مجموعة اليسر للتدريب والاستشارات تأمل من زوارها الكرام المشاركة في الاستطلاعات التي تجريها بفعالية نظرا لفائدتها العالية
مجموعة اليسر للتدريب والاستشارات هي شركة تضامن لبنانية مسجلة تحت الرقم 489 تتنشط في مجال الدورات التدريبية والمؤتمرات العلمية والتربوية والاجتماعية والادارية والثقافية والتنمية والارشاد الاسري والاجتماعي ، واصدار المنشورات المتخصصة ، وتقديم الاستشارات في المجالات المذكورة وتوقيع الاتفاقيات مع الجامعات والمؤسسات والشركات الوطنية والعالمية على انواعها والقيام بالاستطلاعات والابحاث العلمية والدراسات المتخصصة في لبنان والخارج - نتمنى لكم زيارة ممتعة
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ابستمولوجيا. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات ابستمولوجيا. إظهار كافة الرسائل

17‏/12‏/2010

الاستقراء


يدل المعنى اللغوي لكلمة الاستقراء induction على التتبع وعلى تفحّص البلاد قرية فقرية، وهو معنى يتفق مع المعنى الاصطلاحي إلى حد كبير، إذ يدل الاستقراء، في لغة الحديث العام، على الاستدلال المباشر الذي يعتمد على التخمين، وعلى السيرورة البنائية منه خاصة التي تنتقل بالمرء، مستدلة جزئياً ومُخمِّنة جزئياً، من بعض العلامات إلى بعض الوقائع الاحتمالية في كثير أو قليل، وهذا ما جعل كوندياك[ر] يرى أن كلمة استقراء لا يمكن قولها لدى الحديث عن نتيجة بديهية.
ولكن للاستقراء معنى فلسفياً مختلفاً يتعلق بنظرية المعرفة أو المنهج، فهو يعني العملية التي ينتقل الذهن بها من عدد معين من القضايا المفردة أو الخاصة تدعى مستقرئِة، إلى قضية أو عدد قليل من القضايا أعم منها تدعى مستقرَأة، بحيث تشمل القضايا المستقرَئة كلها. وقديماً عرّف أرسطو[ر] الاستقراء بقوله: «إنه الانتقال من الحالات الجزئية إلى الكلي الذي ينظمها». والاستقراء نوعان: تام وناقص:
أما الاستقراء التام (أو الصوري) فهو الحكم على الجنس لوجود ذلك الحكم في أنواعه جميعاً. وكان أرسطو أول من أشار إليه. ومثاله: الجسم إما حيوان أو نبات أو جماد، وكل من الحيوان والنبات والجماد متحيز (يشغل حيزاً) فينتج أن كل جسم متحيز. ويُلاحظ أن هذا الاستقراء اتخذ صيغة قياس، وأن الحد الأوسط في المقدمتين كان بتعداد أنواع الجنس استقرائياً.
وأما الاستقراء الناقص (أو الموسع) فهو الحكم على الكلي بما حكم به على بعض جزئياته. ومثاله أن يحلل المرء مخبرياً عينة من الماء ويجد كل جزيء  منها يتألف من ذرتين من الهدروجين وذرة من الأكسجين، فيقول: إن كل ماء مؤلف من ذرتين من الهدروجين وذرة من الأكسجين.
أساس الاستقراء
ولكن ما الأساس الذي يقوم عليه الاستقراء؟ لقد رأى لاشلييه، أن البرهان على مبدأ الاستقراء، ينطلق مرة بعد أخرى من التجربة الخالصة ومن الأشياء أو الظاهرات ذاتها، ويعتمد ذلك على نوعين من الأسباب فاعلة وغائية. أما الأسباب الفاعلة فتتألف من سلسلة من الحدود، يعين وجود كل حد منها الحد الذي يليه، فيدرك المرء، وسط كثرة الظواهر، وحدة تربط بينها، ويسبق فيها الكل أجزاءه، ويخضعها له، مما ينتهي إلى خضوع الطبيعة (الأسباب الفاعلة) للأسباب الغائية.
وهذا يعني الإيمان بالحتمية، أي خضوع الطبيعة لقوانين ثابتة وكلية، مما يقضي إلى الحتمية أساس الاستقراء.
الاستقراء والبحث العلمي
ولكن الاستقراء بمفهومه الدقيق أصبح منهج بحث تعتمد عليه العلوم المختلفة. ففي الرياضيات يستخدم العلماء نوعاً من الاستقراء الصوري مطبقاً على الموضوع الرياضي، دعاه هنري بوانكاريه[ر] الاستدلال الرجعي raisonnement par récurrence وهو عملية ذهنية تقوم على تعميم متدرج يتناول كل حدود سلسلة معطاة، بعد تقرير مشروعية الانتقال من أحد حدودها إلى الذي يليه في السلسلة ذاتها ومثال ذلك: إذا كانت القضية صادقة بالنسبة إلى (ن=1) و(ن=2)، كانت صادقة بالنسبة إلى السلسلة (ن+1) وغيرها من الأعداد التامة.
 وفي العلوم الطبيعية يُستخدم الاستقراء منهجاً كذلك. وهو يمر بثلاث مراحل يتوجها القانون العلمي، وهي: الملاحظة والفرضية والتجريب، ومن الممكن ضرب عِلّة سقوط الأجسام مثلاً. لقد تتبع غاليليه[ر] حوادث سقوط الأجسام من فوق برج بيزا المائل، ولاحظ أنها تكاد تصل إلى الأرض في وقت واحد، على الرغم من اختلافها، عندئذ افترض وجود علاقة غير محددة بين المسافة والجاذبية والزمن وحينما أجرى تجاربه على السطوح المائلة، تأكد من هذه العلاقة وحددها في قانون.
وفي علم الاجتماع، وهو علم إنساني، يُستخدم الاستقراء أيضاً. وتعتمد الملاحظة فيه على استقراء معطيات التاريخ والدراسة المونوغرافية والإتنوغرافية والمعلومات الإحصائية. وهذه كلها بحاجة إلى التفسير، أي إلى فرضية. والتفسير يمكن أن يأتي ناقصاً أو خاطئاً، إذا اكتفى العالم بالنظر إلى الوقائع من الخارج، ولم يلاحظها في وجدانه: فالأسرة ليست حقيقة خارجية فقط، بل داخلية تتطلب لتفسيرها معايشة وجدانية. ومتى برز تفسيرها كان فرضية لابد من التحقق منها. والمثال على ذلك مأخوذ من دوركهايم الذي لاحظ أن هناك علاقة بين الحياة العائلية والانتحار: فحوادث الانتحار لدى العزاب أكثر منها لدى المتزوجين، وافترض أن الحياة العائلية ذات أثر في تقليل حوادث الانتحار، وأن هذه الحوادث تتناسب عكساً مع عدد أعضاء الأسرة وأطفالها. هنا لجأ دوركهايم إلى الملاحظة المستدعاة التي تقوم مقام التجريب، معتمداً على الإحصاءات فتبين أن معدل الوقاية بالمقارنة مع العزاب، هو 2.9 لدى الرجال المتزوجين الذين لهم أولاد، و1.5 لدى المتزوجين وليس لهم أولاد، وأن عدد حوادث الانتحار يقل كلما ازداد عدد أفراد الأسرة، ولاسيما عدد الأطفال.
وهناك مناهج استقرائية أخرى تلحقها تعديلات خاصة، بحسب اختلاف الوقائع التي تؤلف موضوعها، مثل منهج علم الحياة ومنهج علم النفس وغيرهما.
قيمة الاستقراء 
ولكن ما قيمة الاستقراء؟ إن مجرد طرح السؤال يعني الإيمان بوجود استقراء مستقل عن غيره من طرائق التفكير. وهذا ما لا يسلم به بياجه[ر]. فهو يقول: «إن أولى مسائل الاستقراء هي، على أقل تقدير، معرفة هل هناك شيء يدعى الاستقراء؟» ويتابع كلامه مبيناً أنه يظل مختلطاً بالاستنتاج، فيقول:«لقد رفض بعضهم أن يتكلم عن الاستقراء، كما يتكلم عن استدلال نوعي، فجعل منه منهجاً: وهو منهج يعتمد على المعطيات التجريبية، ليعالج ضروب القصور في الاستنتاجبيد أن المنهج يشمل هو ذاته استدلالات، وهذه ترتد دائماً إلى الاستنتاج في نهاية التحليل».
ومن هذا يبدو أنه ما من استقراء مستقل عن الاستنتاج. ولما كانا معاً عمدة التفكير كان لابد من الاعتراف بأن قيمة الاستقراء منوطة بقيمة التفكير كله، ليس في تداخله مع الاستنتاج فقط، وإنما في تداخلهما جميعاً مع التحليل والتأليف أيضاً، لأن الاستدلالات التي تكلم بياجيه عنها لابد لها من أن تكون هي عمليات التحليل والتأليف التي ترافق الاستقراء والاستنتاجوهذا ينتهي إلى أن قيمة الاستقراء ترتبط بقيمة المعرفة الإنسانية كلها، وأن تحديد قيمة هذه يستوجب تحديد قيمة ذاك.

إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

الآخر




    يُعَّد وجود الآخر أو«العقول الأخرى» other minds من أهم المشكلات الفلسفية عموماً ومشكلات نظرية المعرفة على وجه الخصوص. وقد عالجها عدد كبير من الفلاسفة ووضعوا حلولاً لها.
    والحل التقليدي هو ما يسمى بالقياس أو ببرهان المماثلة. فما ذلك البرهان؟ تعتمد الصورة العامة للبرهان على المبدأ التالي: إِذا وَجد أن ظاهرة (أ) رافقت ظاهرة(ب) فيمكن الاستنتاج استنتاجاً ترجيحياً أن أية ظاهرة مشابهة للظاهرة (أ) سترافق ظاهرة مشابهة للظاهرة (ب). أما ما يتعلق بمشكلة وجود الآخر فيمكن القول: إِنه لمّا كنت ألاحظ وجود ترافق بين حالاتي العقلية من جهة وسلوكي والحالة الفيزيائية لجسدي من جهة أخرى, ولمّا كنت ألاحظ وجود أجساد أخرى مشابهة لجسدي وأن لها سلوكاً مشابهاً لسلوكي, فإِني حينئذ سأكون محقاً في الاستنتاج, عن طريق المماثلة, أنه توجد حالات عقلية مشابهة لحالاتي العقلية مرتبطة بتلك الأجساد وبالطريقة نفسها التي ترتبط بها حالاتي العقلية بجسدي.
    ذلك هو برهان المماثلة الذي اعتمده الفلاسفة التقليديون للقول بوجود الآخر.
    أما الفلاسفة المعاصرين من فلاسفة التحليل اللغوي وفلاسفة الوجودية فقد رفضوا برهان المماثلة. لقد وجّه إِليه فلاسفة التحليل اللغوي انتقاداً شديداً. وانتهى فتغنشتاينWittgenstein وبعده ستراوسون Strawson إِلى رفضه بعدّه غير صحيح مع تأكيدهما أن سلوك الآخرين وحالاتهم العقلية ليست علاقة جواز contingent  بل هي علاقة منطقية. أما الآخرون, أي الوجوديون فقد أثبتوا وجود الآخر إِثباتاً وجودياً ديالكتيكياً. وفيما يلي أهم الاعتراضات على برهان المماثلة:
    يقال من الوجهة الإِحصائية إِن البرهان ضعيف, لأنه يقوم على أساس واحد هو تجربتي أنا, أي تجربة شخص واحد, ومن الوجهة النفسية يقال إِن هناك فروقاً فردية مهمة بين خصائص الأجساد الأخرى وسلوكها, وسلوك جسدي أغفلها أصحاب برهان المماثلة, فقد يقابل تلك الفروق وجود حالات عقلية عندي وغيابها عند الآخرين. ومن الوجهة المنطقية يقال إِن من المستحيل امتحان نتيجة البرهان امتحاناً منطقياً.
    لقد أكد الوجوديون وجود الآخر وجوداً أنطولوجياً- ديالكتيكياً. فالآخر متناقض مع الأنا منطقياً ومتعارض معها أنطولوجياًًًًً. ويذهب سارتر إِلى حدًّ يقول فيها: «الآخر هو الجحيم» ويقصد بذلك, أن الآخر عقبة في طريق حريته, أي حرية الأنا, وتضييق لمجال اختياراته.
    أما هَيْديغر Heidegger فقد قدم أهم معالجة أنطولوجية لمشكلة الآخر, ويقول في كتابه «الوجود والزمان» إِن وجود الإِنسانية هو«الأنية» أي «الوجود هناك» أي الوجود في العالم بالمعنيين المكاني والأنطولوجي, والآخرون هم دائماً معي وأنا أشاركهم في العالم. العالم هو «عالم مع» والإِنسان الموجود يعيش في وضعٍ منفتح دائماً يدخل فيه الآخرون. فوجود الآخرين هو بالنسبة إِلى «الأنا» وجود أصيل.
    «الأنا» هي «وجود مع ...» بصورة دائمة, حتى في حالة العزلة يظل «الأنا» وجوداً مع الآخرين.
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

الإبستيمولوجيا

الإبستيمولوجية epistemology مصطلح ذو أصل إغريقي مؤلف من كلمتين: epistemo وتعني المعرفة و logos وتعني علم. ويعني المصطلح حرفياً علم المعرفة أو علم العلم.
وكان أول من وضع هذا المصطلح الفيلسوف الاسكتلندي جيمس فريدريك فيرييه (1808 - 1864) حين ألف كتابه مبادئ الميتافيزيقا. إذ قسم الفلسفة فيه إلى قسمين: أنطولوجية [ر] وإبستيمولوجية.
أما المعنى المعاصر لمصطلح إبستيمولوجية في الفلسفة العربية والفرنسية فهو: الدراسة النقدية للمعرفة العلمية.
ومع أن مفهوم «العلم» حاضر في تاريخ الفلسفة، ولاسيما عند أفلاطون وأرسطو وديكارت ولوك وليبتنز [ر] فإن الإبستيمولوجية بوصفها مبحثاً مستقلاً موضوعه المعرفة العلمية، لم تنشأ إلا في مطلع القرن العشرين حين اتجهت إلى تحديد الأسس التي يرتكز عليها العلم، والخطوات التي يتألف منها، وإلى نقد العلوم والعودة إلى مبادئها العميقة. وذلك بتأثير التقدم السريع للعلم، والاتجاه نحو التخصص المتزايد، وما ولدّه ذلك من تغيّر في بنية منظومة العلوم، ومن صعوبات وإشكالات ذات طبيعة نظرية.
والإبستيمولوجية بوصفها الدراسة النقدية للعلم تختلف عن نظرية المعرفة [ر].
ففي حين تتناول نظرية المعرفة théorie de la connaissance عملية تكون المعرفة الإنسانية من حيث طبيعتها وقيمتها وحدودها وعلاقتها بالواقع، وتبرز - بنتيجة هذا التناول - اتجاهات اختبارية وعقلانية ومادية ومثالية، فإن موضوع الإبستيمولوجية ينحصر في دراسة المعرفة العلمية فقط.
وإذا كانت الإجابات التي تقدمها نظرية المعرفة «إطلاقية» وعامة وشاملة، فإن الإبستيمولوجية تدرس المعرفة العلمية في وضع محدد تاريخياً، من دون أن تنزع نحو إجابات مطلقة.
بل ترى الإبستيمولوجية في التعميمات الفلسفية لنظرية المعرفة عائقاً أمام تطور المعرفة العلمية. ذلك أن التصورات الزائفة عن المعرفة تؤثر سلبياً في مجال المعرفة العلمية، وخاصة حين تضع حدوداً للعلم.
فالإبستيمولوجية ليست استمراراً لنظرية المعرفة في الفلسفة بل هي تغير كيفي في النظر إلى علاقة الفلسفة بالعلم، وتجاوز للتناقض بين نظرية المعرفة والعلم.
وليس هذا فحسب، بل إن الإبستيمولوجية أتت على ما كان يعرف بفلسفة العلم philosophy of science التي تولدت من علاقة الفلسفة بالعلم وتناولت جملة موضوعات أهمها علاقة العلم بالمجتمع وتأثيره في تكوّن النظرة الفلسفية إلى الطبيعة والكون.
أما من حيث الاختلاف بين الإبستيمولوجية ومنطق العلم [ر] logic of science، فإن منطق العلم أقرب المباحث إلى الإبستيمولوجية. ذلك لأنه يحلل لغة العلم تحليلاً منطقياً. ويبحث في مناهج الكشف العلمي ومنطقه، لكن أنصاره يقطعون كل صلة بينه وبين الفلسفة.
وإذا كانت الإبستيمولوجية مبحثاً موضوعه المعرفة العلمية، وهدفه التحليل النقدي لها، فما هي مشكلات العلم التي تتطلب تدخلاً إبستيمولوجياً؟
تعد مشكلة المسار الذي تسلكه المعرفة العلمية واحدة من أهم مشكلات الإبستيمولوجية.
ولقد انقسم الإبستيمولوجيون - في النظر إلى هذه المشكلة - إلى فريقين: فريق نظر إلى مسار العلم على أنه سيرورة متصلة مستمرة لا انقطاع فيها ولا انفصال.
وفريق آخر رأى أن مسار العلم مسار انقطاع واضطرابات وأزمات وثورات.
ويعد إميل ميرسون Emil Meyerson وليون برنشفيك Léon Brunschvicg أهم دعاة الاتجاه الذي يقول بالاستمرارية. والمعرفة العلمية - من وجهة نظر هذا الاتجاه - استمرار وتطور للمعرفة العادية. كما أن كل معرفة علمية جديدة هي استمرار للمعرفة العلمية السابقة فتاريخ العلم سلسلة يتولد بعضها من بعض. وما التغير الذي يحدث في العلم إلا تغير تدريجي. ويدللون على صحة رأيهم بالتطور التدريجي للمنهج العلمي وطريقة انتشاره.
فالمنهج العلمي الاستقرائي الحديث تمتد جذوره في الماضي، وقد تمَّ انتشاره واستيعابه شيئاً فشيئاً عن طريق علماء متخصصين في العلوم الطبيعية ولاسيما في علم الفيزياء.
أما من حيث لغة العلم، فيرى أنصار الاستمرارية أنها استمرار للغة العامة، مع تميز لغة العلم من هذه الأخيرة بطابعها الرمزي.
أما الاتجاه الثاني الذي يقول باللااستمرارية وأهم ممثليه غاستون باشلار [ر] وتوماس كوهن Th. Cohn ولوي ألتوسير Louis Althusser وميشيل فوكو Foucaultفإنه ينطلق - على العكس من الاتجاه السابق - من أن تاريخ العلم تاريخ قطْعٍ بين المعارف العلمية البالية والمعارف الباقية.
والذي يفصل بين هذين النمطين من المعرفة العلمية هو مفهوم القطيعة الإبستيمولوجية.
ليست المعرفة العلمية امتداداً للمعرفة العامية، بل هي انتقال من التجربة إلى «العقلنة» rationalization ومن الملاحظة المضطربة إلى المعرفة الموضوعية.
ولو صح أن المعرفة العلمية هي استمرار للمعرفة العامية لصح أن يكون اختراع المصباح الكهربائي استمراراً للمصباح العادي.
ولكن الأمر ليس على هذا النحو، فاختراع المصباح الكهربائي ثمرة معرفة علمية بالعلاقات بين الظواهر، ودراسة وصلت مرحلة التعبير عن هذه العلاقات بصيغ رياضية.
كما أن المنهج العلمي ذاته لايقوم على الاستمرارية، فكتاب ديكارت [ر] «مقال في المنهج» لاينطوي اليوم على أي فائدة تذكر في البحث العلمي، كما أن منهج بيكون [ر] الاستقرائي لم يعد صالحاً في تحصيل المعرفة العلمية.
ولغة العلم - هي الأخرى - تختلف اختلافاً كلياً عن اللغة العادية، فاللغة التي تستخدمها الفيزياء ذات دلالة مختلفة عن اللغة العادية. حتى لو استعارت الفيزياء لغتها من هذه الأخيرة فلكلمة ذرّة في الفيزياء معنى مختلف عن كلمة ذرّة في اللغة العادية.
ولغة العلم ومناهجه معياران أساسيان في حدوث القطيعة الإبستيمولوجية.
فلغة العلم لغة متجددة دائماً والعلم صوغ مستمر للمفاهيم والمصطلحات، إلى حد تغدو معه لغة العلم الجديدة مختلفة عن لغة العلم القديمة.
فلغة المنطق الرمزية عند رَسِلْ مختلفة كلياً عن لغة منطق أرسطو، لأن لغة المنطق الرمزية لاتحتمل أكثر من معنى واحد.
وقد توصل مؤسسو علم الفيزياء الحديث إلى أن المنهج الاستقرائي [ر] أصبح عاجزاً عن قراءة كتاب الطبيعة، ولهذا عولوا على المنهج الاستنباطي الرياضي [ر]. ولقد توصل نيوتن إلى نظريته في الميكانيك وقانون الجاذبية عن طريق المنهج الاستنباطي وليس عن طريق الاستقراء.
وإلى جانب مسألة تاريخ العلم تبحث الإبستيمولوجية في مسألة تصنيف العلوم. وهي مسألة عالجتها الفلسفة من قبل، غير أن الإبستيمولوجية رفضت التصنيف السكوني للعلوم الذي يقوم على أساس تصنيف الملكات الذي يعود إلى أرسطو. إذ صنّفت العلوم وفقاً للملكات عل النحو الآتي:
1- ملكة العقـل: وتشمل الرياضيات والفيزياء والفلسفة.
2- ملكة الذاكرة: وتشمل التاريخ والتاريخ الطبيعي.
3- ملكة الخيال: وتشمل الشعر.
كما تجاوزت الإبستيمولوجية تصنيف العلوم على أساس الانتقال من أكثر العلوم عمومية وبساطة إلى أكثرها خصوصية وتعقيداً، وهو تصنيف يعود إلى أوغست كونت .
مع ذلك يتفق الإبستيمولوجيون على تصنيف موحد للعلوم فهناك التصنيف الجدلي للعلوم الذي قدمه الإبستيمولوجي السوفييتي ب. كيدروف الذي يرى أن العلوم ثلاثة أنواع:
العلوم الطبيعية، والعلوم الاجتماعية، والعلوم الفلسفية، مقتفياً في ذلك أثر أنغلز .
ولكنه رأى أن هناك علوماً متوسطة بين العلوم السابقة، فالعلوم التطبيقية: كالزراعة والطب، تقع بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية. والرياضيات تقع بين العلوم الطبيعية والعلوم الفلسفية. ويرتبط علم النفس بجميع العلوم الأخرى إذ يرتبط بالعلوم الطبيعية من طريق نظرية النشاط العصبي ويرتبط بالعلوم الاجتماعية عن طريق علم اللغة ويرتبط بالعلوم الفلسفية عن طريق المنطق ونظرية المعرفة. أما الفلسفة فإنها تنفذ إلى جميع العلوم لأنها تمدها بالمنهج العام.
أما جان بياجيه  فيقسم العلوم إلى مجموعات أربع: العلوم المنطقية الرياضية والعلوم الفيزيائية والعلوم البيولوجية والعلوم النفسية - الاجتماعية ومنها الألسنية وعلم الاقتصاد. وبين هذه العلوم علاقة متبادلة.
ويقترح فوكو تصنيفاً آخر للعلوم مؤسساً على مجال المعرفة العام ذي الأبعاد الثلاثة:
البعد الأول: هو العلوم الرياضية والفيزيائية، وهي العلوم التي يقوم نظامها على تسلسل استنباطي للحقائق البدهية أو التي يتم التدليل عليها بالبرهان.
والبعد الثاني: هو علوم الحياة والاقتصاد واللغة. وهي علوم تدرس ظواهر مستقلة لكنها ترتبط بروابط كليّة، وما يربط بين البعد الأول والثاني هو استخدام الرياضيات.
البعد الثالث: الفلسفة، يرتبط هذا البعد بالبعد الثاني بتشابه الموضوعات. «الحياة والإنسان والرموز» كما يرتبط بالبعد الأول بإضفاء صفة الصورية على الفكر.
أما العلوم الإنسانية فلامكان لها في تصنيف كهذا وهذا لايعني أنه لا وجود لها، بل هي موجودة على تخوم العلوم السابقة. فعلم النفس يعتمد على النموذج البيولوجي. ذلك لأنه يدرس كل ما هو امتداد للوظائف البيولوجية، وما يؤدي إلى قيام تمثل لدى الإنسان.
ويعتمد علم الاجتماع على علم الاقتصاد، لأن موضوعه الإنسان الذي ينتج ويستهلك ويقيم علاقات مع المجتمع الذي يعيش فيه.
وعلم الآداب والأساطير يجد نموذجه في علم اللغة، ومهما يكن من اختلاف في تصنيف العلوم، فإن هذا التصنيف يهدف إلى تحديد العلاقة المتبادلة بين العلوم، من حيث موضوعاتها ومناهجها. وتحديد أوجه التشابه والاختلاف بين أشكال المعرفة العلمية ومن الصعب تقديم تصنيف تام للعلوم ذلك لأن هناك علوماً جديدة دائماً وانقساماً مستمراً للعلوم القديمة. واكتشافاً لترابطات تنشئ علوماً متوسطة كالكيمياء الحيوية والفيزياء الحيوية والكيمياء الجيولوجية وغيرها.
وإذا كانت مشكلتا سيرورة العلم وتصنيفه تنتميان إلى تاريخية العلم فإن بنية المعرفة العلمية تطرح - إبستيمولوجياً - مسألة إنتاجها والعلاقة التي تقوم بين الذات والموضوع وبين العقل العالم ومعطيات الواقع، ليصار إلى تحديد دقيق للواقعة العلمية.
فالعلاقة التي تقوم بين الذات والموضوع في المعرفة العلمية علاقة مركبة، فلاوجود لواقعة علمية تُسند إلى معطيات مباشرة فقط من دون مبادئ عقلية، كما أنه لاوجود لمبادئ عقلية من دون معطيات مباشرة.
ولما كان العلم يهدف إلى تحقيق المعرفة النظرية، فالمعرفة النظرية هي ثمرة العلاقة المركبة بين العقل والطبيعة. وإذا كانت العلاقة بين الذات والموضوع قد فهمت في المراحل المبكرة من تطور العلم على أنها حوار بين الذات، والموضوع المناقض لها، فإن العلم المعاصر قد دلل على تعقيد هذه العلاقة، فالحوار بين الذات والموضوع يجري اليوم بين عقل مسلح بكل المعرفة السابقة والموضوع الذي ركّبه نشاط العالم العقلي.
ففي الفيزياء والكيمياء المعاصرتين لم تعد ظواهر العالم الخارجي - بوصفها معطيات مباشرة - هي موضوع المعرفة العلمية، بل تلك الموضوعات المعقدة التي نشأت بفعل تركيب دقيق وعميق من قبل العالِم المسلح بتقنية عالية، من دون أن تفقد هذه الموضوعات واقعيتها.
وقد أصبحت التجربة العلمية، في ضوء ما تقدم صورة للنشاط الاختباري والمنطقي للذات. ولم يعد موضوعها صورة طبق الأصل عن الواقع الموضوعي. إنها ثمرة شروط هي ثمرة تدخل العالِم، وإن تدخل الذات - العالِمة قد طرح مسألة الدور الفاعل للذات في المعرفة العلمية. فالعلم - أساساً - يقوم بوصف علاقات بين متغيرات. والنظريات العلمية لاتنطوي إلا على عدد محدود من المتغيرات، على النقيض من الواقع الذي يحتوي على عدد كبير منها. فالظاهرة يمكن أن تتأثر بعوامل لاحصر لها. ويقتضي وصف الظاهرة ـ علمياً ـ إزاحة جملة من الصفات السطحية غير المهمة. ووضع فرضيات علمية عما هو أساسي وغير أساسي.
ونتيجة لذلك لم تعد الواقعة العلمية مجرد ظاهرة خاصة، بل هي ثمرة تدخل نشط وفعّال لذات تتصف بالقدرة على التخيّل.
فكل كشف أو توسع في المعرفة العلمية يبدأ، بوصفه تصوراً خيالياً قبْلياً لما يمكن أن تكون عليه الحقيقة العلمية. ولايمكن فهم عمل الخيال إلا من حيث هو إعمال العقل أو استخدام الحواس.
غير أن العالِم لايستطيع أن يحوّل حدسه أو خياله إلى إبداع علمي من دون المثابرة العلمية، فيوحد، على نحو أصيل، الحدس والاختبار والموضوعية وسعة الأفق.
إن الإبستيمولوجية لاتكتفي بتحديد الشروط العلمية لإنتاج المعرفة العلمية. وإنما تسعى - أيضاً - لبحث شروط المعرفة العلمية الاجتماعية. وآلية ذلك أن الاستقلال النسبي للمعرفة العلمية لايفصلها إطلاقاً عن شروط تكونها التاريخية - الاجتماعية، وهذا ما يجعل من مبحث علم اجتماع المعرفة جزءاً لايتجزأ من البحث الإبستيمولوجي.
فلقد رأى جورج غورفيتش - مثلاً - أن الداروينية تتبنى في علم الحياة مبدأ التنافس في الحياة الرأسمالية.
كما أن الأبحاث العلمية - لاسيما في العلوم الدقيقة - تكون في ترابط مع الأيديولوجية وذلك بما تحتاج إليه تلك الأبحاث من مختبرات وأجهزة بحث واختبارات واسعة النطاق، ومؤسسات خاضعة على نحو ما لأهداف قومية.
ويظل الحكم بوجود اختلاف بين العلم والأيديولوجية صحيحاً، فأحكام العلم أحكام حول حقائق قابلة للإثبات أو الدحض، وذات طابع موضوعي، تحظى بالقبول من العلماء، أما أحكام الأيديولوجية فهي أحكام قيمية، تتعلق بما يجب أن يكون، مع اعتمادها في كثير من الأحيان على حقائق علمية.
لكن المشكلة التي تطرحها الإبستيمولوجية هي التالية: هل تمثل الأيديولوجية عقبة أمام تطور المعرفة العلمية أم هي حافز من حوافز تطورها؟
إن العلم ممتزج بالممارسة الأيديولوجية وذلك حين يستعير القول الأيديولوجي ضماناته من النظريات العلمية. أو حين يتكون العلم في حقل الممارسة الأيديولوجية.
وقد لاحظ كانغلم Canguilhem عندما تساءل عن انبعاث المذهب الحيوي Vitalism في البيولوجية، أن تصور عودة المذهب الحيوي المتكررة الهجومية والدفاعية، بوصفها مرتبطة بأزمة ثقة المجتمع البرجوازي بنجوع مؤسساته الرأسمالية، ليس تصوراً عديم الجدوى ولا خطأً محضاً. وربما كان انبعاث المذهب الحيوي تعبيراً عن حذر الحياة الدائم تجاه مكننتها.
وهذا يعني أن الأيديولوجية تقوم بتوجيه النظر العلمي في اتجاه ما، فتتحول إلى محرض لحركة العلم.
وليس هذا فحسب، فإن الأيديولوجية قد تقوم بدور الكابح لتطور بعض العلوم. إذا ما ناقضت نتائج هذه العلوم الترسيمات الأيديولوجية المغلقة. فتأخر علم البيولوجية في الاتحاد السوفييتي سابقاً لم يكن إلا ثمرة التعارض بين القول الأيديولوجي بدور الحياة الاجتماعية والقول العلمي بدور الوراثة.
ويبقى السؤال مطروحاً: هل يفقد العلم موضوعيته مادام متسماً بسمة أيديولوجية، ومادامت الأيديولوجية عامل إفساد للموضوعية؟
أن يجد العلم بدايته في وسط أوسع، أي في سياق اجتماعي وأيديولوجي، ووجود علوم سابقة عليه، فذلك لايحكم على شيء من حقيقته أو بطلانه حكماً مسبقاً. كما أن استناد العلم إلى إيحاءات أيديولوجية توجه مساره لايقود إلى عدم الثقة بحقيقته.
وهذا يعني أنه يجب التفريق بين شروط نشوء العلم وتطوره، ومشكلة الحقيقة في العلوم.
إن المسائل التي ذكرت. والتي تعالجها الإبستيمولوجية، تجعل القول صحيحاً بأن هناك إبستيمولوجية عامة. موضوعها العلم من دون تمييز العلوم الطبيعية من العلوم الإنسانية.
واستناداً إلى ذلك، فإن الإبستيمولوجية مع كونه مبحثاً حاز على استقلاله النسبي في السنوات الأخيرة، تظل مبحثاً فلسفياً. خاصة لأنها تسعى إلى صوغ نظرية عامة في المعرفة العلمية. ولا أدل على ذلك من محاولة جان بياجيه إشادة نظرية في التكوين النفسي للعلم.
ومما يؤكد انتماء الإبستيمولوجية إلى الفلسفة، تحولها إلى علم معياري، وهي تعالج مسائل العلم. لأن السؤال الأساسي الذي يكون خلف معالجاتها هو: ماذا يجب أن يكون عليه العلم؟
غير أن الإبستيمولوجية العامة لاتنفي وجود مشكلات إبستيمولوجية لزمرة من العلوم أو لعلم جزئي. ومن ثم فإن هناك إبستيمولوجية خاصة وإبستيمولوجية جزئية، إلى جانب الإبستيمولوجية العامة.
فإبستيمولوجية العلوم الطبيعية، تتساءل: ما طبيعة القانون في هذه العلوم؟ ما دور مقولات الحتمية والمصادفة والاحتمال والغائية؟
كما أن هناك مشكلات خاصة بالعلوم الإنسانية: كالموضوعية والفهم والتفسير والجانب الأيديولوجي لأحكامها. والعلاقة بين المنطقي والتاريخي في المعرفة الإنسانية، وإمكانية قيام نظرية اجتماعية، وهل هناك ملامح قانونية عامة في السيرورة الاجتماعية أم أن الواقعة الاجتماعية واقعة فذة
إن هذه المشكلات وغيرها هي موضع الإبستيمولوجية الخاصة بالعلوم الإنسانية.
لكن العلوم الجزئية تواجه هي الأخرى مشكلات خاصة بها، بسبب استقلالها النسبي.
فإبستيمولوجية العلوم الحيوية تطرح جملة مسائل إبستيمولوجية من قبيل: هل هناك غائية في التطور الحي؟ وما العلاقة بين مفهوم الطفرة والتطور التدريجي في العالم الحي؟ وما الدور الذي يقوم به، منهجياً، مفهوم البيئة في تفسير الظواهر الحية؟
وهناك مشكلات إبستيمولوجية خاصة بعلم التاريخ [ر]: كتحديد معنى الواقعة التاريخية الموضوعية في علم التاريخ، وهل التاريخ قابل للتفسير أو للفهم. هل هناك حتمية تاريخية؟
ولاشك في أن الإبستيمولوجية العامة، وهي تسعى إلى صوغ نظرية عامة في المعرفة العلمية، تستفيد من الإبستيمولوجية الخاصة والإبستيمولوجية الجزئية. والعكس صحيح أيضاً. انطلاقاً من واقعة انفصال العلوم وتكاملها في الوقت نفسه.
لكن السؤال الذي يطرحه العقل الناقد هو: إذا كانت الإبستيمولوجية علماً للعلم ذاته ألا تحتاج الإبستيمولوجية نفسها إلى إبستيمولوجية تكشف عن مشكلاتها وعن الصعوبات التي تصادفها؟
والحق أن الإبستيمولوجيين أنفسهم يمارسون هذا الدور حين يختلفون في تناول المشكلات العلمية ويقدمون إجابات متعددة، ومتناقضة أحياناً منتقدين بعضهم بعضاً.
وقد برز مثل هذا الاختلاف في مسائل تاريخ العلم وتصنيف العلوم.
ومن ثم يصح القول: إن الشروط الداخلية والخارجية التي يخضع لها العلم هي ذاتها التي تخضع لها الإبستيمولوجية. كذلك فإن نزوعها العلمي لن ينجيها من طابعها الأيديولوجي.
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

11‏/12‏/2010

الثورة

الثورة Revolution: أسلوب من أساليب التغيير الاجتماعي تشمل الأوضاع والبنى السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وعملية التغيير لا تتبع الوسائل المعتمدة في النظام الدستوري للدولة وتكون جذرية وشاملة وسريعة، تؤدي إلى انهيار النظام القائم وصعود نظام جديد.
ويُفرِّق البعض بين الثورة، وبين الانقلاب[ر]، على أساس أن الثورة تهدف إلى إحداث تغييرات جوهرية في النظام السياسي والاقتصادي والاجتماعي. بينما يهدف الانقلاب إلى إعادة توزيع السلطة السياسية بين هيئات الحكم المختلفة أو الأشخاص القائمين به.
ويترتب على نجاح الثورة، سقوط الدستور، وانهيار النظام الحكومي القائم ولكنها لا تمس شخصية الدولة، ولا تؤدي إلى انتهاء العمل بالتشريعات السابقة عليها.
واستخدم «مصطلح الثورة» أول مرة عام 1450م. ولكن هذا المصطلح عُمِّمَ وانتشر في العالم بعد عام 1600م.
دوافع الثورات
برزت آراء مختلفة ومتعددة لدى علماء السياسة والاجتماع المهتمين بدراسة علم الثورة Revolutionology لتفسير الدوافع المؤدية للثورة وتحديدها. ومن أهم هذه التفسيرات هي:
1- التفسير النقدي الارتقائي المتفائل: برز هذا التفسير في القرن التاسع عشر بين الأحزاب اليسارية ومفكريها، وتبلور وتحدد فيما بعد في إطار النظرية «الماركسية اللينينية» وعرف بالتفسير «المادي للتاريخ». وينطلق هذا التفسير من أن الثورات تحدث نتيجة وجود مقدمات وشروط محددة تبرز في إطار تطور المجتمع، تؤدي إلى وجود تناقضات أساسية تتحدد في التناقض بين الطابع الاجتماعي للإنتاج، وشكل التملك الاحتكاري الخاص. ويؤدي ذلك إلى اتساع الشعور بالظلم والاستغلال الذي يمارس من قبل فئة قليلة مالكة ضد بقية فئات الشعب. وتؤدي هذه التناقضات إلى «أزمة سياسية» عميقة، تحمل معها نشوء حالة «ثورية» تتجسد بنشاط الجماهير السياسي الواسع من خلال التمرد على الواقع بأشكال ومظاهر متعددة مثل الاضطرابات، والمظاهرات والاجتماعات والانقلابات.
إنَّ الحالة الثورية هي تعبير عن التناقضات الموجودة في الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية بل هي ذروة تفاقمها. وفي معرض الحديث عن أسباب الثورة، ذكر ماركس في مقدمته «مساهمة في نقد الاقتصاد السياسي» أنه في مرحلة معينة من تطور المجتمع تدخل القوى المنتجة في تناقض مع العلاقات الإنتاجية، التي كانت حتى ذلك الحين تتطور في إطارها. وتتحول هذه العلاقات المختلفة من صيغة لتطور القوى المنتجة إلى عوامل معوقة لتطوّرها، وعندئذٍ يحصل عصر الثورة. وعليه فإن الصراع بين القوى المنتجة الجديدة وبين العلاقات الإنتاجية القديمة يشكل الأساس الموضوعي الاقتصادي للثورة. وإنَّ تصفية العلاقات الإنتاجية القديمة، واستبدالها بعلاقات جديدة، لا تحدث تلقائيَّاً وإنَّما من خلال توحيد القوى التقدمية كافة التي تعمل على إنهاء النظام الاجتماعي القديم.
وتشير النظرية «الماركسية اللينينية» إلى أهمية الحزب الثوري ودوره في توحيد القوى الثورية وتنظيمها، وأهمية العوامل الذاتية في توعية الجماهير وقيادتها. وتشكل وحدة الظروف الموضوعية والذاتية، عند لينين، القانون الأساسي للثورة.
والثورة تحلّ جملة من القضايا المتعلقة بالتغيير الاجتماعي، إنَّها تهدم القديم وتبني الجديد. ومن القضايا الهامة والبارزة التي تواجهها الثورة هي «قضية انتقال السلطة إلى أيدي الطبقة الثورية». وكما يرى لينين فإن سلطة الدولة هي المسألة الرئيسية في أية ثورة. ويرتبط ذلك بجوهر الدولة، بوصفها أداة خاصة أقامتها الطبقة الحاكمة، كوسيلة للسيطرة والتحكم والحفاظ على النظام القائم. ويرتبط بالمهام التي يترتب على الثورة تنفيذها، من خلال مقاومة القوى الاجتماعية المالكة السابقة. ونتيجة ذلك تركز «الماركسية اللينينية» على أهمية الفهم الصحيح للعلاقة بين «الثورة والسلطة». فالثورة مقدمة ووسيلة لاستلام السلطة. واستلام السلطة شرط ضروري للتغييرات الجذرية التي يجب تحقيقها في المجتمع من خلال السلطة الجديدة التي تجسد مصلحة الجماهير وتعمل لتحقيق أهدافها.
ورأى لينين فيما بعد أن السيطرة الاستعمارية وما يرافقها من نهب واستغلال للشعوب المستعمرة يمكن أن تشكل مقدمات لقيام ثورات وطنية ذات طابع تحرري ضد الدول الاستعمارية. وعرفت هذه الثورات بـ«ثورات التحرر الوطنية». ورأى أن المرحلة الإمبريالية لابد أن تؤدي إلى توسيع هذه الثورات وبالتالي إلى حتميتها أيضاً، وحتمية حروب الطبقة العاملة ضدَّ «الطبقة البرجوازية»، وحتمية الجمع بين كلا هذين النوعين من الحروب الثورية.
2- التفسير البنائي الوظيفي: ظهر هذا التفسير للثورة على يد مجموعة من الباحثين في أوربة الغربية والولايات المتحدة الأمريكية. ومن أبرز هؤلاء «سينموند نيومان» و«كرين برينتون». ويرى أصحاب هذا التفسير أن الأسباب المؤدية للثورة، والعوامل الدافعة لها ليست واضحة ومحددة، ومن الصعب تمييزها. فالثورة تحدث دون مقدمات، باعتبارها طفرة في مسار التطور التاريخي. نتيجة ضغوطٍ ومصاعب متزايدةٍ، يؤدي تفاعلها إلى تغييرٍ أساسيٍ في التنظيم السياسي والبنيان الاجتماعي، والتحكم في الملكية الاقتصادية. والثورة حسب هذا التفسير تشكل انكساراً رئيساً في المسار العام لتطور المجتمع. وتأتي في إطار العنف التحرري العادي الذي يستهدف تحرير الإنسان من الظلم والقهر، بعد أن تكون الوسائل الأخرى قد فشلت في إنجاز ذلك. وهي الوسيلة الفاعلة لتحقيق الطفرات التاريخية القادرة على بناء مجتمعاتٍ متقدمةٍ تغني مسيرة التاريخ الإنساني بالإنجازات المتطورة. وبذلك تعدّ الثورة إنجازاً حضارياً كبيراً يحمل المنفعة للمجتمع البشري.
وهذا التفسير لا يفرّق بين الثورة والثورة المضادة. ولهذا يصف «برينتون» الانقلاب الفاشي في إيطالية، والانقلاب النازي في ألمانيا بأنهما ثورتان. ويرى أن الثورة المضادة هي الاستمرار المنطقي للثورة.
3- التفسير المحافظ التشاؤمي: برز هذا التفسير إبّان الثورة الفرنسية (1789) وعبَّر عنه بعض المفكرين الذين تأثروا بالفكر الإقطاعي التقليدي اللاهوتي أو الملكي. وتمثل خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر في مفكرين أمثال «نيتشه» و«غوستاف لوبون»، وهؤلاء يرون أن الثورات هي انفجارات طارئة خارجة عن السيطرة، تحدث نتيجة انفعالات جماهيرية مدمرة متناقضة وغير واعية لما يحدث. ويشارك فيها اللاشعور الجمعي لشعب من الشعوب بكل ما يحتويه من مظاهر تقدمية ورجعية.
وينطلق هذا التفسير من أن كل ما في الثورة «فوضى» لأنها تعبر عن سيكولوجية الحشد. ويقارنونها مع «الارتدادات» التي تُعبِّر عن عقلية بدائية يمكن ملاحظتها في حالات الانهيار العصبي العام.
4- التفسير الوضعي الاجتماعي: ويرى أن اصطلاح الثورة يعبر عن تغييرات فجائية وجذرية وعنيفة تحدث في المجتمع دون وجود أيَّ أسباب أو عوامل دافعة ومؤدية إليها. وأن الثورة تحمل معنى وصفياً وشكلياً، ولا تحمل أي مضمون أو قيمة اجتماعية محددة. وطبقاً لهذا التفسير فإن كل تغيير جذري وفجائي وعنيف في نظام الحكم والمجتمع يشكّل ثورةً حقيقيةً، طالما أن الحركة السياسية أو الفئات الاجتماعية التي قامت بالثورة تمتعت بتأييد قطاع واسع من الشعب.
أنماط الثورات
للثورات أنماط متعددة، وترتكز عملية تحديد نمط الثورة على طبيعة التغيير الذي يتحقق في المجتمع وحجمه. ويمكن التمييز بين نمطين أساسيين للثورات:
1- إذا كان التغيير يشمل جزءاً من المجتمع، أو حقلاً من حقول المعرفة فيه، فالثورة ترتبط بهذا الجزء، وتسمى باسمه. مثل الثورة الصناعية، والثورة العلمية، والثورة الثقافية إلى غير ذلك. وهذا النمط من الثورات لا يؤدي لأي تغييرات سياسية واجتماعية مباشرة. ولكنَّه يُحقِّق بشكل تراكمي إمكانية انتقال المجتمع من بنية اقتصادية سياسية اجتماعية إلى بنية أخرى. فالثورة الصناعية التي برزت في القرن الثامن عشر حملت معها العوامل والمرتكزات التي أدت إلى الثورات التي شهدتها القارة الأوربية في القرن التاسع عشر.
2- إذا كان التغيير جذرياً، ويشمل البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية كافة. فالثورة اجتماعية. وتشكل تغييراً جذرياً شاملاً في المجتمع يؤدي إلى إحلال تشكيلة اجتماعية اقتصادية بأخرى أرفع مستوى وأكثر تقدماً. إنها تغيير جذري للنظام القديم، وإقامة نظام جديد ومؤسسات جديدة. إنها في الإطار العام قفزة للمجتمع من مرحلة إلى أخرى أكثر تقدُّماً وتطوراً.
والثورات الاجتماعية ذات أنماط متعددة، وتحدث في ظروف تاريخية متباينة، وتختلف في طبيعة قواها المحركة. وتتحدد طبيعة الثورة الاجتماعية ومضمونها وأهدافها العامة، من خلال طبيعة الفئات والطبقات الاجتماعية التي تقود الثورة، وطبيعة الأهداف التي تعمل لتحقيقها، وطبيعة الوضعية الاجتماعية التاريخية التي تقوم الثورة فيها. ومن أبرز أنماط الثورات الاجتماعية الثورة البرجوازية، الثورة الاشتراكية، ثورات التحرر الوطني:
1- الثورة البرجوازية: نمط من الثورة الاجتماعية. قادتها الطبقة البرجوازية الناشئة في المدن. وكانت القوى المحركة لهذه الثورات جماهير الفلاحين والفئات الفقيرة من سكان المدن والطبقة العاملة الناشئة. ونظراً لعدم الانتظام في التطور التاريخي، قامت الثورات البرجوازية في مراحل تاريخية مختلفة. وكانت موجهة ضد الأنظمة والحكومات الإقطاعية، والملكية، بهدف تحرير المجتمع من سيطرة هذه الفئات، وإلغاء الألقاب والامتيازات الموروثة، وتحرير الاقتصاد من العقبات التي كانت تقف أمام تطوره، وإقامة نظام سياسي اقتصادي جديد يرتكز على الحرية، ويعتمد الإنجاز سبيلاً للارتقاء في سلم التمركز الاجتماعي. وأسهم التقدم الفكري، والوعي السياسي والاجتماعي بدورٍ كبيرٍ في نجاح هذه الثورات من بإبرازه طبيعة النظام الإقطاعي القديم ومضمونه وأساليب عمله وأهدافه، وإبرازه مبررات تغييره.
وعند النظر إلى الثورات البرجوازية نمطاً تاريخياً من الثورة الاجتماعية ينبغي تأكيد الفوارق العميقة في طبيعة هذه الثورات. ففي بريطانية انتهت الثورة البرجوازية، باتفاق بين الإقطاع والبرجوازية، أبقى على النظام الملكي صفة لإدارة الدولة. وفي فرنسة تمَّ إنهاء النظام الإقطاعي ومؤسساته، وكذلك النظام الملكي من خلال ثورة 1789.
شكَّلت الثورات البرجوازية خطوةً متقدمةً، وانتصاراً كبيراً لنظام اجتماعي سياسي اقتصادي بديلٍ من النظام الإقطاعي القائم. وامتدت الثورات البرجوازية من القرن السابع عشر حتَّى القرن التاسع عشر. وتعدُّ الثورة البرجوازيةالديمقراطية نمطاً من أنماط الثورة البرجوازية، وتتميز بمشاركة جماهيرية واسعة إلى جانب الطبقة البرجوازيةبهدف إقامة نظام اجتماعي جديد يحقق لها الحرية والمساواة. وتعدُّ الثورة الروسية (1905-1907) مثالاً واضحاً على ذلك. وفي ظروف محددة قد تتحول الثورةالبرجوازيةالديمقراطية إلى ثورة اشتراكية كالتطورات التي شهدتها روسية وأدَّت إلى ثورة 1917، بقيادة الحزب الشيوعي الروسي، وكذلك التطورات التي شهدتها بعض دول آسية وإفريقية وأمريكة اللاتينية وبعض دول أوربة الشرقية. وأسهمت التحولات الديمقراطية في هذه الدول في انتقال الثورة وقيادتها من الطبقة البرجوازية إلى العمال والفلاحين والقوى الديمقراطية الأخرى في المجتمع لتحقيق تغييرات سياسية واقتصادية لمصلحة هذه القوى.
2- الثورة الاشتراكية: هي نمط من الثورة الاجتماعية، تؤدي إلى تغييرات جذرية وشاملة في البنى السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتسهم في تغيير التكوين الطبقي للمجتمع، والسير به على طريق النظام الاشتراكي. وتحدث الثورة الاشتراكية نتيجة للتناقضات الموجودة في المجتمع، ولتطور نضال الجماهير ضد الفئات المسيطرة نتيجة اتساع وعيها وزيادة تنظيمها.
والمحتوى الأساسي للثورة الاشتراكية هو إقامة نظام سياسي اقتصادي اجتماعي جديد، يُسهم في تغيير السيادة الاجتماعية، وطبيعة العلاقات السياسية والاقتصادية، وتغيير شكل السلطة القائمة، وأساليب عملها، وإقامة طراز جديد للدولة يعبر عن مصالح الأكثرية من أفراد الشعب، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وبناء قاعدة واسعة منالديمقراطية الشعبية، وإطلاق قدرات الجماهير من خلال توعيتها وتنظيمها، وإغناء حياة مجموع الناس في المجتمع، وتحرير العلاقات الإنسانية من الاستغلال، وإحلالالمساواة المعنوية والمادية، وتوسيع مساهمة مجموع الناس في بناء المجتمع الجديد. وثمة مدراس مختلفة من حيث نظرتها إلى الثورة الاشتراكية.
فالماركسية ترى أن الثورة الاشتراكية نتاج طبيعي لتطور المجتمع، ونمو الطبقات الاجتماعية، خاصة الطبقة العاملة القادرة على القيام بالثورة الاشتراكية، وتقويض الدولة البرجوازية، وإقامة ديكتاتورية الطبقة العاملة. مع ما يرافق ذلك من إلغاءٍ للملكية الفردية، وتصفية للطبقات المالكة القديمة. ويعد ذلك مقدمةً لانتشار الثورة الاشتراكية عالمياً تمهيداً لبناء الشيوعية الأممية وإلغاء الدولة وتطبيق مبدأ «من كل حسب طاقته، ولكل حسب حاجته».
وطوَّر لينين هذه النظرية من خلال تحليله للنظام الرأسمالي ورأى إمكانية قيام الثورة في الحلقة الإمبريالية الأضعف. وضرورة العمل لبناء الاشتراكية في بلد واحد أو عدة بلدان، واتباع سياسة التعايش السلمي بين الأنظمة المختلفة، وذلك بهدف حماية الثورة الاشتراكية وتوفير عوامل تطورها. وذهب لينين إلى إمكانية تحول الثورات الوطنية البورجوازية الديمقراطية إلى ثورات اشتراكية.
أمَّا مفكرو اليسار القومي وأنصار الثورة الاشتراكية في الدول النامية فيرون أن الثورة الاشتراكية حصيلة النضال للتحرر من السيطرة الاستعمارية الخارجية، والاستغلال الداخلي بهدف تحقيق العدالة والمساواة وإطلاق قدرات الجماهير من خلال الديمقراطية الشعبية، وتحويل الدولة إلى أداة للتغيير الثوري. وتأميم وسائل الإنتاج الرئيسية، وإعادة هيكلة الاقتصاد وتخطيطه، وتطوير التربية والتعليم والثقافة والإعلام بهدف نشر الثقافة الثورية على أوسع نطاق بين الجماهير. وتعد ثورة تشرين أول 1917 في روسية مثالاً واضحاً على هذا النمط من الثورات.
ثورات التحرر الوطني: نمط خاص من أنماط الثورة الاجتماعية هدفها إحداث تغييرات سياسية واجتماعية واقتصادية في حياة الدول والشعوب التي كانت خاضعة للسيطرة الاستعمارية وإقامة الدول الوطنية المستقلة. ونمت هذه الثورات على أرضية تطور حركة التحرر الوطني واتساعها وتقويتها نتيجة ضعف الدول الاستعمارية بعد الحرب العالمية الثانية، وبروز التنظيم الدولي، وانتشار الأفكار المنادية بالحرية وحق تقرير المصير وإنهاء السيطرة الاستعمارية. وتتحدد المهام السياسية والاقتصادية والاجتماعية لهذه الثورات، بطبيعة الظروف الداخلية لكل دولة أو شعب، وبطبيعة المرحلة التاريخية التي تحدث فيها.
والمسألة الأساسية في هذه الثورات كما في كل ثورة اجتماعية هي مسألة السلطة السياسية. حيث يتم نقل السلطة إلى القوى الوطنية والديمقراطية. والقوى المحركة لهذه الثورات من العمال والفلاحين والبورجوازية الصغيرة، والبورجوازية الوطنية، والمثقفين والضباط الوطنيين.
وشهد القرن العشرون ثورات تحرر وطني واسعة ومتعددة ضد السيطرة الاستعمارية وخاصة في قارات آسية وإفريقية وأمريكة اللاتينية. وانتقلت بعض هذه الثورات من النضال في سبيل التحرر الوطني إلى النضال لتحقيق تحولات ديمقراطية واقتصادية واجتماعية تنهي من خلالها مظاهر الاستغلال والسيطرة، وترسخ مظاهر التطور والتقدم والعدالة الاجتماعية.
نماذج من الثورات الكبرى
شهد المجتمع البشري مجموعة واسعة من الثورات السياسية والاجتماعية التي تركت نتائج ومنعكسات هامة سياسية واقتصادية وفكرية على الصعيد العالمي. وهناك عدد من الثورات كانت في نظر المفكرين المعاصرين نماذج أساسية لأنواع الثورات وهي:
1- الثورة الأمريكية 1783: ثورة على الاستعمار البريطاني، قادتها الفئات الاجتماعية الصاعدة من ملاكي الأراضي والتجار والبورجوازية الوطنية. وانتهت بإقامة دولةٍ جديدةٍ باسم الولايات المتحدة الأمريكية، وحكمٍ رئاسي منتخبٍ، يتمثل في رئيس الجمهورية «السلطة التنفيذية» والكونغرس «السلطة التشريعية»، بديلٍ للحكم الاستعماري الخارجي «بريطانية». وتعد هذه الثورة من نمط الثورات المناهضة للاستعمار التي يقوم بها بورجوازية وطنية.
2- الثورة الفرنسية 1789: قادتها الطبقة البرجوازية الصاعدة بمساعدة بقية الفئات الاجتماعية خاصة الفلاحين ضد الحكم الملكي المطلق الذي يستند إلى «الحق الإلهي» وإلى تأييد الأرستقراطية والإقطاعية الفرنسية.
أقامت سلطة بورجوازية جديدة وأعلنت مبادئ الحرية وسيادة الشعب والمساواة بين أفراده، وحقوق الإنسان[ر]. وأسهمت الثورة في نشر هذه المبادئ في جميع أنحاء العالم. وفتحت الطريق أمام التغييرات الإيجابية التي شهدتها القارة الأوربية وغيرها من المناطق خارج القارة. وهي تمثل نمط الثورة البورجوازية على الحكم الملكي المطلق، والأرستقراطية المحلية.
3- الثورة الروسية 1917: قامت في روسية وأنهت النظام القيصري المطلق الذي كان يستند إلى الحق الإلهي وإلى تأييد الطبقتين الأرستقراطية والإقطاعية اللتين كانتا تمارسان ملكية الأقنان. وأقامت سلطة جديدة ديكتاتورية الطبقة العاملة، التي يقودها حزب ثوري طليعي واحد يمثل الفئات الكادحة من الجماهير وكانت أول مثال لثورة ذات مرحلتين:
المرحلة الأولى: الثورة البرجوازية. التي قادتها الطبقة البورجوازية مع باقي فئات الشعب. وكان هدفها إنهاء النظام القائم، وسلطة الإقطاع.
المرحلة الثانية: الثورة التي قادها الحزب الشيوعي الروسي «البلاشفة»[ر] وشارك فيها جميع الفئات الكادحة. وكان هدفها إسقاط البورجوازية وإقامة نظام سياسي اشتراكي جديد يرتكز على سلطة العمال والفلاحين، وينهي الاستغلال، ويحقق العدالة والمساواة.
4- الثورة الإيرانية 1979: ثورة شعبية قامت في إيران ضد نظام الشاه الذي كان يستند إلى الحق الإلهي وتأييد الإقطاعية والبورجوازية المحلية، والأجهزة الأمنية والدعم الخارجي. قاد الثورة رجال الدين والقوى الإسلامية بزعامة «الإمام الخميني»، وشاركت فيها مجموع الجماهير الشعبية، وأقامت سلطة جديدة بزعامة دينية، وحقَّقت تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية لصالح مجموع الشعب. وهي تمثل نمط الثورة الجماهيرية الإسلامية على الحكم الملكي المطلق، على الفئات الاجتماعية المرتبطة به من الإقطاع والبرجوازية.

مراجع للاستزادة:
ـ سيرتسوفا، شيشكينا، باكوفيلفا، ماهي الثورة؟ (دار التقدم،موسكو، 1988م).
ـ إيفا أتزيوني ـ أميتاي أتزيوني، التغيير الاجتماعي: مصادره، نماذجه، نتائجه، ترجمة عبد الكريم ناصيف ومحمد أحمد حنونة (منشورات وزارة الثقافة، دمشق 1984). 
-------------------------------------------------------------------------------
أسباب قيام الثورة الفرنسية 
تمثل الثورة الفرنسية واحدة من أهم الأحداث التي شهدتها أوروبا لأنها كانت بالفعل نقطة تحول أساسية في تغير وتطور الأنظمة السياسية،والاقتصادية ، والاجتماعية، ليس في فرنسا فقط بل في أوروبا بأكملها، وكانت لها نتائج أثرت على العالم ولسنوات عديدة.
فقد انتهت سيطرة أسرة آل بوربون "The Bourbons"،وحكمها في فرنسا، ودمرت النظام الاجتماعي السائد فيها،وكان لشعارها المرفوع:الحرية والإخاء والمساواة وإعلان حقوق الإنسان اثر واضح في أوروبا ,
الأوضاع العامة قبيل الثورة الفرنسية:
"أما عن الأوضاع العامة في فرنسا قبيل الثورة الفرنسية ،فقد كان النظام الرأسمالي في فرنسا اخذ بالتطور والتوسع،وأخذ النظام الجديد يتصارع مع النظام الإقطاعي.وكانت فرنسا تملك موارد زراعية هائلة ، وصناعة نسيج رائجة،وتجارة خارجية نشطة.كما أن عدد سكانها قد ارتفع بشكل ملحوظ من18 مليون نسمة عام 1726م إلى 26 مليون نسمة في عام 1780م ، وانعكس ذلك سلبيا على أوضاع الجماهير الشعبية،وذلك لأن الأسعار قد ازدادت مع التطور الرأسمالي ، وانخفض المستوى المالي للجماهير ومستوى معيشتهم ، وبدأو يعانون من حياة صعبة، وبدأوا يعملوا من أجل التخلص من هذه المعاناة ، فكان هذا الوضع محفزا للثورة وممهدا لها ،فأحوال الحرفيين والعمال والفلاحين ، وعامة الشعب كانت سيئة وتزداد سوءا مع الوقت
كما أن الإقطاع لم يعد كما كان عليه في العصور الوسطى ،فالفلاح يتصرف في الأرض التي يعيش عليها والتي هي من الناحية الرسمية ملك للإقطاعيين الذين يتنازلوا عنها للفلاحين مقابل التزامات معينة، كأن يأخذ نسبة من الحاصل أو العمل دون أجور في مزرعة الإقطاعي لعدد من أيام الأسبوع ، وأن مثل هذه الالتزامات تحد من إمكانياته المالية ومن حريته الشخصية . وجماهير الشعب كانت ملزمة بأن تدفع ضرائب مزدوجة إلى الإقطاعيين والى الحكومة والملك وأبغض هذه الضرائب كانت ضريبة الملح لعدة أسباب :
1. احتكار الحكومة لبيع الملح .
2. بيع الحكومة للملح بأسعار غالية.
3. فرض الحكومة على الشعب شراء الملح حتى لو لم يكن بحاجة اليه.
فالوضع المالي لهؤلاء الجماهير سيء جدا ،ونتيجة للتطور الرأسمالي ظهرت في فرنسا طبقه برجوازية ، واخذت هذه الطبقة تعمل من أجل المشاركة في السلطة السياسية ، وتلجا الى نيل دعم الجماهير الشعبية ، التي أخذت تحرضهم ضد السلطة ، وتستغل أوضاعهم من اجل إسقاط النظام السياسي القائم في فرسا.
كما ينقسم المجتمع الفرنسي ـ بالإضافة الى الطبقة البرجوازية- الى قسمين هما :
• النبلاء ورجال الدين ، ويتمتعون بكل الحقوق والامتيازات وكانوا معفين من الضرائب.
• الفلاحين والحرفين والعمال والبرجوازيين وكانوا محرومين من كل الحقوق والأمتيازات وملزمين بدفع الضرائب.
وقد مهد هذا الوضع الاجتماعي غير الطبيعي ،على قيام الثورة الفرنسية..." 
والأن سوف نتطرق لكل من الأسباب التي مهدت لحدوث الثورة كل على حدة..
• الأسباب الفكرية(اليقظة الفكرية):
عرفت الفلسفة والاقتصاد والأدب ازدهارا كبيرا في القرن الثامن عشر ،وعكست استياءا اجتماعيا كبيرا وحركة البرجوازية والجماهير الشعبية التي كانت تنهض لأجل النضال ضد الحكم المطلق...
"تعتبر اليقظة الفكرية الأساس الذي أدى الى قيام الثورة الفرنسية واليقظة التي بدأت أوروبا تشهدها خلال القرن الثامن عشر تسمى بعصر التنوير أو حركة الاستنارة ، التي تعد امتدادا حقيقيا للنهضة الأوروبية ، وذلك لانها تمثل انطلاقة للفكر وتحرر للعقل الأوروبي .فبدات العقلية الأوروبية تؤمن وتصدق بالآراء والمفاهيم،والقيم الجديدة ، وتؤمن بالاكتشافات والاختراعات العلمية التي جاء بها جون لوك ، واسحق نيوتن،وبدأ التشكيك يسود في المجتمع الأوروبي في عاداته وتقاليده وامكانية التخلص منها.
فعصر التنوير هو فكر دينوي خالص،وابتعاد عن المفاهيم والقيم التي جاءت بها الكنيسة ،والتي أكدت الجوانب الروحية ، واعداد الانسان للحياة الثانية،ففقدت الكنيسة اهميتها ،وفقد رجال الدين نفوذهم بعد ان سيطروا على العقلية الأوروبية لفترة طويلة من الزمن.
وجاء قادة الحركة باراء وتعاليم ونظريات جديدة ،بالنسية لقيام المجتمع ،وتطوره ، هذه الاراء سرعان مانتشرت في اوساط المجتمع والرواد الذين تحملوا اعباء نشر هذه الأفكار الجديدة هم جماعة المتفلسفين إلا أنهم لم يكونوا فلاسفة بل أنهم درسوا هذه الأراء والأفكار والنظريات،وآمنوا بها وعملوا على نشرها بعد أن صاغوها بأسلوب مبسط وسلس بحيث تستوعب ذلك الجماهير الأوروبية....وأشهر هؤلاء المفكرين هم من فرنسا مونتيسكيو وفولتير وروسو." 
"...نعم ظهرت في فرنسا في ذلك الزمان قدر كبير من التفكير الحر والخطابة الحرة والعاطفة الحرة.وقام في فرنسا في النصف الأول من القرن الثامن عشر،منتسكيو (1689-1755 ) ضريبا لجون لوك في انجلترا وإن تأخر عنه بعض الزمان ، فوضع النظم الإجتماعية والسياسية والدينية تحت نفس الفحص والتحليل الجوهري وبخاصة في كتابه"روح القوانين" ... " 
"...وقد قدم مونتسكيو في مؤلفاته الفلسفية والسياسية : " الرسائل الفارسية" و "روح القوانين" نقدا حادا وعميقا للنظام الإستبدادي ،ولتعسف الحكم المطلق –الملكي والفردي- ..." 
"...وجاء مونتسكيو في كتاب "روح القوانين " بأفكار جديدة تتمثل في نقطتين:
1. أن أنواع الحكومات تختلف باختلاف المناخ والظروف الطبيعية(الجغرافية)فقال أن النظام الدكتاتوري والإمبراطوري يكون ملائم بالنسبة للشعوب التي تسكن المناطق الحارة ،وأما النظام الديموقراطي فهو ملائم لحكومات المدن الصغيرة.
2. معارضته النظام الاستبدادي في فرنسا فقد جاء بمبدأ الفعل والموازنة بين الملك والبرلمان ، والقصد تحديد صلاحية الملك كما أكد على مبدأ الفصل بين السلطات الثلاث ..." 
"...أما فولتير (1694-1778) كان من المفكرين السياسيين الذين أثروا بشكل كبير في صياغة أفكار الثورة الفرنسية، وكان اسمه هذا على غرار مونتسكيو غير حقيقي فاسمه الأصلي فرانسو ماري آرو .
وقد اهتم فولتير بمعالجة القضايا والمشاكل التي يعاني منها الشعب الفرنسي ، فتطرق إلى مسألة الاستغلال الإقطاعي والكهني ، فبدأ بمقاومة الحكم المطلق في فرنسا بعد أن تطرق في كتاباته إلى مساوئ النظام السياسي المتمثل بملكية آ ل بوربون موضحا استئثارهم بالسلطة دون اللجوء إلى البرلمان..." 
"...أما روسو (1712-1778م)فقد عاش في مجتمع مثالي في خياله،وكان يملك طبيعة شاعرية ،وهو واضح من مقالة الأول المعنون:"البحث في العلوم والفنون" الذي قارن فيه بين نبل الإنسان البدائي ،وشرور الإنسان المدني ،وصور فيه الفرح بزوال المدنية ، والرجوع إلى الطبيعة الحرة المتمثلة بالحرية والمساواة حيث لا قوانين تقيد حريات، ولا ملكيات ولا حروب،وهو واضح أيضا من مقاله :"مبحث في أصل اللامساواة " الذي تناول فيه الإنسان الخام ،الذي لا يعرف شقاء المدنية ، وصاحب الاحتياجات الأساسية القليلة التي يمكن توفيرها والمدافع عن مصالحه المشروعة ،ويعزو توجه الإنسان نحو المدنية ،وخروجه من الجنة إلى طمعه ، وأنانيته،اذ أن القلة التي أطلقت العنان لشهواتها ،أرادت تملك كل شي متجاوزة حاجاتها الطبيعية،فاستأثرت بالسلطة على حساب بقية البشر،وبالتالي ظهرت الملكية الخاصة ،وظهرت الدولة لتحمي تلك الملكية، وتحافظ على مصالح أصحابها..." ،"...وقد كان له تأثير كبير على الجيل الفتي،وقد كتب روسو روايات،وقصائد،وأعمالا سياسية وفلسفية،كان معاصروه يرون فيها-على الرغم من تناقضات معينة-تأثيرا ثوريا...لقد أعلن روسو قبل أي شيء آخر فكرة المساواة التي كان لا يراها مجرد مساواة سياسية ،وإنما مساواة اجتماعية،كما نادى بفكرة إدارة الشعب وسيادته،إن حلم روسَو بجمهورية مثالية مكونة من أعضاء متساويين ، وبجمهورية مساواتية لمنتجين شبان،ولملاكين صغار لا يعرفون الفقر ولا الغنى :كانت طوباوية كليا، لكنها كانت تعبر عن طموحات الفلاحين الدفينة الذين كانوا يحلمون بالأراضي التي أخذها منهم الإقطاعيون.كانت تلك الأحلام الحميمة للشعب الكادح الذي كان يتمنى نظاما آخر..." 
"...وقد كان للكتابات التي قدمها هؤلاء المفكرين دورا كبيرا في توجيه هزات لدعائم النظام القديم المتمثلة بالحكم المطلق ، وعدم المساواة في حياة المجتمع،وعدم التسامح الديني...لقد ساهمت الحركة الفكرية مساهمة فعالة في تهيئة الأجواء للثورة الفرنسية ،ومهدت لها وساهمت في التوعية ،وإيقاظ الجماهير الشعبية ،وتبسيط الأمور وشرحها ،وتفسيرها لهم حتى أننا نستطيع القول أن الحركة الفكرية ،أو الأسباب الفكرية هي أساس الثورة الفرنسية..." 

• الأسباب الاقتصادية:
وتمثلت هذه الأسباب بنظام الضرائب المتبع في فرنسا ،وسوء الوضع المالي ، الذي أدت إلى أزمات اقتصادية ، ولتوضيح ذلك نقول لقد تميز نظام الضرائب في المملكة الفرنسية بظلمه وتعسفه، وعم مساواته بين أفراد المجتمع الفرنسي ،بالإضافة إلى تعدد الضرائب ،واقتصار دفعها على فئة محدودة من أبناء المجتمع .
ومن أهم الضرائب التي كنت تجبى ،ضريبة الراس ،وضريبة الدخل(الإيراد)، وضريبة العقار ، وضريبة الملح،وضريبة العشر وغيرها الكثير،ولم تكن المشكلة تقتصر على تعدد الضرائب ،بل على طريقة جمعها.
"...فلم يدفع رجال الدين نصيبهم كاملا ،مثال ذلك أن رجال الدين لم يقوموا بشيء سوى دفع الضريبة المعروفة باسم المنحة المجانية ،وهي قدر غير يسير، على حين أن النبلاء لم يدفعوا سوى الضريبة العشرينية وضريبة الراس...وكانت ضريبة الملح –بوجه خاص-تجبى بشك غير عادل..." 
"...كانت فرنسا تعاني عجزا ماليا ف موازنتها المالية لفترة ترجع جذورها وامتداداتها إلى أيام لويس الرابع عشر إلا أن هذا العجز أصبح بشكل لا يستطيع معه أحد من أصحاب النظام السياسي التستر عليه وتجاوزه ،لأنه أصبح واضح للعيان ، وبدأت نتائجه تنعكس سلبا على أحوال وأوضاع الجماهير الشعبية الفرنسية ،وزادت ذلك في ما تحملته الخزينة الفرنسية من أعباء تمويل عمليات الحرب الأمريكية،وذلك دعما للأمريكيين في ثورتهم ضد الحكم الإنجليزي ،بالإضافة إلى مصاريف النبلاء الزائدة،ونفقات البلاط التي أصبحت لدرجة لا تطاق.
ولنأخذ مثالا على العجز المالي في الموازنة الفرنسية ،وليكن للعام المالي الذي سبق قيام الثورة ، ونقصد عام 1788م ،فقد وصلت مصاريف ونفقات الخزينة حوالي 629مليونا من الفرنكات الفرنسية،بينما لم تكن الواردات لهذه الخزينة تزيد على 503 ملايين أي بعجز مقداره 136 مليونا مما يشكل 20% من الميزانية العامة ، وترصد مصاريف القصر وامتيازات بعض الأفراد من الطبقات الاجتماعية المتقدمة على السلم الاجتماعي حوالي6% من مجموع الموازنة وبالمقابل فان مصاريف الخدمات والتعليم لا تتجاوز 2%،وهذا الفارق الواضح كان احد الأسباب التي أدت إلى صعوبة الأوضاع الاقتصادية ،وانعكاسها سلبا على الأوضاع الاجتماعية والسياسية لأنه من الصعوبة بمكان فصل هذه الأسباب عن بعضها .
والجدير ذكره هنا أن سوء الوضع الاقتصادي قد أحس بها الملك لويس السادس عشر ،وكانت عنده رغبة في إصلاح هذه الأوضاع المتردية لذلك عين احد اقتصادي فرنسا المشهورين توركو مراقبا عاما خلال الفترة 1774-1776م.وانطلاقا من أفكاره باشر بإصلاحات متعددة نوجزها بما يلي:
1. تطبيق نظام ضرائبي عادل.
2. إطلاق الحرية التجارية بين مختلف ولايات المملكة الفرنسية ،وبين فرنسا والدول الأخرى.
3. القضاء على مظاهر الفساد في الإدارات الحكومية ،وإسناد الوظائف إلى الأمناء.
4. الحد من سلطات الكنيسة.
لقد كان من الممكن لهذه الإصلاحات ،والأفكار الاقتصادية أن تحقق نجاحا لو أنها استمرت ،وكان من الممكن أن تؤدي إلى عدم قيام الثورة،وإصلاح الوضع الحالي والاقتصادي "توركو"وإجراءاته اصطدمت بمصالح الحاشية،والبلاط،والطبقة الأرستقراطية،وبمساعدة الملكة تم الضغط على الملك ،واجبر على طرد "توركو"وعزله،وإلغاء كل مصطلحاته ،وتم تعيين "نيكر"بوظيفة المراقب المالي العام في المملكة الفرنسية خلال الفترة 1776-1781م،وهذا حاول ان يجري إصلاحات مهمة في الحياة الاقتصادية والمالية الفرنسية.
فحاول "نيكر"إنقاذ الخزينة من إعلان الإفلاس ،وذلك عن طريق القروض التي كان يعقدها بفوائد أقل من ذي قبل .ومع ذلك فقد أشار استياء الحاشية ،والطبقة الأرستقراطية،وذلك لسببين هما :
1. اعتماده الاقتصاد في النفقات ومخططات البلاط والحاشية.
2. قيامه بخطوة لم يسبق لأحد ام بها ،وهي اعداد وكتابة تقرير مفصل عن الشؤون المالية في فرنسا ،ونشره على الناس 
وقد تضمن حقائق صارخة جدا ،فأطلع الشعب على أسرار لم يكونوا مطلعين عليها من قبل عن الحياة المالية والاقتصادية ،والحالة التي يعيشها البلاط ،فازدادت نقمة الناس ،وكان يرى في اعادة النظر في توزيع الضرائب على مختلف المستويات،والمساواة والعدالة في ذلك،كما طالب بالمساواة بين أقاليم وولايات المملكة،وفيما يتعلق بالطبقة الثالثة،فكان يرى أنها لم تعد تتحمل أي مزيد من الأعباء الضرائيبية.ولكون هذه الآراء تتعارض مع البلاط وحاشيته ،فقد تم اقصاءه عن مركزه،وعقب ذلك أسندت مهمة المراقب المالي الى اقتصادي آخر هو "كالون"خلال الفترة 1783-1787م،وقدم برنامجا اصطلاحيا تضمن النقاط الرئيسية التالية:
1. إلغاء الضريبة على الإيراد.
2. رفع الحواجز الجمركية الداخلية بين الولايات والأقاليم الفرنسية.
3. فرض ضريبة على الأراضي وليس على الأشخاص.
رفع قدرات الشعب الشرائية عن طريق تخفيف ضريبة الراس وضريبة الملح عن الطبقة الثالثة. 
الا أن هذا البرنامج لم يطبق بشكل حقيقي لاصطدامه مباشرة بمراكز القوى في المملكة الفرنسية ممثلا بالحاشية ، والبلاط، وأفراد الطبقة الأرستقراطية من نبلاء ورجال دين.لذلك عزل هذا الاقتصادي ،وفشل برنامجه الاقتصادي.
وخلف "كالون" في منصب المراقب المالي شخص اقتصادي آخر هو"دين بريين"الذي فشل في تحقيق شيء لصعوبة المشكلة وازديادها،وعدم الدرة على مواجهتها،ووضع تصور واضح و حقيقي لها، واصطدام كل برنامج إصلاحي مع مصالح البلاط والحاشية والطبقة الأرستقراطية ،وبالفعل قدَم استقالته ليعود"نيكر" مرة ثانية لمنصب المراقب المالي العام في المملكة الفرنسية ،ويبقى في هذا المنصب الاقتصادي حتى قيام الثورة الفرنسية.
إن التغيير المستمر لمنصب المراقب العام يعني أن هناك رغبة حقيقية في إصلاح الأوضاع الاقتصادية والمالية ،إلا أن هذه الرغبة كانت تصطدم بمصالح الطبقة الأرستقراطية من نبلاء ورجال دين وحاشية ،وحتى مع البلاط الملكي نفسه.لذلك ساهمت الأوضاع الاقتصادية بشكل كبير ومميز في إيقاظ الشعب الفرنسي،ودفعه للقيام بالثورة التي عملت على تغيير كل الظروف والأحوال، ووفق تصورات واضحة،وحقيقية لكل المشاكل التي كان يعاني منها الشعب الفرنسي..." 
بذلك فان سوء الأحوال الاقتصادية،التي كانت بسبب البذخ ،وضعف الملوك ،وعجز الوزراء عن التمسك بالسياسات الموحدة،أدى إلى حالة من الفوضى الاقتصادية في البلاد،وتفاقم الديون على الدولة.
• الأسباب السياسية:
وتتمثل بالنظام السياسي السيئ جدا والمتمثل بالحكم الملكي المطلق المستبد،واستغلال إرادة الملك من قبل حاشيته وزوجته وكبار النبلاء ورجال الدين وغير ذلك من أفراد القصر الملكي،بحيث أصبح الناس غير آمنين على حياتهم.
"فقد كان الملك لويس السادس عشر (1774-1793)ملكا غبيا سيء التعليم ،وكان من سوء طالعه أنه تزوج من امرأة مبذرة،وهي ماريا أنطوانيت شقيقة إمبراطور النمسا...فكانت كما يقول بول ويرياث"تعيش جنبا إلى جنب مع زوجها لا إلى جانبه"...فلما استنفدت موارد وزارة المالية في الحرب في أمريكا ،وعندما كانت البلاد بأسرها تتقلب على جمر التذمر والقلق،تصب كل سلطانها لغل أيدي وزراء الملك عن أية محاولة للاقتصاد ،ولتشجيع كل نوع من أنواع الإسراف الأرستقراطي ،ولإعادة الكنيسة والنبلاء إلى المركز الذي كانوا يتبوأونه في الأيام العظيمة أيام لويس الرابع .وكانوا يريدون أن يخلعوا من الجيش الضباط غير الأرستقراطيين ،وأن يبسطوا من سلطة الكنيسة على الحياة الخاصة..." .
"...وتميز النظام السياسي الفرنسي بالتعسف والفوضى الإدارية،وعدم الكفاءة واحتكار السلطة،واتخاذ القرارات السياسية من قبل فئة محددة من الأشراف ورجال الدين ،وبعد وصول لويس السادس عشر،والذي كان هادئا،مسالما،ومتدين،وأخلاقه عالية،إلا أن مشكلته أنه كان ضعيف الشخصية غير مؤهل لأن يحكم دولة كبيرة مثل فرنسا،كما أنه متزوج من أنطوانيت والتي كانت عكسه تماما،فشخصيتها قوية،ونشطة سياسيا ،وتمتلك قدرات كبيرة على اتخاذ القرارات الإدارية والسياسية الصعبة حتى في أحلك الظروف،فبعد 15 عاما من حكمه وصلت الأمور السياسية إلى درجة من التعقيد يصعب معها الإصلاح.ولم يعد هذا النظام يتماشى ويتلاءم مع التطور السياسي الذي وصل خلال القرن الثامن عشر عصر التنوير والفكر،خصوصا إذا ما قورن هذا النظام مع غيره من الأنظمة السياسية المطبقة في بعض دول أوروبا الغربية المجاورة لفرنسا"كبريطانيا مثلا" لذلك كان لابد من تغيير النظام السياسي القائم في فرنسا واستبداله بنظام يعبر عن رغبات الأغلبية من أبناء الشعب الفرنسي.
ففي مثل هذه الظروف أصبح النظام السياسي يعاني من أزمة خطيرة،هذه الأزمة لها انعكاساتها على العلاقات الخارجية والداخلية.أما على صعيد العلاقات الخارجية فتتمثل بالإخفاقات التي أصابت فرنسا لاسيما في خسرانها لحرب السنوات السبع (1756-1763)حيث فقدت فيها فرنسا كل ممتلكاتها في العالم الجديد وكندا ،ومستعمراتها في الشرق الأقصى مما يعني توجيه ضربة قاسية لمكانة فرنسا الدولية.أما على صعيد العلاقات الداخلية فتتمثل بعجز النظام على أن يكون دولة موحدة فهناك العقبات والعراقيل والحدود الجمركية الداخلية بين الأقاليم والتنوع في الضرائب والمقاييس والمكاييل والأوزان هذه كلها عقبات تساهم في انعزال الأقاليم عن بعضها،وعدم تكوين انسجام سياسي بينها..." .
بذلك يمكننا القول أن من الأسباب السياسية "...وجود جهاز حكومي مرتبك ،لا يتسم بالطغيان بقدر ما يتسم بانعدام الشعور بالمسؤولية ،ولا يلائم حاجات دولة تجارية وزراعية كبرى..." . 

• الأسباب الاجتماعية:
"تمثلت الأسباب الاجتماعية باتجاهين مرتبطين ببعضهما ارتباطا وثيقا هما:نظام الامتيازات ،ونظام الطبقات.إن تمسك النظام الملكي بنظام الطبقات الموروث منذ أيام العصور الوسطى كان واحدا من أسباب الثورة الرئيسية،فيمكن رصد ثلاث طبقات اجتماعية شكلت النظام الاجتماعي في فرنسا:
1. طبقة الأشراف،ويمثلون الطبقة الأولى في النظام الاجتماعي الفرنسي،حيث ورث هؤلاء عن أسلافهم-سادة اقطاعات العصور الوسطى-الكثير من الامتيازات التي لم يعد لها ما يبررها،ولم تعد توافق الواقع الفرنسي الجديد في مختلف نواحي الحياة الاقتصادية والاجتماعية والفكرية.فكان هؤلاء الأشراف يملكون الأراضي الزراعية ،ويستثمرونها بواسطة فلاحين يعيشون عليها في ظروف قاسية،وهم أصحاب الحق في الوظائف الكبرى في الجيش والإدارة والقضاء والدبلوماسية،ولهم على فلاحيهم حقوق إقطاعية كثيرة ،كما أنهم يعفون من كثير من الضرائب والالتزامات المالية التي كانت تفرض داخل المدن والأقاليم الفرنسية .
2. طبقة رجال الدين(الأكليروس):لقد شكل رجال الدين طبقة مهمة داخل النظام الاجتماعي لفرنسا ،وتمتعت هذه الطبقة بنفوذ قوي استند على مصدرين رئيسين هما:الامتياز الموروث عن العصور الوسطى،والثروة المالية الكبيرة التي ترجع إلى جباية ضريبة العشر المضروبة على الملكية العقارية،كما كانت الأراضي التي تمتلكها الأديرة والكنائس كذلك معفاة من الضرائب المالية التي كانت تُفرض على نظيراتها من الأراضي،بالإضافة إلى الامتيازات الموروثة سواء كانت سياسية أم قضائية.كل هذا كان محط نقمة الجماهير وخصوصا بعد أن تعهد العديد من المثقفين على إبراز كل هذه التجاوزات والمفاسد المالية.
3. طبقة العامة(الطبقة الثالثة):والتي كانت تضم سواء الفلاحين والعامة ،وتمثل الأغلبية العظمى من السكان.وكانت هذه الطبقة تتحمل عبء دفع الضرائب ،وتقديم الجنود،خدمة الكنيسة،والأديرة والعمل في مزارع الأشراف والنبلاء.فعليهم الكثير من الالتزامات يقابلها حرمان كامل من أبسط حقوق الإنسان الطبيعية.وهناك من يقسم هذه الطبقة إلى عدة أقسام:
• من لا يملك شيئا على الإطلاق من أهل الأرياف.
• القرويين ممن لا يملكون مساحات صغيرة من الأرض.
• ملاك العقارات المتوسطة.
• البرجوازية العليا.
ولقد لعبت البرجوازية دورا مهما بعد ذلك في توجيه أحداث الثورة للقضاء على هذا النظام الاجتماعي ،وما رافقه من امتيازات وأوضاع خاصة تمتعت بها مثل هذه الطبقات." 
كل هذه الأسباب مهدت إلى الثورة،وقد تداخلت مع بعضها،وأثر كل منها على الآخر،فالسبب السياسي المتمثل في سيطرة الطبقات العليا أو الأسرة المالكة كان له كبير الأثر على السبب الاقتصادي المتمثل في نظام الإقطاع الذي فرضه أولئك السياسيين ،أو أصحاب الطبقات العليا،كما أن النظام الاجتماعي المتمثل في نظام الطبقات كان له أثر على نظام الاقتصاد من خلال التأثير على القوى العاملة _عامة الشعب_أي تأثير الطبقات الأرستقراطية،على الطبقات الدنيا وعامة الشعب...

قائمة المصادر والمراجع:

• جماعة من المؤرخين السوفيت،عيتاني،محمد(المترجم)،"موجز تاريخ العالم"،الجزء الأول ،المجلد الثاني،الطبعة الأولى،دار الفارابي،بيروت،لبنان،1989م.
• خريسات،محمد عبد القادر(أ.د)،محافظة،محمد عبد الكريم(د)،هزايمة،عصام مصطفى(د)،"تاريخ الحضارة الإنسانية"،الطبعة الأولى،مؤسسة حمادة ودار الكندي للنشر،أربد ،الأردن،1999م.
• وليام لانجر ،زيادة،محمد مصطفى(المترجم)،"موسوعة تاريخ العالم"،الجزء الخامس،بدون طبعة،مؤسسة فرانكلين للطباعة والنشر،القاهرة،نيويورك،1966م.
• H.G.WEllS،جاويد،عبد العزيز توفيق(المترجم)،"معالم تاريخ الإنسانية"،المجلد الرابع في التاريخ الحديث،الطبعة الثانية مراجعة ومنقحة،لجنة التأليف والترجمة والنشر ،القاهرة،1965م.
------------------------------------------------------------------------------
الثورة الفرنسية 
الثورة الفرنسية تعتبر فترة تحولات سياسية واجتماعية كبرى في التاريخ السياسي والثقافي لفرنساوأوروبا بوجه عام. ابتدأت الثورة سنة 1789 وانتهت تقريباً سنة 1799. عملت حكومات الثورة الفرنسية على إلغاء الملكية المطلقة، والامتيازات الإقطاعية للطبقة الارستقراطية، والنفوذ الديني الكاثوليكي. 
محتويات 
1 أفكار ما قبل الثورة 
2 ظروف اندلاع الثورة الفرنسية
2.1 اجتماعيا 
2.2 اقتصاديا 
3 مراحل الثورة الفرنسية 
4 نتائج الثورة الفرنسية 
5 خط زمني 
6 انظر أيضا 
أفكار ما قبل الثورة
ساهم مفكرو عصر التنوير في اندلاع الثورة الفرنسية فقد انتقد مفكرو الأنوار الحكم الملكي المطلق: قاسوا الظلم و قالوا بأن ثورتهم هي لفرض العدل والمساواة. و قد قال أحد السياسيين بعد الثورة قال ان احد حكام العرب قد قال متى استعبدتم الناس وقد ولدو احرارا فهانحن احرار عرف القرن 18م بفرنسا قيام حركة فكرية نشرت أفكار جديدة وانتقدت النظام القديم، ومن أهم زعمائها مونتسكيو الذي طالب بفصل السلطة وفولتير الذي انتقد التفاوت الطبقي في حين ركز جان جاك روسو على المساواة.
ظروف اندلاع الثورة الفرنسية
ساهمت عدة عوامل في اندلاع الثورة الفرنسية:
اجتماعيا
كان مجتمع على شكل هرم تراتبي يوجد في قمته طبقة النبلاء والإكليروس المستفيدين من عدة امتيازات، ثم الهيئة الثالثة المشكلة من البورجوازية الناشئة المحرومة من المشاركة السياسية، و تمثل الطبقة الكادحة أسفل الهرم، و كانت تعاني من ثقل الضرائب وأعمال السخرة. لن كانت هناك ضرائب العشور تفرض علي الفلاحين هي مقاسمتهم النقود أو الارباح من جني المحاصيل مما جعلهم أول طبقة من الثوار الحاقدين علي قيادة فرنسا وعلي لويس السادس عشر .
اقتصاديا
اعتمدت فرنسأعلى النشاط الفلاحي، وقد أدى تراجع إنتاج المحاصيل إلى تأزم البوادي وارتفاع المجاعة وتفشي البطالة بالمدن. مما أدى إلى توالي الانتفاضات انطلاقا من البوداي التي توجت بثورة باريس يوم 14 يوليو1789م.فبقيت أساليب الإنتاج الزراعي غير متطورة وتدهورت التجارة.
حكومياْ تميز نظام الحكم في فرنسا قبل الثورة باستحواذ الملك والنبلاء والإكليروس على الحكم في إطار ملكية مطلقة تستند إلى الحق الإلهي مع عدم وجود دستور يحدد اختصاصات السلطة الحاكمة .
مراحل الثورة الفرنسية
دامت الثورة الفرنسية عشر سنوات، ومرت عبر ثلاث مراحل أساسية: 
المرحلة الأولى (يوليو 1789 - اغسطس 1792)، فترة الملكية الدستورية: تميزت هذه المرحلة بقيام ممثلي الهيئة الثالثة بتأسيس الجمعية الوطنية واحتلال سجن الباستيل، وإلغاء الحقوق الفيودالية، وإصدار بيان حقوق الإنسان ووضع أول دستور للبلاد. 
المرحلة الثانية (اغسطس 1792 - يوليو 1794)، فترة بداية النظام الجمهوري وتصاعد التيار الثوري حيث تم إعدام الملك وإقامة نظام جمهوري متشدد. 
المرحلة الثالثة، (يوليو 1794 – نوفمبر 1799)، فترة تراجع التيار الثوري وعودة البورجوازية المعتدلة التي سيطرت على الحكم ووضعت دستورا جديدا وتحالفت مع الجيش، كما شجعت الضابط نابليون بونابارت للقيام بانقلاب عسكري وضع حدا للثورة وأقام نظاما ديكتاتوريا توسعيا. 
نتائج الثورة الفرنسية 
النتائج السياسية: عوض النظام الجمهوري الملكية المطلقة، وأقر فصل السلط وفصل الدين عن الدولة والمساواة وحرية التعبير. 
النتائج الاقتصادية: تم القضاء على النظام القديم، وفتح المجال لتطور النظام الرأسمالي وتحرير الاقتصاد من رقابة الدولة وحذف الحواجز الجمركية الداخلية، واعتماد المكاييل الجديدة والمقاييس الموحدة. 
النتائج الاجتماعية: تم إلغاء الحقوق الفيودالية وامتيازات النبلاء ورجال الدين ومصادرة أملاك الكنيسة كما أقرت الثورة مبدأ مجانية وإجبارية التعليم والعدالة الاجتماعية وتوحيد وتعميم اللغة الفرنسية. 
ومكنت الثورة الفرنسية تحولا كبيرا في تاريخ فرنسا الحديث وأثرت في باقي المجتمعات الأوربية.
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

07‏/12‏/2010

الثنائيات الإيبستمولوجية في العلوم الاجتماعية.. أي مقاربات؟

الثلاثاء 11 مارس 2008 
د. عبد العزيز خواجة
يعرّف لالاند Lalande في معجمه الإيبستمولوجيا بأنّها "فلسفة العلوم" «ولكن بمعنى أكثر خصوصية فهي ليست، بالضبط، دراسة المناهج العلمية، هذه الدراسة التي هي موضوع الميتودولوجيا والتي تشكّل جزءً من المنطق، وليست كذلك تركيباً أو استباقاً للقوانين العلمية (على غرار المذهب الوضعي أو المذهب التطوري) وإنّما هي أساساً الدراسة النقدية لمبادئ مختلف العلوم، ولفروضها ونتائجها، بقصد تحديد أصلها المنطقي (لا السيكولوجي) وبيان قيمتها وحصيلتها الموضوعية» (محمّد عابد الجابري، 2002، 18).
كما يعرفها أيضاً بأنّها «الدراسة النقدية لمبادئ وفرضيات ونتائج مختلف العلوم، والموّجهة لمعرفة أصولها المنطقية، وقيمها وما تحمله من موضوعية» (A. Beiton et autre, 2000, 01).
وخارج الإيبستمولوجيا العامة نلاحظ تطوّر الإيبستمولوجيات الخاصة بكلّ مجال معرفي كالإيبستمولوجيا الاقتصادية، وإيبستمولوجيا علم الاجتماع…، وتظهر ضمن فضاء العلوم إحدى أهمّ القارات المسماة "بقارة" العلوم الاجتماعية، وخصوصية المجالات التي تكوّن هذه المساحة بالمقارنة مع العلوم الطبيعية كونها مشحونةً بصدام شديد بين مناهجها منذ القرن التاسع عشر.
الثنائيات الجدلية في العلوم الاجتماعية:
تستند الطروحات التي تناولت الإيبستمولوجيا في العلوم الاجتماعية إلى معالجة الثنائيات الجدلية التي تحكم هذه العلوم وتوجّهها، وأهمّ هذه الثنائيات:
1- المثالية والمادية Idéalisme et matérialisme:
تستند نظرية المعرفة Gnoséologie قبل كلّ شيء على نقاش أساسي بين المثالية والمادية، فهل عالم الأفكار هو العالم الأوّل الذي يتميز بوجود مستقل؟ وهل المادة هي الأولى وما الأفكار إلا انحدار لها بطريقة أو بأخرى؟
فبالنسبة للمثالية التي سايرت الفلسفة منذ أفلاطون (428-347ق.م) ترى وجد أفكار مشكلة بطريقة ملائمة سابقة للتجربة. فالمساواة مثلاً تعتبر معرفة قبلية، ومن خلال الرجوع لهذه "الفكرة" (أي بأن تصبح مرجعية) نستطيع التقرب منالواقع المرّ أو الشرير لنحكم عليه، وحين نقول عن شيئين ملموسين بأن لهما نفسالقياس أو متساويين، فهذا لا يتعلق إلا بمقارنة تخمينية، كما أن الدائرة الجيدة(المثالية) تمكننا من الحكم على الدائرة المرسومة والملموسة. فعالم الأفكار (اللوغس Logos) له وجوده الخاص به، وبالنسبة لأفلاطون أكثر من ذلك فهو حقيقة عليا (واقع) مثل حقيقة العالم المحسوس وما العالم المحسوس إلاّ خداع ووهم في جزئه الأكبر (أنظر أسطورة أهل الكهف في الجمهورية). وفي هذه المقاربة نصل إلى المعرفة من خلال العقل (La Raison) والحقيقة، وعن طريق اللغة لأن اللغة ما هي إلا تعبير عن الأشكال Formes الدالة عليها. 
هذا التقليد المثالي جسده بالخصوص باركلي G.Berkeley (1685-1753)وكانط E.Kant (1724-1804) وهيجل G.W.hegel (1770-1831)، وهو ما يزال متجذراً ومتأصلاً حتّى الآن، فبعض الفيزيائيين المعاصرين ينسبون أنفسهم له بكلّ وضوح مثل الفيزيائي شرودونجر E.Schrodinger (1887-1961). غير أن المثالية بعيدة عن أن تكون متجانسة، وهنا نشير إلى أصالة وتعقّد فكر إمانويل كانط، والذي يسجّل حسب الكثير من المفكرين ثورة إيبستمولوجية عن طريق محاولته لتخطي حدود التجريبية والاستقراء، فهو يرى وجود فئات قبلية للإدراك والذهن، وهذه الفئات أو الأصناف يتمّ اكتسابها من أجل قراءة التجربة، فالعلم بهذا ليس عقلاً خالصاً ولا تنظيراً محضاً.
وهنا نجد أنفسنا أمام ما يُسمى بنزاع الكليات، فقد واجهت فلاسفة العصور الوسطى نفس القضية التي سرعانما سقطت في عالم النسيان وأصبحت مصطلحاًمهجوراً، فالكليات الخمس (الجنس والنوع والفصل والخاصية، والعرض العام) تتعلق بمفاهيم عامة مثل "الإنسان" و"الجمال"، وهي بالنسبة لبعض الفلاسفة الذين يستندون أو ينتسبون إلى أفلاطون ويتبنون وجهة نظر واقعية، خاصة كليرفو Bernard de Clairvaux (1091-1153) لها وجود فعلي وواقعي يختلف عن وجود الأشياء الخاصة التي تعنيها أو تحدّدها، فهي تنتمي إلى عالم الأفكار، وبالنسبة لآخرين ومن أشهرهم أبيلار Abelard (1079-1142)فهي ليست شيئا آخر غير الكلمات التي يُحدّد من خلالها الأفراد ما يلاحظونه فهم يتحدثون عن مفهوم "إسمي" فقط.
ترى المادية أن الواقع المادي يوجد مستقلاً عن الفكر، فبالنسبة لكارل ماركسK.Marx (1818-1883) "حركة الفكر ما هي إلا انعكاس لحركة الواقع، منقولة ومحولة إلى ذهن الإنسان". فالوجود أسبق من الوعي، ووجود الأفراد هو الذي يحدّد وعيهم وليس العكس.
وقد ظهر التصور المادي منذ ما قبل التاريخ مع مؤلفات ديمقرايط Démocrite (حوالي 460 إلى 370 ق.م) وأبيقور Epicure (341- 270ق.م) واللذان هما موضوع أطروحة ماركس. وتطور التصور في عصور الأنوار المادي نتيجة تراجع المثالية التي كانت مصبوغة ومتأثرة بمصادرها الدينية (أو التيارات الدينية). والمادية شديدة الارتباط بانطلاق التفكير العلمي، لأنّ ممارسة المعرفة تفترض التفرقة بين الشيء الذي يجب معرفته وموضوع المعرفة.
وتتبنى المادية الميكانيكية نظرية الانعكاس والتي ترى أنّ الفكر ما هو إلاّ انعكاس سلبي للواقع المادي، وقد تعرّض هذا التصور لانتقادات شديدة ومناقشات حدّة.وهنا تطمح المادية الجدلية لكارل ماركس K.Marx وانجلز F.Engels محاولة تجاوز المعارضة الكولاستيكية أو المدرسية –كما يصفها ماركس- بين المثالية والمادية. فمعالجة ماركس للتغيرات الجذرية للتاريخ (Praxis) وتحولات الواقع والاستقلالية النسبية للأفكار يعكس هذه الإرادة لتشكيل وبناء مادية ملائمة تتناسب مع دور الفكر البشري في بناء المعارف. ويؤكد لينين V.J.Lenine (1870-1924) في كتابه "المادية ونقد العلم Matérialisme et empiriocriticisme" على خاصية "نقص" المعارف باعتبارها خاصية دائمة لعدم إتمام أو اكتمال منتوج المعارف العلمية.
ويجب أن نسجل هنا أيضاً أن "الكتابات المقدسة" الماركسية غالباً ما كانت تعطي طروحات ميكانيكية لأطروحة ماركس، في حين أنّ بعض الماركسين أعطوا دوماً أهمية خاصة للعلاقات الدياليكتيكية الجدلية بين الواقع المادي وعالم الأفكار. هذا الجانب من البحث طوّره قودولي M.Godelier في كتابه "الفكري والماديL’idial et matériel" (1984). فهو يشير خاصة إلى أنّ كلّ علاقة اجتماعية، مهما كانت، تتضمن جانباً مثالياً وجانباً من الفكر والتمثّلات، هذه التمثلات أو التصورات ليست فقط شكل لهذا الغطاء الذي تأخذه المعرفة، إنّما هي جزء من محتواها، ففي تصور غودوليي من غير الممكن تقليص الأفكار إلى نظام انعكاس بسيط للواقع المادي فقط.
ويعود الفضل لأخام G.d’Occam (حوالي 1290-1349) في إعلان القاعدة التي تحمل اسمه (شفرة أخام Le rasoir d'Occam) القائمة على مبدأ "لا يجب أن نحمّل الجوهر (الذات) أكثر ممّا هو ضروري له وأكيد"، ويتعلق الأمر هنا بقاعدة حادة ترى أنّه يجب قطع (كما هو الحال في الشفرة) كلّ الافتراضات التي تخرج عن جوهر الشيء والتي قد تجر إلى احتمال التفكير فيما هو فوق إطار موضوع معين، فمثلا لفهم ظاهرة من العالم الفيزيائي ليس من الضروري الاستعانة بفكرة الرب (Dieu) أو الإله، ويستند هذا التصور على الاسميةNominalisme، لأن فكرة الحصان مثلا لا وجود مستقل لها عن الأحصنة التي تشير إليها. وتسجل قاعدة "الشفرة" لأخام ضمن الإرادة التي تطمح إلى بناء معارف وضعية وتجاوز التفكير المدرسي (السيكولاستيكي) والتحرّر عنه والذي كان يعتز به القرن الوسيط.
2- التجريبية والعقلانية Empirisme et Rationalisme:
التفكير في أصل المعرفة يجعلنا نحتك مباشرة بالتطورات الإيبستمولوجية حول الحوار الذي كان يضع بين طرفي نقيض كلاً من العقلانية والتجريبية، وهذا النقاش شديد الارتباط بثنائية المادية /المثالية، دون حصرها في ذلك فقط.
يمثل العقلانية مجموعة مفكرين خاصة ديكارت R.Descartes (1596-1650)، فبالنسبة له يعتبر العقل وحده المؤسّس لمعارفنا، وهذه الأخيرة لا يمكنها أن تصدر من الحسّ وتأثير الواقع المادي عليها، فالوصول إلى الحقيقي يمكن أن ينجر إلا من المسار المنطقي للفكر (لهذا كتب ديكارت خطاب المنهجDiscours de la méthode)، والحقيقة تفرض ذاتها من خلال قوة البداهة أو البديهي.
دافع عن الإمبريقية (التجريبية) من جهة أخرى مفكرون خاصة بيكونF.Bacon (1561-1626) ولوك J.Loke (1632-1704) وهيومD.Hume (1711-1776)، بالنسبة لهؤلاء تعتبر المعرفة ناتجة عن الإدراكات الحسية (Perception)، وبالتالي هناك أولية للفعل، وهذا لا يعني أن نشاط الموضوع المدروس مهمل أو ملغى، ويدعو Bacon بيكون بوضوح إلى إنشاء طريقة مزدوجة وتفعيلها، تنطلق من الأفعال للوصول إلى المعرفة من جهة وتنطلق من المعرفة للوصول إلى الأفعال من جهة أخرى.
ولا يجب الخلط بين الإمبريقية (التجريبية) كنظرية للمعرفة والتي لا تجد اليوم من يدافع عنها في شكلها الساذج وبين ضرورة مواجهة الأفعال أو البناء ميدانياً والذي هو عنصر لا مناص منه في العمل العلمي. وهنا يجب أن نفرّق بشكل عام بين العلوم المنطقية الصورية (الشكلية) والتي هي علوم معرفية فقط (المنطق، الجيومتري، الجبر) والعلوم الإمبيريقية والتي لها موضوع أو شيء (Objet)تطمح إلى معالجته ميدانيا (الفيزياء، الجيولوجيا، علم الاجتماع، العلوم السياسية).
3- الوضعية والعلموية Positivisme et Scientisme:
ترتبط الوضعية عامة باسم أوغست كونت A.Comte (1798-1857)، والذي يعتبر فعلاً الداعية الأكبر والأكثر شهرة ووضوحاً لهذا الاتجاه، لكنّنا نجد مؤلفين آخرين يتبنون، مع وجود تحفّظات بينهم وبين كونت، الأفكارَ الوضعية أمثال جون استورت ميل J.S.Mill (1806-1873) وبرتيلو M.Berthelot (1827-1907) وبرنارد C.Bernard (1813-1878) وتان H.Taine (1828-1893) ودوركايم E.Durkhaim (1858-1917) وليترE.Littre (1801-1881) وغيرهم.
بالنسبة لكونت ترتبط الوضعية ببروز مرحلة العلم التي تميز "المرحلة الوضعية" والتي تأتي ضمن "قانون المراحل الثلاث" بعد "المرحلة التيولوجية" (الدينية) و"المرحلة الميتافيزيقة"، ويرتبط المذهب الوضعي بالثقة في التطور البشري والاعتقاد في المعروف والخدمات والحسنات التي قدمتها العقلانية العلمية له. ويجب على المعرفة عند كونت أن تستند على ملاحظة الواقع لا على المعارف "المسبقة"، وبالتالي فالوضعية تشكل تنظيماً أو نسقاً من الإمبريقية وترتبط بنوع من الولاء أو الديانة الخاصة بالعلم والمبنية على الحتمية الآلية"Déterminisme mécaniste".
وهنا يبدو أن موقف كونت غامض، فهو من جهة يشير إلى أن أي اقتراح لا يمكن أن يكون ذو معنى ما لم يتمّ بلورته في تبيان فعل معين، في حين أنّه من جهة أخرى ينتقد الإمبريقية ويحتج على كانط Kant وليبنتز Leibnitz لأنّهما يعلنان عن وجود تنظيمات ذهنية تلقائية عند الإنسان.
ولا يجب الخلط بين المذهب الوضعي وبين أن نتبنى مقاربة أو طريقة وضعية فيبناء المعارف، فمفهوم الوضعية في الحالة الثانية هو نقيض "المعيارية"، ولا تكون المعرفة وضعية إلاّ حين تهتم بما هو كائن، فهي تختلف بالتالي عن المعرفة المعيارية التي تبحث عما يجب أن يكون، ففيما يتعلّق بالأسرة مثلاً تهدف الطريقة الوضعية لعالم الاجتماع إلى بيان التغيرات التي شهدتها الأسرة المعاصرة، أمّا الأخلاقيون ورجال الدين فيتبنون خطاباً معيارياً يستند على الحكم والتأسّف من زيادة نسبة الطلاق والولادات غير الشرعية أو خارج إطار الزواج، بذلك يكوّنون حكماً انطلاقاً من قيمة أو نسق من القيم الثقافي السائد.
أمّا الوضعية المنطقية Positivisme Logique (أو الإمبيريقية التجريبية المنطقية) فتتعلّق بالتصوّر الذي طورته دائرة فينا Cercele de Vienne، هذه المجموعة التي تشكّلت عام 1922 بمبادرة من شليك M.Schlick (1882-1936) والتي ضمّت بين صفوفها مؤلفين من أمثال نوراثO.Neurath (1882-1945) وكارناب R.Carnap (1891-1976).
وقد أثر كلّ من وينتنستون L.Wittgenstein (1889-1951) وروسلB.Russel (1872-1970) تأثيراً كبيراً في انتشارها، كما ذاع صيتها أيضاً مع نشر الدائرة عام 1929 "لبيانها" الذي يحمل اسم "التصور العلمي للعالم La conception scientifique du monde".
يتجلى الاهتمام المشترك لجماعة "دائرة فينا" في معارضة اللاعقلانية والتصورات الميتافيزيقة، فهم يدافعون من أجل وحدة العلوم (العلوم الطبيعية وعلوم الفكر)، ويؤكّدون على أن الإمبيريقية تستمد معناها من الوقائع المفسرة (لا المضاربات أو الأفكار القبلية)، ويشدّد هؤلاء المفكرون تركيزهم على الوضوح في اللغة التي تفسّر مرجعيتها للمنطق، فكما يقول وتنستون L.Wittgnstein "من يسمح لنفسه بالاسترسال في الحديث، فليسترسل في الحديث بوضوح". ويؤكد بيان الدائرة على أن "الدقة والوضوح مطلوبان، والأبعاد المظلمة والأعماق التي لا يمكن إدراك قعرها مرفوضة".
وعلى خلاف الرومانسيين الألمان فإنّ "دائرة فينا" تعتز بفلاسفة الأنوار، وتعتبر الصيغة النموذجية القائلة "يوجد إله Il y a un Dieu" خالية من المعنى،والعبارات الوحيدة التي لها معنى هي التي يمكنها أن تخضع لتحليل منطقي، ويمكن تفكيكها إلى عبارات أكثر بساطة تتعلق "بمعطيات تجريبية". فالوضعية المنطقية بالتالي تناضل من أجل إيبستمولوجيا قابلة للاختبار(Epistémologie vérificationiste) و"عبارات لا تحمل في ذاتها إلاّ ما هو قابل للاختبار" حسب ما يقول كارناب R.Carnap.
ويعتبر تصور "دائرة فينا" فيما يخص العلوم الاجتماعية واضح، لأنّها ترفض المفاهيم الميتافيزيقية مثل "روح الشعب" (المفهوم العزيز عند المنظرين الألمان)، فقد ورد في بيانهم: «كزناي Quesnay، آدم سميث Adam Smith، ريكاردو Ricardo، كونت Comte، ماركس Marx، منجر ولراسWalras، وذلك من أجل الإشارة إلى باحثين من مختلف التوجّهات، فقد عمل كلّ هؤلاء بروح ذات بعد إمبريقي مناهض للميتافيزيقية، لأنّ موضوع التاريخ والاقتصاد السياسي هي الرجال والأشياء ومدى توافقهم».
إذا كانت "دائرة فينا" تُسجل ضمن التقليد الإمبريقي، فهي تنفصل عن الإمبريقية الساذجة والاستقرائية Inductivisme، فهمبل C.Hempel مثلاً يكتب في"Elément d’épistémologie" أنّ "التصور الواسع للاستقرائية والمتعلق بالبحث العلمي مرفوض".
أمّا العلموية فليست خطاباً إيبستمولوجياً، إنّما مجموعة آراء ومعتقدات وأحكام سياسية، فهي قبل كلّ شيء ثقة مفرطة في تطوّر العلم، والخدمات الإيجابية التي قدمها للإنسانية، لكنّها أيضاً بشكل أساس تصوّر يرى أنّ المعرفة العلمية يجب أن تسبق الجهل في كلّ المجالات، وبالتالي حسب وصفة رينان Erenen (1823-1892) هي التنظيم العلمي للبشرية، ففي هذا الاتجاه على السياسي أن يمحي من التسيير "العلمي" كلّ المشاكل الاجتماعية والصراعات التي لا ترتبط إلاّ بالجهل أو النوايا السيئة. وتعطي العلموية أهمية كبيرة للتربية التي بتجريدها للحجم الكبير من التصورات الميتافيزيقية والتيولوجية (الدينية) تجعل التسيير العقلاني للمجتمع ممكناً.
وفي تصور العلمويين المتطرفين يجب إعطاء السلطة السياسية للعلماء، وبهذا الخطّ يسدّ هذا التصور الطريق أمام الديمقراطية أو كلّ حلّ ديمقراطي : فالحل"العلمي" الذي تمّ التوصل إليه من طرف المختصين غير قابل للنقاش. ويُنظر غالبا إلى كلمة "علموية" بشكل محتقر، ويستغل ذلك عادة المدافعون عن مختلف التيارات اللاعقلانية لرفض كلّ بعد علمي.
4- المادية العقلانية والعقلانية النقدية Matérialisme rationnel et Rationalisme critique: 
ظهر في بداية سنوات 1930 مؤلفان أساسيان هما: الروح العلمية الجديدة Le nouvel esprit scientifique لباشلار G.Bachlard (1884-1962)، ومنطق الاكتشاف العلمي Logique de la découverte scientifiqueلبوبار K.Popper (1902). ويوضع هذا المؤلفان عادة في طرفي نقيض، لكن يشتركان في كونهما سجّلا تجاوزاً لبداية الإمبريقية العقلانية.
تتموضع بالنسبة لباشلار Bachelard المادية العقلانية في مركز الطيف الإيبستمولوجي بين الطرفين المتطرفين المشكلان من المثالية والمادية، أمّا بالنسبة لبوبار Popper فتمثل العقلانية النقدية الرفض المزدوج للمثالية والوضعية المنطقية. ويتعلق الأمر -في كلا الحالتين- بالتأكيد في نفس الوقت على إمكانية التوصل إلى معرفة موضوعية (بشكل تقريبي) والدور الفعال للذات(Sujet) في بناء المعرفة، ويشترك هذان المفكران بالخصوص في تركيزهما على أهمية المشاكل العلمية. فقد كتب بوبار "يولد العلم في المشاكل وينتهي في المشاكل". في حين يؤكد باشلار على أنّه "تقتضي الطريقة العلمية بناء إشكالية، والتي تأخذ انطلاقتها الواقعية من مشكل، هذا المشكل الذي تمّ طرحه بشكل خاطئ".
وجّه غاستون باشلار نقداً شديداً للفردانية والإمبريقية، فالفعل العلمي مبني على ضوء إشكالية نظرية، ويقوم العلم ضدّ البديهية وضدّ التصوّرات المسبقة للمعارف الجاهزة. بهذا المعنى يتحدث باشلار عن فلسفة الرفضPhilosophie du Non، والوصول للمعرفة مثلها مثل تاريخ العلم مطبوع أو يتميز بالقطيعة الإيبستمولوجية Coupure épistémologique التي تُحدث انفصالاً مع التفكير القبعلمي Pré-scientifique، ومن أجل إنتاج معارف جديدة يجب تخطي العوائق الإيبستمولوجية.
يرى باشلار أنّ كلّ معرفة ما هي إلا معرفة تقريبية فكما يقول :"علميا نرى أن الصحيح هو بمثابة التصحيح التاريخي لخطأ طويل، ونرى أن التجربة هي بمثابة تصحيح للتصورات المشتركة والأولية"، وهو يناضل من أجل إيبستمولوجيةتوافقية أو تصالحية Epistémologie concordataire تقع في طريق وسط بين الإمبريقية والعقلانية.
يعيد كارل بوبار نفس التحليل الذي قدّمه هيوم، فقد وجّه هو الآخر نقداً للاستقراء والاستقرائية، فلا تسمح مجموعة من الملاحظات (رؤيتنا لمرور مجموعة من الأوز الأبيض) باستنتاج اقتراح أو أطروحة عامة كأن نقول كلّ الإوز أبيض.وقد قاد هذا النقد بوبار إلى إعادة النظر في فكرة التحقيق العزيزة على الوضعيين،لأن "التحقق" من فرضية معينة، ولو كان بعدد كبير من التجارب، لا يسمح بالوصول إلى "حقيقة" هذه الفرضية.
فالأطروحة العلمية ليست أطروحة القابلة للتحقيق، إنّما هي الأطروحة القابلة للدحض أو النقض Réfutable كما أنّها ليست كذلك الأطروحة المرفوضة(Réfuté). فأطروحة "الإله موجود" بالنسبة لبوبار تحمل معنى لكنها ليستعلمية لأنّها غير قابلة للدحض، وأطروحة "كلّ الإوز أبيض" حدس علمي أو افتراض علمي، فإذا رأيت إوزاً أسوداً فإنّ هذه الأطروحة مدحوضة. وبالتالي سيرورة الإفتراضية (الحدسية Conjectures) والدحض (النقض) هي التي تسمح بالوصول إلى المعارف العلمية، وفي هذا الإجراء مبدأ أولي لنظرية "ما فوق الملاحظة".
تعرضت دحضية Réfutationisme كارل بوبار للنقد خاصة من طرف لاكاتوس I.Lakatos، الذي يشير إلى أن العلماء يتقبلون بصعوبة نتيجة التجارب الأساسية التي تدحض بناءهم النظري، وعادة ما يحاول الباحثون أمام النتائج التي تعيد النظر في افتراضاتهم إيجاد استراتيجيات تحصينية لنتائجهم، ويقترح بالتالي لاكاتوس دحضية أو نقضية متطوّرة، بأن يعمل العلماء في إطار برنامج للبحث العلمي يضم نواة صلبة وحزاماً واقياً للفرضيات المساعدة، وهذه الأخيرة وحدها قابلة للدحض.
فبرنامج البحث يتميز في نفس الوقت باستكشاف إيجابي Heuristique positive (وهو ما يجب البحث فيه والمناهج المستخدمة للوصول إلى ذلك) واستكشاف سلبي Heuristique négative (المجالات التي لا يجب البحث فيها والمناهج التي لا يجب استخدامها). ويمكن لبرنامج بحث أن يكون تطوريابخلق أفكار ومعارف جديدة واكتسابها من خلال التأثير والتأثر، أو ارتدادياًRégressif بفقدان التأثير والتكيف مع العلماء، فالبرامج العلمية المتنافسة تستطيع أن تتعايش دوماً مما يفسر إثراء المناقشات أو الحوار العلمي.
ونشير هنا إلى أن الاستقرائية تصور إيبستمولوجي معياري (Normative)يرى أنّه لا يمكن بناء المعارف إلا على قاعدة الملاحظة دون أفكار مسبقة عن الواقع، وهذا التصور الإيبستمولوجي (الاستقرائية الساذجة) لا يملك اليوم أي مدافع له لا عند العلماء ولا عند الإيبستمولوجيين حالياً. فالاستقراء طريقة شائعة في التفكير تستند في استنتاجاتها إلى الاستدلال الاحتمالي، ففي غياب كلّ المعارف العلمية مثلاً في مجال الفلك ينتظر كلّ الناس شروق الشمس غداً صباحاً، ويظهر الاستقراء في مجال العمل العلمي في القياس الجيّد للحدود، فعن طريق تراكم الدراسات المنوغرافية نتوصل ، عن طريق التعميم، إلى تشكيل أطروحة عن التغير الاجتماعي مثلاً، لكن في الأصل لا يتعلق الأمر هنا بالاستقرائية لأن الباحثين في هذه الحالة موجهين في ملاحظاتهم المنوغرافية بإشكالية نظرية محدّدة تقود بناءهم العلمي.
فالإمبيريقية هي في الأصل فلسفة ونظرية للمعرفة، أمّا الاستقرائية فهي قبل كلّ شيء آخر قاعدة منهجية في العمل العلمي.
5- الاتصال والقطيعة في تاريخ العلم:
غالبا ما تُصوّر الوضعية تاريخ العلوم على شكل خط مستمر ولا يمكن أن يصبح ذلك ممكناً إلاّ من خلال السمة التراكمية للمعارف المنتجة، وقد عارض توماس كوهان Thomas Kuhn هذا التصور في كتابه "بناء الثورات العلمية La structure des révolutions scientifique"، فبالنسبة لهذا الإيبستمولوجي يتميز تاريخ العلوم بمراحل "للعلم العادي Science normale" يشتغل في إطارها الباحثون ضمن مجال معين تحت مظلة "تصوّرأو محدّد نظري Paradigme (البراديجم)" سائد، وحين يُعاد النظر في هذا "المحدّد النظري" أو البراديجم عن طريق ملاحظات جديدة أو براديجم جديد في طور النشأة تُفتح أو تبدأ مرحلة جديدة هي مرحلة "الثورة العلمية" التي تقود وتولد مرحلة جديدة أخرى "للعلم العادي".
تمّ نقد أطروحة كوهن من ماحيتين:
1- من جهة، كون محتوى العلم العادي ناتج عن اتفاق Consensus بين أحضان المجموعة العلمية وهو غير محدد بمواصفات موضوعية، مما جعل لاكاتوس Lakatos يتّهم كوهن بالنسبية في تحليله.
2- ومن جهة أخرى يدلّ تاريخ العلوم الطبيعية وكذا العلوم الاجتماعية عنتعايش، ولفترات طويلة، بين عدّة براديجمات متناقضة بشكل تنافسي دون أن تفرض إحداها نفسها على البرديجمات الأخرى باعتبارها "العلم العادي".
فإذا كان الفضل يعود لكوهن في الإشارة إلى القطيعة والتغير الجذري النظري في مسيرة تاريخ العلوم، إلا أنّ - على ما يبدو - منهجية برامج البحث العلمي لـ لاكاتوس أحسن من حيث إعطاء الأهمية لتعدّد البرديجمات في أحضان أغلب التخصّصات.
ويبين تاريخ العلوم في التصوّر الأكثر حداثة حيوية وديناميكية المناقشات العلمية في كلّ التخصّصات بعيداً عن أن يكون ذلك ضعفاً في سيرورته، إنّما خصوبة له. فتصارع أو تطاحن الفرضيات والمقاربات ونتائج التجربة والملاحظات تدعو إلى تطوّر المعارف العلمية، والمناقشة التي فتحها مثلاً ماكس فيبر M.Weberمن خلال كتابه "الأخلاق البروتستنتية والروح الرأسمالية L’éthique protestante et l’esprit du capitalisme" طورت بلا شك علماجتماع الأديان وفهم طبيعة الرأسمالية، والأطروحات التي طورها ماركسMarx زادت من البحوث والأعمال الإمبريقية والنظرية المتعلّقة بالطبقة الاجتماعية وطبيعة الدولة.
لكن وفي الآن نفسه ليكون النقاش العلمي مُنتجاً وخصباً عليه أن يخضع لقواعد المجال العلمي، فكما يشير إدغان موران E.Morin في كتابه "Science avec conscience" إلى أن "ما يجب الاحتفاظ به كشرط أساسي، حتّى لحياة العلم في حدّ ذاته، هو التعددية التنازعية أو التنافسية داخل الرهانات التي يجب أن تخضع لقواعد إمبريقية".
6- نزاع المناهج بين العلوم الاجتماعية والعلوم الطبيعية:
في مقابل التصور الذي يدعي إلى وحدة العلم، والذي يمثله خاصة الاتجاه الوضعي، نجد اتجاهاً فكرياً آخر يذهب مع تصور دالتي W.Dilthey (1833-1911) ويؤكد على وجود قطيعة راديكالية بين العلوم الطبيعية وعلوم الفكرSciences de l’esprit، فلا يجب على هذه الأخيرة الخضوع للمنهجية التي تتبناها العلوم الطبيعية لأن موضوعهما مختلف عن بعضهما تماماً. ففي المعرفة الخاصة بالطبيعة، والتي هي خارجية، يمكن إعادة التجربة وبناء خطاب موضوعي، لكن المعرفة المتعلقة بعالم الفكر لا يمكن الاستعانة فيها إلاّ بالفهم، ويمكن ذلك عن طريق الاستبطان وإدراك مدلول الأفعال الإنسانية.
يقترح دالتي ومن أجل الوصول إلى هذا الفهم استخدام المقاربة أو الطريقةالتأويلية أو الترميزية Herméneutique (وهي نظرية في تأويل الإشارات على أنّها عناصر رمزية معبرة عن حضارة معينة، تستخدم خاصة في تفسير الكتب المقدسة والقوانين القديمة)، بمعنى طريقة تفسير الظواهر المرئية للفكر الإنساني، ويرى بالإضافة إلى ذلك أن علوم الفكر لا يمكنها أن تكون بمعزل عن الحكم على الفعل والحكم على القيم، فمن المستحيل أن لا نحكم على الأفعال ونحن نستعرضها.
كما يؤكد مؤلفون آخرون على تميز علوم الفكر (أو علوم الثقافة) لكن بتبني موقف أقل راديكالية من موقف دالي ومن بينهم وندلباند W.Windelband (1848-1915) وريكارت H.Rickert (1863-1936) والذين يعتبرون اختلاف علوم الفكر عن غيرها يتمّ على مستوى منهجيتها لا موضوعها. فللعلوم الطبيعية طموح شمولي لأنّها تهدف إلى صياغة قوانين عالمية (Nomos)، ونسميهاعلوما نومولوجية Nomologique أو العلوم التي تدرس القوانين، فهي تصوغ اقتراحات قاطعة وقابلة للإثبات Apodictique لها قوة الانتشار الواسع، وبعكس ذلك فلعلوم الفكر طريقة تطمح إلى التفكير في ما هو فرديSingularité، وتنبثق من وصف الأفعال الخاصة، فهي علوم إيديوغرافيةIdéographiques لأنّها تصوغ قضايا تقديرية Assertorique تتعلقبموضوع خاص.
ويهتم الكثير من المعلقين على كتب ماكس فيبر اليوم في البحث عن ما يفرقه عن الإيبستمولوجية الدالتية، وهنا نشير إلى ثلاث نقاط أساسية على الأقل:
- فمن جهة يعبر فيبر من خلال مفهوم النماذج المثالية Idéal-Type عن طموح نموذجي، ممّا يعكس إرادته في عدم التقيد بالوصف البسيط.
- ومن جهة أخرى يؤكد فيبر من خلال تعريفه لعلم الاجتماع على ضرورة الاستعانة بطريقة الفهم والتفسير النسبي.
- وأخيراً يجب الإشارة إلى الأهمية التي يعطيها فيبر للحياد الأخلاقي والتي تسمح بتجاوز النظرة الذاتية غير القابلة للمناقشة لتأويلية دالتي.
كما نجد الكثير من الاقتصاديين الليبيراليين ينضمون لخانة التقليد الداعي لوحدة العلم، والذين يقبلون (بدرجات متفاوتة) فوقية العلوم الطبيعية خاصة الفيزياء. ويتبنى هنا هايك F.Hayek (1899-1992) وجهة نظر مختلفة، فهو يعلن عن "الديكتاتورية" أو الطغيان الذي تمارسه مناهج الفيزياء على المجالات المعرفية الأخرى نتيجة التأثير السلبي "للأحكام القبلية للعلمنة"، مع تأكيده على الطابع الذاتي للظواهر الاجتماعية، وإمكانية الوصول إلى المعرفة المباشرة لمعاني الفعل الاجتماعي عن طريق الاستبطان، ويعارض أيضاً بوضوح كلّ إمكانية وصول للموضوعية، فالعلمنة (العلموية) تقود إلى وجهة نظر مغلقة ومحدّدة وكلية وإلى نسبية تاريخية، لهذا يدعو هايك على العكس من ذلك إلى تبني الطريقة الفردانية (Démarche individualiste) من خلال تركيزه على خصوصية "العلوم الأخلاقية"، وبذلك يعلن عما يمكن تسميته بـ "التشييديةConstructivisme".
إذا كانت معرفة القوانين في العلوم الطبيعية تسمح للإنسان بالتأثير على الواقع وتشكيله تبعاً لأهدافه، فإن ذلك لا ينطبق في تصور هايك على مجال السياسة والاقتصاد والمجتمع. لأنّ تنظيم المجتمع ناتج عن نظام تلقائي لا يمكن تغييره أو التحكم فيه بشكل واع، ويريد الكونيون (Les planistes) تنظيم المجتمع حسب نموذج المهندسين القائم على قاعدة المعارف العقلية، وهم بذلك ضحايا التصوّر أو الوهم العلموي (العلمني).
إنّ التعارض الذي يدافع عنه دالتي، تمّ رفضه من قبل الكثير من علماء الاجتماع الذين ليسوا هم الآخرين بالضرورة وضعيين، ويشير بورديو Pierre Bourdieu وباسرون J.C.Passeron وشامبوردونJ.C.Chamboredon في كتابهم "عمل السوسيولوجي Le métier de sociologue" إلى أن هذا التعارض يستند على تصوّر ساذج وكاريكاتوري للعلوم الطبيعية، فهذه الأخيرة غير مطبوعة هي الأخرى بطريق مشرق نحو الحقيقة، أو بمقترحات مشتركة بين جميع الباحثين وحياد معرفي تلقائي، فالفزيائيون والكميائيون والبيولوجيون يتساءلون عن موضوعهم ويتناقشون باستمرار عن الحتمية والمادية، وحين كتب الفلكي الفيزيائي ليفي لويبلوندJ.M.Levy-Leblond أن "الفيزياء علم اجتماعي" ينتقد بطريقته الخاصة البديهية الكاذبة القائمة على الادعاء بوجود القطيعة بين "علوم قاسية" و"علوم رخوة".
يرى أرونث H.Arendt (1906-1988) أن التعارض بين العلوم الطبيعية والعلوم التاريخية قد تمّ تجاوزه، ويؤكد بياجيه J.Piaget على أنّه من غير الممكن إيجاد فروقات ذات معنى على مستوى المناهج بين العلوم الإنسانية والعلوم الطبيعية. ويشير بورديو Pierre Bourdieu من جهته كجواب لما سبق إلى وحدة النشاط العلمي الذي يستند على (مهما كان التخصص) بناء نماذج مطبوعة بتجانسها الداخلي وقابليتها للنقض أو الدحض الإمبريقي.
وخصص الأنثروبولوجي تيستار A.Testart كتابه "محاولة فيالإيبستمولوجيا Essai d’épistémologie" لنقد التناقض البسيط المزعوم بين العلوم الطبيعية والعلوم الاجتماعية، ويشير بالخصوص وبوضوح إلى نمطي النقد اللذين أعتيدا يوجهّان للعلوم الاجتماعية فيما يتعلق بعلمنتها، فعلى كلّ نظرية حول "الاجتماعي" أن تواجه جبهتين، من جهة الذين لا يتصوّرن العلم إلا بالحساب والتجربة، والذين لا يستطيعون تخيل علوم أخرى غير العلوم التي يعرفونها من قبل، وهم يقترحون النموذج المثالي لما هو علمي من خلال النموذج التعيس الذي يُقتدى به في الفيزياء، وهؤلاء يعترضون دوماً على العلوم الاجتماعية إمكانياتها النظرية. ومن جهة أخرى الذين لا يعيرون اعتباراً كبيراً للعلوم الفيزيائية، أبطال الذاتية والنسبية والتأويلية وما يفوق الوصف، والذين يحمدون أو يمدحون في العلوم الاجتماعية أكثر من سبب ممّا هو غير موجود فيها، لكن تصوّرهم هذا يشكل استمرارية للتيولوجيا أو الفكر الديني بطرق جديدة.
7-الموضوعية Objectivité والموضوعانية Objectivisme والوضعنةObjectivition:
يطمح المثل الأعلى لكلّ خطاب علمي إلى إنتاج معرفة موضوعية عن الواقع، فالعلم يقف ضد الأفكار الجاهزة والضغوط والتصورات والآراء والأحكام القيمية، ويهدف إلى إنتاج معارف مصاغة بلغة دقيقة جدًّا ممّا يجعلها خاضعةللنقد واختبارات الرفض أو القبول أو التحقق منها، وترتكز هذه الموضوعية، في التقليد الوضعي، على ضرورة التخلي عن الأفكار القبلية وعلى الخضوع لقرار الظواهر.
زعزع النقد الموجه للإمبريقية (التجريبية) والاستقرائية بقوة هذا البناء أوالمفهوم الخاص بالموضوعية، ممّا قاد البعض إلى نقد "موضوعانية" إميل دروكايم E.Durkheim وأتباعه، فقد تبنى بعض علماء الاجتماع، وقوفاً ضد هذه الموضوعانية، وجهة نظر ذاتية ونسبية، ويؤكدون بأن عالم الاجتماع، كونه يعيش بين الموضوع الذي يعالجه لا يمكنه "معالجة أو دراسة الظواهر الاجتماعية كأشياء". فقد تعرّض بالتالي معرفة "الاجتماعي" لمواجهة آراء مختلفة، لا يمكن الحزم بينها أو ترجيح الواحد على الآخر، وتبقى كلّ الخطابات في هذا النطاق ذات قيمة علمية ما دامها تبني الظواهر أو الأفعال التي تتناسب مع وجهة نظرها.
ومن خلال هذه النظرة النسبية يمكن معارضة مفهوم "الموضوعانية"، فحقيقةً ليس الواقع شفافاً، والظواهر مبنية، لكنّها غير مبنية بشكل تعسفي، فهي مبنية انطلاقاً من إشكالية يمكنها بل يجب أن تكون توضيحية لموضوعها، وعلى عالم الاجتماع تحديد مصطلحاته، وتوضيح تقنيات بحثه، وعليه أثناء هذا العمل أن يتحلى "بيقظة إيبستمولوجية"، فنحن نعلم أن أسئلة الاستمارة قد تؤثر علىالإجابات، ولا يجب استخدام المعطيات الإحصائية دون التفكير النقدي فيها. فإذا كان الباحث يستطيع في ذاته التخلي عن يقظته الإيبستمولوجية تصبح أعماله بالتالي خاضعة للنقد وتكون محل التعديل، وهكذا فالعمل الفردي والجماعي هو الذي يسمح في الآن ذاته بالتركيز على التجربة المباشرة الآنية (وأحيانا على المعاني المشتركة) وفي نفس الوقت كسر وتحطيم أو التحرر من الأفكار القبلية.
والموضوعية لا تعطى جاهزة أو بشكل تام، فهي تمثل المثل الأعلى الذي يبحث ويطمح الباحث الوصول له، بتفادي فخ الوضعنة (التوضيع)، وثمن ذلك كله بذل المجهود المستمر في طريق الموضوعانية Objectivation. وتماشيا مع إلياسN.Elias (1897-1990) يمكن أن نؤكد أن على الباحث في العلوم الاجتماعية أن يتموقع باستمرار بين "الالتزام" و"التباعد".
8- الكلية المنهجية والفردانية المنهجية Holisme méthodologique et Individualisme méthodologique:
لا يمكن بالنسبة للكلية المنهجية قصر المجتمع أو الاقتصاد في مجموع الأفراد المكونين له، وبطريقة أخرى إن كان كذلك، كما يؤكد إميل دروكايمE.Durkheim، فلن يصبح لعلم الاجتماع موضوع خاص به باعتباره تخصصاً علمياً، ويكفي إرجاع الظواهر لعلم النفس الفردي. ويؤكد كارل ماركس من جهته أن منطق أنماط الإنتاج ترتكز على الأفراد من خلال التناقضات الاقتصادية والسياسية والإيديولوجية، كما يؤكد كلّ الذين ينتمون للبنائية أو البنائية الوظيفية بدرجات مختلفة أسبقية البنية على الفرد، وفي تصور هذا الاتجاه فإنّ الاهتمام بظاهرة اجتماعية هو الاهتمام بالمحدّدات الاجتماعية التي تفسر السلوكات الفردية.
ويجب التفرقة بين الفرد الفردي والفعل الاجتماعي، فحين يصف ماركس السلوكات الرأسمالية الناتجة عن التناقضات البنائية لنمط الإنتاج الرأسمالي، لا ينفي أن هذا الرأسمالي أو ذاك يتبنى سلوكاً آخر وقد يعود إلى معسكر الطبقة العمالية كما يصف ذلك صديقه إنجلز، إنّما البحث هنا عن محدّد اجتماعي عام.
أمّا بالنسبة للفردانية المنهجية فكلّ الهويات الجماعية الخاصة بالكلية تسقط تحت رحمة قاعدة "شفرة أخام"، والحقيقة الوحيدة التي يمكن ملاحظتها هي الفاعل الفردي. يرى مستهلكي أو منتجي النظرية الاقتصادية الكلاسيكية الجديدة، وعلماء الاجتماع المساندين لريمون بودون Boudon أن كلّ الظواهر الاجتماعية ناتجة بالتالي عن تجميع للسلوكات الفردية، ومن أجل الاهتمام بهذه الظواهر الاجتماعية يجب الانطلاق من مسببات Motivation الفاعل، ويرفضالمدافعون عن الفردانية المنهجية وجهة النظر التي ترى أن الفاعل (الاجتماعي) الفردي ما هو إلا حامل للبيئة.
ومنذ وقت طويل كان يدعو الكثير من السوسيولوجيين إلى تجاوز هذا النقاش، وهذا ما تدعو إليه وضعية إلياس N.Elias التي تقترح مصطلح "التناسبية" Configuration للإشارة إلى ضرورة التفكير في الآن ذاته في السلوكاتالفردانية والمضمون (المحتوى) الاجتماعي أو السياق الاجتماعي القسري الذي تجري بداخله هذه السلوكات الفردية والتفاعلات الاجتماعية.
هذه الإرادة في التجاوز توجد عند علماء الاجتماع الفرنسيين المعاصرين أيضاً، أمثال بيار بورديو Pierre Bourdieu الذي يقترح بناء السوسيولوجيا على النسبية المنهجية Relativisme méthodologique، أو تورانA.Tourain الذي يسجل في نفس الوقت ثبات البيئة الاجتماعية وعلاقات الطبقة و"العودة دوما إلى الفاعل".
خاتمة:
القطيعة الموجودة بين المفاهيم والتي عرضناها (مادية/مثالية، إمبريقية/عقلانية) تسمح بتوجيه مجال الحوار والنقاش، فمن الخطر بالتالي أن نجعلها تناقضات لا يمكن تجاوزها، أو أن علينا أن نختار بين أن نكون رفضيين أو تحقيقيينRefutationste ou Verificationiste. وفي الحقيقة تعتبر وجهات نظر العلماء دوما أثرى وأغنى ممّا يجعلنا نبسط ونعمم مؤلفاتهم في هذه الثنائيات الجامدة.
فقد أشرنا مثلاً إلى إرادة باشلار في تأسيس إيبستمولوجية توافقية، كما أكدنا على إرادة ماركس في تجاوز المادية الميكانيكية أو الميتافيزيقية، وجعل فيبر و دوركايم في طرفي نقيض يجب أن يتمّ بكلّ حذر، فكوهن Th.Kuhn نفسه يتحفظ من الذين يضعونه في طرف نقيض بشكل مبسط مع بوبار K.Popper.
ويجب من جهة أخرى التمكّن من المعارضات أو الثنائيات الأساسية التي تبني الحوار والنقاش العلمي، والحذر من أن يوصلنا هذا الأخير إلى تركيبات جديدة تدمج وتتجاوز المعارضات القديمة وتعمل على توليد رهانات أو مجازفات جديدة
المراجع:
- أحمد زكي بدوي: معجم مصطلحات العلوم الاجتماعية: إنجليزي، فرنسي، عربي، مكتبة لبنان، بيروت لبنان، 1993.
- محمّد عابد الجابري: مدخل إلى فلسفة العلوم: العقلانية المعاصرة وتطور الفكر العلمي، ط05، مركز الدراسات العربية، بيروت، لبنان، 2002.
- Alain Beitone et autre, Sciences sociales, 2e éd, éd. SIREY, 2000
- Bachlard, Gaston, La formation de de l’esprit scientifique, contribution à une psychanalyse de la connaissance objective, Paris, JVRIN, 1976.
- Madeleine Grawitz : Méthodes des sciences sociales, 10 éd, Dalloz, Paris, 1996
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad