية في المدن، ما جعله يغدق عليه لبوس المنعة والاستقلال، والعنفوان والتحدي، والعزة والسيادة، والمجد والحرية، والانفة والتشوف في العلاقة مع الآخر. وتلك مفردات تحيل في مساق الخطاب الكياني التاريخي الى التسامي بثقافة الهوية اللبنانية والضيقة، ورفض او توهين اي انتماء الى هوية أخرى

وحافظ التيار على خطابه في الجمهورية الثانية الى عام 2005، وبعد خروج سوريا من لبنان، اخذ يجري تعديلات على رؤاه الفكرية والثقافية. وقد جاءت تعبيراً عن تغليب وعيه المديني في هذه المرحلة. فدخل في ضوئها في تجربة قيل عنها انها جديدة. اذ تفاهم مع من لم يكن ممكناً ان يتفاهم معه من ذي قبل. وانفتح على ثقافة الآخر، ولم يحسبها ثقافة ضدية لثقافته، بل وجد فيها خصوصية تغني واقع التنوع في لبنان. كما انفتح على ثقافة المقاومة، ورأى ان لبنان جزء من الصراع العربي الاسرائيلي، وتصالح مع خصمه الشرقي، ولم يأبه للتداعي السياسي عليه. ثم تحدث عن هوية مشرقية للمسيحيين، تستقي عناصرها من حضورها التاريخي الفاعل ومن تثاقفها مع المشرقيين كافة

وفي داخل خريطة القوى نفسها، يبرز فريق رابع يتشكل هو الآخر من فئات طبقية وسطى وصغيرة تنتشر في الريف، وفي الاحياء الشعبة للمدن وفي ضواحيها وتتوفر على ثقافة عامة يغلب عليها طابع الثقافة الشعبية والدينية الرفضية. وقد افاد هذا الفريق من ثقافة الرفض التي يختزنها تكوينه المجتمعي، فعمل على تأطيرها داخل ثقافة متسقة ومتكاملة، آخذاً بمنظومة ايديولوجية دينية ومتمايزاً بذلك عن القوى الأخرى. وهي منظومة ما فوق كيانية تحيل الى رؤية اوسع بكثير، اي الى رؤية ملتزمة بالقضايا الوطنية الكبرى سواء في لبنان أم في الاقليم... لذلك، رأى ان لبنان جزء من الصراع العربي الاسرائيلي. وقد خاض طويلاً في مجرى هذا الصراع. وقدّمت مقاومته تجربة رائدة في بابها. ثم ركّز على طرح ثقافة المقاومة وعدّها عنصراً من عناصر هويته

لكن هويته اصطبغت بالتناقض بين وظيفته وتركيبته. فهو يقوم بوظيفة وطنية وقومية ذات طبيعة جامعة. وهو يتكون من تركيب طائفي ذي طبيعة انقسامية في الانتظام الطائفي اللبناني. كما اصطبغت بثنائية العروبة والاسلام. وهي ثنائية تدخل الالتباس الى هويـته اذا لم يجر تحديد اي من طرفيها هو المرجع الانتمائي، واذا لم تتحول الوظيفة الوطــنية والقومية الى عاصم فكري وسياسي ضد التطييف . اما اذا استمر ذنيك التناقض والالتباس، فإن هذا الفريق لا يستطيع ان يقدّم الا خطاباً مركباً وغير متطابق في ثقافة الهوية. وهو خطاب يؤدي الى همينة المفارقة الدائمة التي تنتجها علاقة التراكب غير السوي بين الوطني والقومي، والديني والطائفي في «منظومة واحدة» لا انتظام متسقاً بين عناصرها ومكوناتها

يتضح من خلال هذا المقترب المكثف، ان رؤى وثقافة القوى الطائفية في مرحلة التحولات بين 2005- 2010 قد أعادت انتاج المحددات الثقافية للازمة اللبنانية. وكل منها أعاد انتاجها بترتيل او تجويد خاص به. لكنها تشاركت في تعميق مأزق الهوية. وهو المأزق الذي شكل القاع الثقافي والسوسيولوجي لديناميات التخاصم الطائفي بين 8 آذار و14 آذار طيلة المرحلة المذكورة
أما التصدي للأزمة، فإنه يبدأ من بناء المشترك الثقافي بين مكونات لبنان المجتمعية.

إقرأ المزيد... Résuméabuiyad