مجموعة اليسر للتدريب والاستشارات تأمل من زوارها الكرام المشاركة في الاستطلاعات التي تجريها بفعالية نظرا لفائدتها العالية
مجموعة اليسر للتدريب والاستشارات هي شركة تضامن لبنانية مسجلة تحت الرقم 489 تتنشط في مجال الدورات التدريبية والمؤتمرات العلمية والتربوية والاجتماعية والادارية والثقافية والتنمية والارشاد الاسري والاجتماعي ، واصدار المنشورات المتخصصة ، وتقديم الاستشارات في المجالات المذكورة وتوقيع الاتفاقيات مع الجامعات والمؤسسات والشركات الوطنية والعالمية على انواعها والقيام بالاستطلاعات والابحاث العلمية والدراسات المتخصصة في لبنان والخارج - نتمنى لكم زيارة ممتعة
‏إظهار الرسائل ذات التسميات علم الاجتماع الديني. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات علم الاجتماع الديني. إظهار كافة الرسائل

11‏/12‏/2010

بين الثقافة والدين أكثر من علاقة..

عبد الإله بلقزيز  
بين الثقافة والدين أكثر من علاقة. لنقرأ ـ هنا ـ وجهين أساسيين من تلك العلاقة لأهميتهما في مضمار تحديد معنى الثقافة وتحديد نظام اشتغالها:
يمثل الدين ـ في مستوى أول ـ ثقافة كاملة لشعب أو أمة أو حضارة. لا يتعلق الأمر، هنا بالدين من حيث هو مجموعة نصوص وتعاليم وقيم فحسب، بل ـ أساساً ـ بما هو كيان مجسد في طقوس اجتماعية وتقاليد وأفعال يمارسها الناس أيضاً، أي من حيث صيرورته نظاماً من الممارسات المادية قد تقوم مسافة ما واقعية بين وضعه النظري ـ في نصوص ـ وبين طريقة استيعابه والتعبير عنه منط رف المؤمنين به تعبيراً مباشراً في حقل اجتماعهم المدني.
يحتسب الدين ثقافة من واقع كونه يعبر عن رؤية للعالم: للطبيعة، والوجود، والانسان؛ ومن واقع كونه يقدم تصوراً لبناء الاجتماع الانساني على نحو يغطي ـ أحياناً ـ أدق تفاصيل هذا الاجتماع: اقتصاداً، وسياسة، وأخلاقاً، وأحوالاً شخصية.. الخ. ليس يهم إن سعت عقيدة ما إلى بناء (أمة روحية) ـ شأن النصرانية ـ أو إلى بناء (أمة اجتماعية وروحية) ـ شأن الاسلام، بل الأهم أنها قامت على تعاليم رسمت للمنتسبين إليها تخوم الجائز وتخوم الممنوع، وقذفت في (روعهم) الجمعي مبادئ تحولت إلى قواعد صارمة للفكر والسلوك، وأفكاراً تحولت إلى عقائد راسخة لا تقبل المراجعة في جانبها اللاهوتي حتى وإن كانت تقبل بعض التغيير في الجوانب المتصلة بميدان الاجتماع المدني.
الدين هنا ثقافة بوصفه نمطاً من المعرفة بالوجود (الطبيعي والاجتماعي)، يختلف في الأسس والمبادئ عن سواه من أنماط المعرفة الأخرى كالعلم، والفلسفة، والأسطورة، وسواها. فله مسلماته التي لا يقوم الإيمان ـ داخل نظامه ـ بغير الإقرار بها، وله طريقته الخاصة في بناء أحكامه ليست تفهم قضاياه وأحكامه بغير ربطها بنمط الاستدلال فيه.. إلخ.

ثم إنه ثقافة بوصفه نمطاً (مغلقاً) من الطقوس والشعائر والقيم، أي طريقة ثابتة الملامح في ممارسة الحياة وفي بناء الاجتماع وإعادة إنتاجه، وهو يمثل ـ في الحالين ـ بنية عقلية كاملة للمجتمع، بالمعنى الأنثروبولوجي الكامل للكلمة، أي نمطاً من التفكير والسلوك يكتسب منطقاً ذاتياً خاصاً يمتنع فهمه أو تعليله بمعزل عن شبكة المعاني والدلالات الخاصة به.
لكن الدين يمثل ـ في مستوى آخر من العلاقة ـ عاملاً من العوامل الأساسية في تعبئة ثقافة ما، وشحنها بالرموز والمضامين والمطالب، وتشكيل حقلها الخاص داخل الاجتماع المدني. الدين هنا ليس رؤية للعالم، شأنه في الحالة الأولى، بل عنصر في بناء هذه الرؤية التي قد لا تكون رؤية دينية بالضرورة، وإنما يحتمل أن تكون رؤية اجتماعية أو قومية أو سوى ذلك. فقد تفرض ضغوط سياسية واجتماعية على شعب أو جماعة تعبئة المخيال الجماعي برموز وقيم من شأن استثمارها في الحقل الثقافي أن يعيد التوازن إلى الذات، ويشحنها بالقدرة على الأداء الأفعل والأمثل. وهذا ما يفسر لماذا يجري استدعاء الدين عند كل أزمة اجتماعية أو وطنية، ولماذا يكاد التعبير الثقافي يميل إلى توطين الرموز الدينية وإلى إفساح المجال أمامها لتشكيل خطاب المواجهة.
ثمة فارق بين وجهي هذه العلاقة (بين الدين والثقافة) لا يجوز أن نخطئ قراءته: يمثل الدين في الحالة الأولى معرفة أو نمطاً من إدراك العالم، بينما هو يمثل في الحالة الثانية طاقة لشحن الحقل الثقافي بأسباب الفعالية في مجالس صراعي. إنه بنية ونسق كاملان في (الحالة) الأولى، بينما هو عنصر داخل بنية أشمل في الثانية (= ثقافة سياسية، ثقافة وطنية، ثقافة قومية، ثقافة إنسانوية..)؛ ووعي هذا الفرق بين الحالتين ممتنع من داخل نفس المقاربة المنهجية، أو هو يحتاج إلى تنوع مناهجي يناسب تنوع أحوال العلاقة. وهكذا، يحتاج فهم العلاقة الأولى إلى تحليل معرفي-منطقي يسبر أغوار النظم الدينية في المعرفة، ويحلل بنية الاستدلال فيها، ويقرأ مسلماتها ولغة الخطاب فيها، فيما يحتاج فهم العلاقة الثانية إلى تحليل سوسيو-ثقافي ينصرف إلى الكشف عن العوامل التحتية التي تدفع إلى استثمار القول الديني في بناء الثقافة.
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

10‏/12‏/2010

الأشكال الأساسية للحياة الدينية - دوركايم

من كتاب "التيارات الأساسية في الفكر الاجتماعي"
تأليف ريموند أرون
ترجمة samird
المقالة تصلح للقراءة فقط ...
"الأشكال الأساسية للحياة الدينية" هو الكتاب الثالث لدوركايم وهو بلا شك أكثر كتبه أهمية وعمقا وأصالة، وهو برأيي الكتاب الذي تتجلى فيه روح المؤلف.
في هذا الكتاب يضع دوركايم نصب عينيه هدفا وهو تطوير نظرية عامة عن الدين، والتي تبلورت من خلال تحليل المؤسسات الدينية الأكثر بساطة وبدائية. من هذه الجملة فحسب نتعلم عن أحد الأفكار الرئيسية لدوركايم : من الجائز ومن الممكن أن نطور نظرية عن الأديان المتطورة اعتمادا على دراسة الدين في أشكاله الأساسية والبدائية.فالطوطمية(1) تكشف ماهية الدين. كل استنتاجات دوركايم من أبحاثه عن الطوطمية ترتكز على فرضية أنه من الممكن إدراك ماهية ظاهرة اجتماعية ما بناء على معاينة أشكالها الأساسية.
هناك سبب إضافي للأهمية البالغة للطوطمية في نظرية دوركايم. فهو يعتقد أن العلم، في أيامنا هذه، يحتل مركز السلطة الثقافية والأخلاقية العليا في المجتمعات الفردانية والعقلانية. من الممكن أن نذهب إلى ما هو أبعد من العلم ولكن دون أن نكفر بأهميته أو أن نلغي قيمة الأشياء التي يعلمها. ومع ذلك، فإن المجتمع الذي يحدد ويكوّن ظروفا لانتشار الفردانية والعقلانية، يحتاج، كأي مجتمع آخر، إلى معتقدات جماعية. غير أنه يبدو أن الدين التقليدي، والذي لم يعد يلبي متطلبات الروح العلمية، لن يستطيع تلبية متطلبات هذه المعتقدات والإيمان.
والاستنتاج يبدو بسيطا عند دوركايم بل ومدهشا، إذا سمح لي أن أستخدم هذه الكلمة: أليس العلم ذاته هو من اكتشف أن الدين في أساسه هو تعبير عن المجتمع في صورة أخرى أو لباس آخر؟ وإذا كان صحيحا أن البشر، على مر التاريخ، عندما سجدوا للطوطم أو لله ، فهم قد مجّدوا في الواقع فقط واقعهم الجماعي الذي أخذ شكل الدين، وبذا يمكن الخروج من المتاهة. علم الدين يثبت أنه من الممكن بناء المعتقدات اللازمة للإجماع مجددا، صحيح أن العلم لا يكفي لتوليد إيمان جماعي، ولكنه يبقي فسحة أمل في أن المجتمعات المستقبلية تستطيع أن تكوّن لنفسها آلهة جديدة، حيث أن كل آلهة الماضي لم تكن سوى المجتمع بصورة مغايرة.
بهذا المفهوم يعطي دوركايم في كتابه "الأشكال الأساسية للحياة الدينية" حلا لمشكلة التناقض بين الدين والعلم. فالعلم بحد ذاته، منذ أن اكتشف الماهية الحقيقية للأديان، فهو لا يكوّن دينا جديدا ولكنه يعزز الثقة في قدرة المجتمعات على أن تكوّن لها، في كل عصر، الآلهة التي تحتاج إليها. "المصالح الدينية ليست إلا صورة رمزية للمصالح الاجتماعية والأخلاقية."
أود القول أن من بين كل مؤلفات دوركايم، فإن كتابه "الأشكال الأساسية للحياة الدينية" هو منتَج مساوٍ في قيمته ل"أسلوب السياسة الإيجابية" لأوغوست كونت. دوركايملا يصف دين المجتمع بالطريقة التي وصف فيها "كونت" دينه الإنساني بتفصيل بالغ. بل هو يقول بوضوح أن "كونت" أخطأ في ادعائه بأن فردا واحدا يستطيع إنشاء دين وفرضه. حيث أنه إذا كان الدين إنتاجا جماعيا، فإن الادعاء بأن عالِم اجتماع واحد يقدر أن يكوّن دينا لا يستقيم مع هذه النظرية. ومع ذلك، إذا أراد دوركايم أن يثبت أن موضوع الدين ليس سوى المجتمع بصورة أخرى، من الممكن عندها أن نقارنه ب"كونت"، حيث أراد أن يؤسس دينه المستقبلي، زعم أن الإنسانية، حين قضت على الآلهة الغيبية، فهي تحب نفسها، أو الخير الكامن فيها باسم الإنسانية.
من الممكن بحث "الأشكال الأساسية للحياة الدينية" من خلال ثلاثة نقاط معاينة، حيث أن الكتاب يحوي ثلاثة أنواع بحوث. فهو يحوي وصفا وتحليلا مفصلا عن مجموعةالعشائر Clans وعن الطوطمية في داخل بعض القبائل الأسترالية، مع ذكر طفيف للقبائل الأمريكية. وفيه نظرية عن ماهية الدين التي تعتمد على بحوث الطوطمية الأسترالية. وفي النهاية يعطي تفسيرا سوسيوجيا للصور المختلفة للفكر الإنساني، أي مقدمة في علم الاجتماع الإدراكي.
من بين الثلاثة أفكار يحتل الأول أكبر مساحة، وهو البحث الذي يصف مجموعة العشائر والطوطمية. ولكن لن أتعمق فيه زيادة عن اللزوم إذ بالإمكان أن نلخص بإيجاز توصيفات دوركايم عن الموضوع.
الموضوع الثاني، أي تطوير نظرية عامة عن الدين اعتمادا على البحث الذي أجرته عن الطوطمية، هو ما يهمنا هنا. وفي هذا الكتاب يستعمل دوركايم نفس الأسلوب الذي اعتمده في كتبه السابقة، بداية هو يعرّف المشكلة، ثم يقوم بتفنيد النظريات حول نفس الموضوع والمخالفة لنظريته. وفي النهاية تأتي المرحلة الثالثة، والتي يبدي من خلالها الطبيعة الاجتماعية في ماهية الأديان.
-------------------------
(1) الطوطمية: مجموعة من المعتقدات وطقوس العبادة والتي بموجبها يكون الطوطم – كائن حي معين أو نبتة أو ظاهرة طبيعية أو رمزا لأحدها، يكون مرتبطا بمجموعة اجتماعية معينة برابطة فوق-طبيعية ويمثل الخصائص التي تميزها عن مجموعات أخرى، والتي تتمثل خصائصها بدورها في طوطميات أخرى. وفي حالات كثيرة يعد الطوطم كممثل لخصائص قبيلة معينة وللجد الأول لهذه القبيلة
------------------------------------------------------------------------------------
حسب دوركايم، ماهية الدين هي تقسيم العالم إلى ظواهر مقدسة وظواهر زمنية دنيوية. لبّ الدين ليس الإيمان بإله غيبي:
فهناك أديان، وحتى متطورة للغاية، دون أي إله. معظم المذاهب البوذية لا تؤمن بإله على هيئة البشر. لا يجدر أيضا تعريف الدين بمفاهيم ومصطلحات غامضة أو فوق-طبيعية،
حيث أن هذه المصطلحات تم تكوينها في مراحل متأخرة جدا. فالفوق-طبيعي ليس له وجود إلا بالنسبة للطبيعي، ولنصل إلى فهم واضح للطبيعي لا بد من منهج تفكير إيجابي وعلمي.
إذن مصطلح الفوق-طبيعي لا يستطيع أن يأتي قبل مصطلح النظام الطبيعي، والذي بحد ذاته مصطلح تطور في فترة متأخرة جدا.
العموم الديني مبني على تقسيم العالم إلى قسمين: المقدس والدنيوي. والمقدس مكون من مجموعة اشياء، من عقائد وطقوس. وإذا كان بين هذه الأمور المقدسة علاقات تنسيق وخضوع، 
بحيث تكوّن منظومة موحدة نوعا ما وليست جزءا من أية منظومة أخرى من نوع مشابه، فإن هذا المجموع من العقائد والطقوس يشكّل دينا.
الدين مؤسس على الفرضية القائلة أنه في البدء كان المقدس، وبعد ذلك تم تنظيم العقائد حول المقدس وفي النهاية تأتي الطقوس والعادات، التي تنبع من العقائد بقدر ما من المنطق.
"الدين هو مجموعة من العقائد والعادات التي يوجد بينها علاقات متبادلة، مرتبطة بأشياء مقدسة، أي لأشياء منفردة ومحرمة، 
العقائد والعادات توحد كل المؤمنين بها تحت قيادة أخلاقية واحدة تسمى كنيسة" (الأشكال الأساسية للحياة الدينية ص65)
وبذا تمت إضافة مصطلح جديد لمصطلح المقدس ولمنظومة العقلئد لنستطيع تمييز الدين عن السحر الذي لا يحظى بالضرورة إلى الإجماع المتواجد لدى أتباع الكنيسة.
بعد أن عرّف دوركايم الدين هكذا، فهو يرفض في المرحلة التالية من دراسته، كل التفسيرات التي سبقته في هذا المضمار، التفسيرات التي تظهر في الفصل الأول من كتابه، ألا وهي الانيمية animisme والطبعانية naturisme، والتي تظهر المفاهيم الرئيسية في الأديان البدائية. 
حسب الأنيمية، فالإيمان الديني معناه الإيمان بالأرواح، والتي هي عبارة عن تجسد الشعور الداخلي الذي يحس فيه الإنسان بطبيعته المزدوجة - الجسد والنفس. 
أما الطبعانية فأن المعبودات هي تجسد لقوى الطبيعة.
إن تفسير هذه النظريات ورفضها يأخد مدى طويلا، ولكن هناك فكرة واحدة في أساس نفدهما، وهي أنه لو تبنينا التفسير الأنيمي أو التفسير الطبعاني، فإن دوركايم يعتقد ان موضوع الإيمان يذوب في هذه التفسيرات دون أن يتم إمساكه. فإذا كان الدين معناه حب الأرواح اللامحسوسة، أو قوى الطبيعة التي لبست شكلا معينا بسبب الخوف البشري،فإنها أشبه بما يكون هذيانا جماعيا. وحقا: أي علم هذا الذي تكون نتيجته الفورية ذوبان حقيقة موضوع بحثه الأساسي.
بالمقابل، يحاول دوركايم أن ينقذ واقعية الدين بواسطة تفاسيره، إذا كان الإنسان يحب تجسد مجتمعه، فهو بذلك يحب واقعا ملموسا. أي شيء ملموس وواقعي من قوة الجماعية ذاتها؟ 
فالدين هو شعور داخلي ثابت وأعمق من أن يكون غير متوافق مع واقع ملموس. فإذا لم يكن هذا الواقع الملموس إلها، فيتوجب عليه أن يكون على الأقل واقعا موجودا في الدرجة التي تلي الإله، ألا وهي المجتمع.
إن هدف نظرية دوركايم حول الدين هي تأسيس حقيقة موضوع الإيمان من دون الاعتراف بالمضمون الذهني للأديان التقليدية. فهذه الأخيرة محكومة بالفناء في أعقاب التطور العقلاني والعلمي. 
ولكن ذات العقلانية من الممكن ان تنقذ ما يحاول دوركايم هدمه لأول وهلة، فهو يبين أن البشر لم يمجدوا في الواقع شيئا سوى مجتمعهم.
لقد اعتمد دوركايم في بحثه عن الأمينية والطبعانية على مفاهيم تايلور Sir Edward Burnett Tylor وسبانسر Herbert Spencer، الذين كانا الأشهر في عصره.
نقطة الانطلاق في هذه المفاهيم هي ظاهرة الأحلام. ففي الحلم يرى الإنسان نفسه كأنه موجود في مكان لا يتواجد فيه حقيقة؛ فيخيل إليه عندئذ أن لديه شبيه ازدواجي لذاته ولجسمه، وحينها من السهل عليه أن يتخيل أن هذا الشبيه الازدواجي ينفصل عنه وقت الموت، ليصبح روحا محلقة، أو ملاك طيب أو شرير. 
إضافة لذلك فإن من الصعب على الإنسان البدائي أن يفرق بين الأشياء الحية والجمادات، لذا فهم يسكنون أرواح الموتى أو الأرواح المحلقة في أجسام محسوسة وحقيقية. 
وبذا تتكون طقوس الأرواح العائلية وعبادة الآباء. من هذه الازدواجية بين الجسد والنفس، والتي مصدرها الحلم، تطور الأديان البدائية خليطا واسعا من الأرواح المحيطة بنا، والتي تفعل الخير أو الشر.
في تفنيده المفصل، يفند دوركايم هذا التفسير عن طريق مهاجمة مركباته، واحدا تلو الآخر. لماذا يجب إعطاء الحلم هذه الأهمية؟ وإذا فرضنا ان الإنسان يدرك ذاته ككائن مزدوج، 
لماذا يجب إضفاء القدسية على هذه الازدواجية؟ لماذا يجب السجود له وإعطاءه أكبر من قيمته؟ عبادة الآباء، حسب دوركايم ليست طقسا بدائيا، وليس صحيحا أن القبائل البدائية تسجد للأموات بشكل خاص.
عبادة الأموات ليست ظاهرة أولية.

بعد أن حدد دوركايم أن ماهية الدين هي المقدس، ليس من الصعب عليه أن يقف على نقاط الضعف للتفسير الأنيمي. هذا التفسير يستطيع أن يشرح تكوّن عالم الأرواح؛ وحقا، عالم الأرواح ليس عالما مقدسا.
الاساس وهو المقدس، يبقى غير مفهوم حسب التفسير الأنيمي. لا الطبيعة ولا عالم الأرواح تكتسب قدسية بذاتها. فقط المجتمع هو واقع مقدس بذاته، فهو ينتمي إلى المنظومة الطبيعية، ولكنه يتسامى فوق الطبيعة.
وهو أيضا المصدر لظاهرة الدين، والتبرير للتفرقة الطبيعية بين المقدس واللامقدس.

هنا يؤسس دوركايم العلم الحقيقي للأديان، والذي يحافظ على موضوع بحثه، على النقيض من العلوم الزائفة التي تميل إلى تذويبه:
"لا يجدر أن يخطر بالبال أن مجموعات من الافكار مثل الدين، والتي أدت دورا مهما للغاية على مر العصور، وعليها اعتمدت الشعوب في كل الأزمنة لأجل الحصول على القوة المطلوبة لبقائها، 
لا يعقل أن تكون مجرد نسيج من الأوهام. نحن نعرف اليوم أن القضاء والأخلاق وحتى التفكير العلمي تولدت من الدين، وامتزجت به خلال فترة طويلة وبقيت متداخلة فيه.
كيف يمكن لرؤيا وهمية أن تشكّل بطريقة صلدة ولفترة زمنية طويلة فكر ومعرفة البشر؟
علم الأديان يعترف بالطبع بالمبدأ القائل أن الدين لا تعبر عن شيء غير موجود في الطبيعة، لأن العلم ليس إلا للظواهر الطبيعية فحسب.
السؤال الذي يتوجب الإجابة عليه هو من أي مملكة طبيعية جاءت هذه المحسوسات، ولماذا عبّر عنها البشر في هذه الطريقة المميزة للفكر الديني.
لذا، كي نستطيع أن نسأل السؤال، يجب أن نتفق أولا أن التعبير هنا عن أشياء ملموسة وحقيقية.

عندما اعلن فلاسفة القرن الثامن عشر أن الدين هو غلطة كبيرة تولدت في خيال الكهنة، فهم استطاعوا على الأكثر أن يفسروا استمرارية وجودها كمصلحة للكهنة في تضليل الشعوب.
ولكن إذا كان صحيحا ان الشعوب هي التي صنعت هذا الفكر المغلوط وكانت هي ضحيته، كيف استمر هذا الغش والتضليل أن يتواجد كل هذه الفترة من التاريخ...

أي علم هذا الذي نتيجته الرئيسية تؤدي إلى إلغاء الموضوع الذي يبحث فيه؟"
(الأشكال الأساسية للحياة الدينية ص98-99)

هذه جملة رائعة، ولكن أعتقد أن من ليس بعالم اجتماع أو ليس بعالم اجتماع من المذهب الدوركايمي، كان سيجيب قائلا:
هل علم الدين الذي يسجد فيه الناس للمجتمع، يحافظ على موضوع بحثه أم يؤدي إلى اختفائه؟ دوركايم، كعالم فذ، يعتقد أن علم الدين يبرز اللامحسوسية في الغيبي وفوق-الطبيعي.
ولكن هل يمكن أن نجد واقع الدين بعد أن سلبنا منه غيبيته؟
حسب رأي دوركايم، الطوطمية هي الدين الأكثر بساطة. وهذه الفكرة تلعب دورا مهما للغاية في فكره. فمن هذا الادعاء يتبين الفهم التطوري لتاريخ الدين.
فحسب الفهم اللاتطوري، تعتبر الطوطمية دينا واحدا من بين كثير من الأديان الأخرى ولا شيء غير ذلك. فإذا كان دوركايم يزعم أن الدين -الدين بأل التعريف- 
الأكثر بساطة أو الأكثر أساسية، فإنه يقول بشكل غير مباشر أن الدين ينبع من مصدر واحد.
إضافة لذلك، لأجل فهم ماهية الدين حسب هذه الحالة الخاصة والمميزة للطوطمية، يجب تقبل الفكرة القائلة بأن شعورا داخليا واحدا تم اختياره بعناية،
يمكن أن يعبر عن ماهية ظاهرة مشتركة لكل المجتمعات. نظرية دوركايم عن الدين لم تتطور نتاجا لدراسة عدد كبير من الظواهر الدينية.
بل إن ماهية الدين يمكن فهمها بناء على حالة خاصة، تعدّ معبرة عن ماهية وجوهر كل الظواهر المشابهة والتابعة للنوع ذاته.
دوركايم يحلل هذا الدين الأكثر بساطة، عبادة الأوثان، بمساعدة المصطلحات كلان clan وطوطم. الكلان هو مجموعة من الاقارب لا تتصل بصلة الدم بالضرورة.
إنه مجموعة من الناس، وربما كانت الأبسط، تعبر عن هويتها بربط ذاتها بنبتة أو بكائن حي معين. عند القبائل الأسترالية يتم انتقال الطوطم الكلاني، 
أي الطوطم المرتبط بالكلان، عن طريق الام بشكل عام. وليس لهذا الانتقال قانونية ثابتة، فعدا عن الطواطم المرتبطة بالكلان هنالك طواطم شخصية وطواطم لمجموعات أكثر تطورا مثل الفراتريات phratry (مجموعة من الكلانات المرتبطة ببعضها) أو روابط أخرى تتكون بطريق الزواج.
لدى القبائل الأسترالية التي بحثها دوركايم، لكل طوطم إشارة أو رمز خاص. فتقريبا بكل كلان هنالك أغراض، مثل قطع خشبية أو حجارة مصقولة، ترمز للطوطم وتحمل جزءا من القداسة المرتبطة به. من السهل علينا فهم هذه الظاهرة. ففي المجتمعات المعاصرة يوجد للعَلَم قيمة مساوية للchuriga عند الأستراليين.
فهو يحمل جزءا من القداسة التي يملكها الوطن. وتدنيسه مرتبط بظواهر معينه يحللها دوركايم في كتبه. الأغراض الطوطمية التي تحمل رمز الطوطم، يجب أن تثير سلوكا يحمل طابعا دينيا، مثل الفرائض (افعل) أو المحرمات (لا تفعل). ففي حالة النواهي يتوجب على المنتمين للكلان أن يمتنعوا عن أكل الطوطم أو لمسه أو لمس الأغراض التي تحمل قدسيته. وفي حالة الفرائض عليهم إبداء التبجيل والاحترام للطوطم بطريقة معروفة ومحددة.
وهكذا تكوّن في المجتمعات الأسترالية عالم من المقدسات يشمل أولا النباتات أو الحيوانات التي تشكل طوطما بذاتها، ثم بعد ذلك تأتي الأغراض الرامزة للطوطم.
وفي النهاية تنتقل القدسية لأفراد المجتمع نفسه. ويمكن الإيجاز بالقول، أن الواقع بكليّته ينقسم إلى فرعين أساسيين: الأشياء الدنيوية، تلك التي ننهج تجاهها سلوكا "اقتصاديا"، حيث أن النشاط الاقتصادي هو نشاط دنيوي بشكل ظاهر؛ وفي المقابل هناك عالم متكامل من الأشياء المقدسة، نباتات، حيوانات، صور هذه النباتات والحيوانات، وأفراد يرتبطون بهذه المقدسات في أعقاب انتمائهم للكلان. أي أن هذا عالم تم تنظيمه بقدر معين من المنهجية.
لأجل تفسير الطوطمية، يفند دوركايم أولا، كعادته، التفسيرات التي تفسر نشأة الطوطمية من دين أكثر بدائية. فهو يدحض التفسير الزاعم أن الطوطمية تطورت من عبادة الآباء، أو التفسير الذي يرى في عبادة الحيوانات ظاهرة أكثر قِدَما. كذلك هو يرفض الفكرة القائلة أن عبادة الطوطم الشخصي سبقت عبادة الطوطم الكلاني،  أو الفكرة القائلة أن عبادة الطوطم المحلّي - نسبة الطوطم إلى مكان معين - كانت هي الظاهرة الأولى. فهو يعتقد أن عبادة الطوطم الكلاني كانت هي الدين الأول، سواء كان ذلك من ناحية تاريخية أو منطقية. هذه الفرضية مهمة جدا، حيث أنها تبين الأسبقية أو الأولوية، للعبادة التي يوليها الأفراد للمجتمع بذاته. 
المصدر الأول للطوطمية هو الاعتراف بالمقدس، والمقدس هو قوة مستعارة من المجتمع نفسه وهو أقوى من كل أفراده.
فيما يلي بعضا من نصوص دوركايم، والتي سوف توضح نظريته بشكل أفضل من ملاحظاتي عليها:
"الطوطمية ليست دينا لحيوانات معينة، أو لبشر معينين أو أوثان معينة، ولكنه قوة مجهولة غير شخصية، تتواجد في كل واحد من هذه الكائنات، ولكنه لا يمتزج مع أي منها. ليس هناك من يمسك به بكامله، ولكن كل واحد منهم يشكل جزءا منه. فهو لا يتعلق بالأغراض أو الأفراد التي يتجسد بها،  فهو موجود قبلها، ويبقى بعدها. فالأفراد يموتون؛ والأجيال تتبدل، ولكن القوة تبقى جديدة أبدا، حيوية ومخلصة لذاتها. فهي تحرك جيل اليوم كما حركت جيل الأمس وستحرك جيل الغد. فإذا أدركنا هذه الجملة بمفهومها الأوسع، يمكن القول أن الإله الذي يعبدونه في كل الطقوس الطوطمية،  ليس إلا إلها غير شخصي، من دون اسم، ومن دون تاريخ، ينطبع في عالم مشتت ويتواجد في أغراض غير معدودة." (الأشكال الأساسية للحياة الدينية ص269)
هذه القطعة، والتي هي غاية في الجمال، تلائم تقريبا كل دين، توضح فكرة دوركايم بشكل مذهل: كل العقائد أو العادات الطوطمية تتشابه في ماهيتها لكل المعتقداتولكل العادات الدينية.
يعترف الأستراليون بقوة مجهولة تتواجد خارج العالم الزمني الدنيوي، هذه القوة المجهولة واللاشخصية والتي تتجسد دون تمييز في نبتة أو كائن حي أو في رمز لنبتة أو لكائن حي.
تجاه هذه القوة المجهولة، المنطبعة في العالم والمتواجدة فوقه في ذات الوقت، يتوجه الأستراليون بعبادتهم وعقيدتهم. من السهل إسقاط هذه التعابير على أي دين متطور آخر.
ولكن، هنا يدور الحديث عن الطوطمية، والذي كان شكله الأول، بحسب دوركايم، هو طوطمية الكلان: لكي يكون هناك شيء مقدس، لا بد من أن يميز الفرد بين ما يتبع للدنيا  وبين ما يختلف عنه اختلافا جوهريا في ماهيته، ولذلك يكون مقدسا. هذه التفرقة تلائم الإدراك للإنسان البدائي، حيث أنه كجزء من المجتمع، يحس بوجود شيء ما يقف خارج حدود فردانيتهم.
هذا الشيء هو قوة المجتمع الذي كان موجودا قبل أن يولد الأفراد وسيبقى بعد موتهم، وحتى دون أن يعرفوه فهم يؤدون تجاهه طقوس العبادة.
"ينتشر لدى شعوب مالينيزيا مصطلح "مانا" mana والمساوي في قيمته للمصطلح "واكن" wakan لدى قبائل "سو" ول"أوريندا" orenda لقبيلة إيروكوي.
وفيما يلي تعريف كودرينغتون R. H. Codrington :
الشعب المالينيزي يؤمن بوجود قوة تختلف تماما عن أية قوة محسوسة، تنشط في عدة أشكال، خيّرة أو شريرة، ومن الجدير للفرد أن يضع يده على هذه القوة ويسيطر عليها. هذه القوة تسمى "مانا".
يخيل إلي أنني أدرك مفهوم هذه الكلمة لدى السكان المحليين... هذه القوة هي بمثابة تأثير غير فيزيائي أو حتى فوق-طبيعي؛ ومع ذلك فهي تتجلى بواسطة قوة فيزيائية، أو بواسطة أي نوع من القوة أو السيطرة؛ ال"مانا" ليس مرتبطا بغرض معين؛ ومن الممكن نقله لأغراض من أنواع شتى...
الغاية الوحيدة للدين المالينيزي هي الحصول على "مانا" من أجل استغلاله لأهداف شخصية، أو لكي يستغله الآخرون.
أليس هذا هو المصطلح ذاته عن القوة المجهولة والمشتتة والتي رأينا بودرها حاليا في الطوطمية الأسترالية؟" (الأشكال الأساسية للحياة الدينية ص277)
في هذه القطعة، المصطلح المركزي في تفسير الدين هو قوة مجهولة ومشتتة أو منتشرة diffuse . المثال مأخوذ من المجتمعات المالينيزية. ولكن مجرد وجود نقاط التقاء في التحليلات التي أجريت على عدة مجتمعات، يقوّي، برأي دوركابم، نظريته القائلة بأن مصدر الدين هو في التمييز بين المقدس والدنيوي، هذه النظرية تكون فيها القوة المجهولة والمنتشرة، متواجدة فوق الأفراد، وقريبة منهم في نفس الوقت، وهي القِبلة الذي يتوجهون لها بالعبادة.
ولكن لماذا يتحول المجتمع إلى قِبلة للعبادة ومقصدا للعقائد؟ عن هذا السؤال يجيب دوركايم أن المجتمع، من حيث جوهره، له جانب مقدس.
"بشكل عام، ليس هتاك شك بأن المجتمع من حيث قوة تأثيره، يلبي كل المتطلبات التي تثير لدى الخلائق الشعور بألوهيته؛ ذلك أن المجتمع بالنسبة لأفراده يشكل ما يشبه الإله للمؤمنين.
الله قبل كل شيء هو كيان يتخيله الإنسان على أنه أفضل منه بنواح عدة، ويخيل إليه أن هناك علاقة تبعية تربطه به. هذا الإله من الممكن أن يكون شخصية ذات وعي وإدراك مثل "زيوس" أو "يهوه" ومن الممكن أن يكون قوى مجردة ومبسطة كما هو الحال في الطوطمية؛ في كل هذه الحالات، يعتقد المؤمن أن عليه أن يسلك سلوكا معينا يفرضه عليه المبدأ المقدس الذي يرتبط به. كذلك المجتمع، يثير لدينا إحساسا من علاقة التبعية الأبدية. ولأن له طابعا مختلفا، يختلف عن طبعنا كأفراد، فهو يطمح في أن يحقق غايات خاصة به: 
ولكن، بسبب عدم قدرته على تحقيقها بدون وساطتنا، فهو يطلب بصرامة مساعدتنا. فهو يطلب أن ننسى مصالحنا وأن نصبح خدما له، فيما هو يفرض علينا متاعب وحرمانا وتضحيات، بدونها تصبح الحياة المشتركة مستحيلة. ولذا نحن ملزمين بالخضوع لقواعد سلوكية وتفكيرية لم نصنعها ولم نرِدْها، وحتى أنها تتناقض أحيانا مع ميولنا ومع رغباتنا وغرائزنا الأساسية.
ومع هذا، لو تنازلنا وضحينا لأجل المجتمع بسبب قوة إلزامية من طرفه، من الممكن أن نفكر فقط بوجود قوة فيزيائية يجب الخضوع لها بالضرورة، وليس بفكرة وجود قوة أخلاقية  كتلك المقصودة في العبادة عند الأديان الأخرى. إن سيطرة وقوة المجتمع لا تتعلق بتفوقه من حيث قوته الفيزيائية التي يستطيع تشغيلها، ولكنها ترتبط بالقوة الأخلاقية التي يملكها.
فإذا انصعنا لأوامره، فليس ذلك بسبب كونه مسلحا يستطيع التغلب على مقاومتنا، وإنما بسبب احترامنا له." (الأشكال الأساسية للحياة الدينية ص295-296)
يثير المجتمع لدينا شعور الربوبية. فهو يمثل أمرا مفروضا علينا وكذلك واقعا خاصا يقف فوق كل واحد منا، يتتطلب منا الاحترام والإخلاص والخضوع.
المجتمع كذلك يشكل أرضية خصبة لنمو العقائد ، لأن الأفراد المتقاربين والذين يعيشون بتوافق معا، يستطيعون في لحظات التسامي أن يخلقوا الألوهية.
فيما يلي فقرتان مثيرتان للاهتمام، وتظهران المميزات المذكورة آنفا. في إحداها يصف دوركايم مشاهد التسامي التي يحسها الأستراليون المنتمين للمجتمعات البدائية، وفي الُثانية، يتطرق للثورة الفرنسية كصانعة ممكنة للدين. ها هي الفقرة عن الأستراليين:
"مع حلول الليل كانوا يقومون بعدة مسيرات، يرقصون ويغنون تحت ضوء المشاعل؛ والحماسة العامة تأخذ بالتعاظم. وفي لحظة ما، يمسك كل من المساعدين الإثني عشر  شعلة ملتهبة بيده، وأحدهم يمسك شعلته على هيئة حربة، ثم يبدأ بالتحرش بمجموعة من المشاركين. ويتم صد ضرباته بالعصي والرماح. عندها يختلط الحابل بالنابل.
يقفز الرجال وينتصبون، مطلقين صرخات وحشية؛ الشعلات يخفت ضوءها ثم يتوهج مجددا كلما اصطدمت برؤوسهم وأجسامهم، ويتناثر الشرر في كل اتجاه.
"الدخان والشعلات الملتهبة، ومطر الشرر المتناثر، والجماهير التي ترقص وتصرخ، كل هذه الأشياء تكوّن مشهدا بريا متوحشا لا يمكن توصيفه بالكلمات" على حد قول سبانسر Spencer وغيلن Gillen (باحثي القبائل الأسترالية الذين اعتمد دوركايم على أبحاثهم)
ليس من الصعوبة بمكان أن نرى كيف أن الإنسان، حين يصل إلى هذه الدرجة من التسامي، لا يعود مدركا لذاته. ذلك أنه يحس أنه مسيّر ومنجرف في أعقاب قوة خارجية، تجعله يفكر ويسلك سلوكا غير معتاد، من الواضح أن لديه الانطباع أنه ليس هو ذاته. يخيل إليه أنه كائن جديد: الزينة التي يتزين بها، وأنواع الأقنعة التي يغطي بها وجهه، تجسد، بشكل ملموس، هذا التغيير الداخلي الذي يشعر به. وحيث أنه في نفس الموقف، يشعر جميع زملائه ذات الشعور بالتغيير، ويترجمون إحساسهم لصرخات، حركات  وسلوك مغاير، لأول وهلة يبدو أن كل شيء يحدث في عالم خاص يختلف بماهيته اختلافا جوهريا عن العالم الذي يحيون فيه على الدوام، وكل ذلك في بيئة حافلة بقوى عظيمة جدا تخترقهم وتغيرهم. كيف يمكن لهذه الأحاسيس من هذا القبيل، وخاصة أنها تتكرر لعدة أسابيع، أن لا تزرع فيهم الإيمان بوجود عالمين منفصلين لا يوجد بينهما وجه شبه؟
الأول هو العالم الذي يدير فيه حياته اليومية. أما العالم الثاني فهولا يستطيع دخوله إلا إذا أقام قبل ذلك اتصالا مع القوى العجيبة التي تثير حماسته إلى حد الجنون. الأول هو العالم الدنيوي الزمني، والثاني هو عالم الأشياء المقدسة. (الأشكال الأساسية للحياة الدينية ص311-313)
يبدو لي أن هذه القطعة هي التعبير القاطع عن وجهة نظر دوركايم. لنتخيل مجموعة كبيرة من الناس يرقصون ويصرخون في الوقت الذي يؤدون فيه طقوسا تشبه العيد أو العبادة، هذه المجموعة هي مجموعة متقاربة بسبب العادات المشتركة أو الأفعال المتشابهة. الطقوس، والتي هو عبارة عن فعالية جماعية، تجعل كل فرد منهم يخرج من نطاق ذاته. تجعله جزءا من قوة المجموعة.
الطقوس تجعلهم يحسون بوجود شيء ما، ليس له قاسم مشترك مع روتين الحياة اليومية المتعبة والمملة. هذا الشيء الخاص والمميز والذي هو طبيعي وفوق-طبيعي معا، هو ذات القوة الجماعية.
وهو أيضا شيء مقدس. هذه الظواهر من الانفعال الحماسي هي مثال للعملية النفسية الاجتماعية التي تتولد منها الأديان.
قبل ذلك يورد دوركايم ذكر عبادة الثورة. في فترة الثورة الفرنسية اجتاح الأفراد نوع من الحماس الشبه-ديني. كلمات مثل "أمة" "حرية" و"ثورة" كانت مشحونة بقيم قداسية، يمكن تشبيهها في القيمة الموجودة في الchuringa عند الاستراليين.
"إن ميل المجتمع لوضع نفسه في مكان الإله أو أن يوجد ألوهية خاصة به، قد ظهرت ببروز إبان السنين الأولى للثورة. في تلك اللحظات من الانجراف الحماسي، تحولت بعض الأشياء، الدنيوية بطبعها، إلى أشياء مقدسةـ وذلك تحت تأثير الرأي العام؛ والقصد هو للوطن والحرية والحكمة. كل دين يميل لأن يكوّن لنفسه أيديولوجية خاصة به وكذلك رموزا وهياكل وأعياد خاصة. كانت هناك محاولة لإضفاء صبغة رسمية لهذه التطلعات الطبيعية عن طريق عبادة الفهم والحكمة و الوجود السامي.
هذا الدين الجديد صمد لفترة وجيزة فقط، ولكن الحماس الوطني الذي جرف بدايةً جماهير غفيرة من الناس، أخذ يتضائل شيئا فشيئا. وعندما اختفى السبب، لم تستطع النتيجة أن تصمد طويلا. ورغم استمراريتها القصيرة، ما زالت هذه التجربة تثير الاهتمام لدى السوسيولوجيين. بالإمكان إيجازها بأننا أدركنا أنه في حالة خاصة تحول المجتمع، مع آرائه ومبادئه الرئيسية، بشكل مباشر ومن دون أن تحدث فيه تغييرات من أي نوع إلى غرض حقيقي للعبادة" (Ibid. pp. 305-306 )
ومع ذلك ستحصل ثورات وانتفاضات جديدة، وسيحين الوقت لتنجرف المجتمعات المعاصرة مرة أخرى في الجنون الديني، لتتكون منه أديان جديدة. (مذكرات طقوس هتلر في نيرنبرغ تجعلنا نضيف: لسوء الحظ!)
أنري برغسون (Henry Bergson) ينهي كتابه "مصدرا الأخلاق والدين" بهذه الجملة: "الكون هو ماكنة تنتج الآلهة" دوركايم كان سيقول: المجتمعات هي ماكنات تنتج الآلهة، ولكن لكي ينجح هذا الجهد الإبداعي، من الضروري أن يهرب الأفراد من حياتهم اليومية، ويخرجوا من داخل ذاتهم وينجرفوا في حماسة مصدرها وتعبيرها معا هما تسامي النفس للحياة المشتركة.
التفسير الاجتماعي للدين، كما يراه دوركايم، يلبس إذن صورتين: الأولى تشدد على الفكرة أن الأفراد حسب الطوطمية يسجدون لمجتمعهم، دون معرفة أو لأن المقدس يرتبط قبل كل شيء بالقوة الجماعية الغير شخصية التي تمثل المجتمع ذاته. حسب التفسير الثاني، تميل المجتمعات لإنتاج الآلهة أو الأديان عندما تكون في حالة تسام تنبع من قوة الحياة المجتمعية.
لدى القبائل الأسترالية، يحدث هذا التسامي أثناء الطقوس التي نستطيع مشاهدتها حتى هذه اللحظة. بينما في المجتمعات المعاصرة، يقول دوركايم، من دون أن يؤطر نظرية محددة، يحدث هذا التسامي أثناء الأزمات السياسية والاجتماعية.
يطور دوركايم من هذه الأفكار الأساسية تفسيرات لمصطلحات "النفس"، "الروح" و "الله". ويتابع التطورات الذهنية لأشكال التمثيل الديني. الدين يعني مجموعة من العقائد، والعقائد ذاتها يتم التعبير عنها بالكلمات، أي أنها تأخذ شكل فكر يحوي قدرا ما من المنهجية. دوركايم يبحث عن المدى الذي تصل إليه المنهجية في الطوطمية. فهو يريد أن يبين حدود المنهجية الذهنية في الطوطمية، إضافة إلى إمكانية الانتقال من الطوطمية إلى الأديان الأكثر حداثة.
يوضح دوركايم أهمية نوعين من الظواهر الاجتماعية: الرموز والطقوس. عادات اجتماعية كثيرة لا تُوجَّه بالضرورة تجاه الأغراض ذاتها وإنما أيضا تجاه رموز هذه الأغراض. في الطوطمية، لا تقع المحظورات على الحيوانات والنباتات الطوطمية فحسب، وإنما على الأغراض التي رسمت عليها الحيوانات والنباتات أيضا. وبشكل مشابه، لا تتوجه سلوكياتنا الاجتماعية اليومية تجاه  الأشياء ذاتها فقط وإنما على رموز هذه الأشياء أيضا. لقد تطرقت سابقا إلى كون العَلَم رمزا للوطن. الشعلة تحت قوس النصر بباريس هي ايضا رمز. المظاهرات الجمتهيرية مع أو ضد سياسات معينة هي أيضا أفعال موجهة تجاه الرموز وتجاه الأشياء في آن واحد.
لقد طور دوركايم نظرية معقدة عن الطقوس الدينية، يوضح من خلالها أنواعها المختلفة وأدوارها العامة. وهو يفرق بين ثلاثة أنواع من الطقوس: طقوس سلبية وطقوس إيجابية وطقوس يسميها طقوس الكفارة.
تهتم الطقوس السلبية بالممنوعات بشكل رئيسي: حظر الأكل واللمس تتطور كعادة التقاليد الدينية الزاهدة والمتقشفة. بينما الطقوس الإيجابية هي طقوس اتحاد مع الرب، هدفها، مثلا، زيادة الخصوبة. 
عادات الأكل تتبع أيضا للطقوس الإيجابية. يبحث دوركايم أيضا في طقوس المحاكاة والتقليد أو التمثيل، وفيها يحاكي المؤمنون أمورا يتمنون حدوثها. كل هذه الطقوس، سواء كانت سلبة أو إيجابية أو طقوس كفارة، تلعب دورا اجتماعيا مهما. هدفها هو الحفاظ على بقاء المجتمع، وتحديث الشعور بالانتماء للمجموعة والمحافظة على العقيدة والدين. لا وجود للدين ألا بواسطة العادات، والتي هي رموز للعقائد وأيضا وسيلة لتجديدها.
نهاية، يستنتج دوركايم من بحثه عن الطوطمية، نظرية اجتماعية للإدراك. فهو لا يحصر نفسه في محاولة فهم عقائد وعادات القبائل الأسترالية، ولكن أيضا يحاول أن يفهم أنماط التفكير المرتبطة بالعقائد الدينية.
الدين ليس فقط النواة البدائية التي نبتت وتفرعت منها القواعد الأخلاقية والدينية بالمفهوم الضيق للكلمة، ولكنه أيضا النواة التي تتطور منها التفكير العلمي.
هذه النطرية الاجتماعية للإدراك تفترض برأيي ثلاث فرضيات:
1- الأشكال البدائية للتصنيف ترتبط بتصورات دينية عن الكون، نتجت من تمثيلات صنعتها المجتمعات المختلفة لنفسها، ومن ثنائية العالم الزمني الدنيوي والعالم الديني أو المقدس. 
دوركايم يؤسس هذه الفرضية بعدة أمثلة.
"بشكل مجرد، لم يكن ليخطر ببالنا تقسيم الكائنات في العالم إلى مجموعات متجانسة، تسمى أنواعا أو أجناسا، لولا واجهنا المثال عن المجتمعات الإنسانية، ولولا كنا نتطرق إلى الأشياء نفسها كـأنها أعضاء في المجتمع الإنساني، حيث لأنه قبل ذلككانت التصنيفات الإنسانية والمنطقية مختلطة ببعضها البعض. من جهة أخرى، هذا التصنيف هو أسلوب للتقسيم إلى مجموعات بترتيب هرمي. 
هناك مجموعات مسيطرة، وهناك مجموعات خاضعة لها؛ تتعلق الأنواع وخصائصها المميزة بالأجناس والصفات التي تعرّفها. بكلمات أخرى تتواجد الأنواع المختلفة من نفس الجنس في المستوى نفسه."
(الأشكال الأساسية للحياة الدينية ص210)
بشكل عام، يعتقد دوركايم أنه تم تقسيم العالم إلى مجموعات تسمى أجناسا، لأننا رأينا قبالتنا المثال الذي يقدمه المجتمع الإنساني. في المجتمعات الإنسانية هنالك تقسيم منطقي لمجموعات، يقع بشكل مباشر على الأفراد.
عادة التقسيم هذه، يتم توسيعها لتمتد إلى الظواهر الطبيعية، وذلك لأننا نرى العالم على صورة المجتمع.
التصنيفات لمسيطرين وخاضعين، تتطور من محاكاة الهرمية الموجودة في المجتمع. فكرة الهرمية، الضرورية للتصنيف المنطقي للأجناس والأنواع، كان بالإمكان استعارتها، في الواقع، فقط من المجتمع نفسه.
"لا منظر الطبيعة المحسوسة، ولا أنظمة التخاطر التفكيري، كان باستطاعتهما إعطاءنا هذه الفكرة. الهرمية هي ظاهرة اجتماعية صرفة. فقط في المجتمع هناك علوي، سفلي ومساوٍ. لذا، 
ورغم أن هذه الحقائق لا يمكن إثباتها، فإن مجرد تحليل هذه المصطلحات يكفي لكشف مصدرها. لقد استعرناها من المجتمع ثم أسقطناها على الصورة التي نرى فيها عالمنا. 
المجتمع هو من زودنا بالخلفية التي تطور بناء عليها الفكر المنطقي." (Ibid. p. 211 )
2- يدعي دوركايم أن فكرة مثل السببية مصدرها هو المجتمع، ولا يمكن أن تطون قد نبتت من مصدر آخر. الإحساس بالحياة الجماعية يولد فكرة القوة. المجتمع هو من يولد في البشر الإدراك 
بوجود قوة هي فوق الأفراد.
3- في النهاية يحاول دوركايم جاهدا أن يثبت أن النظرية الاجتماعية للإدراك، كما يصفها هو، توفر الوسائل المطلوبة للتغلب على نظريات معاكسة مثل الإمبيرية empirism والأبريورية apriorism، التناقض المشهور الذي يناقشونه في الفلسفة التي تدرس في المدارس، والذي درسه دوركايم في الكلية في مساق الفلسفة، والذي سندرسه لاحقا.
لإمبيرية هي النظرية التي تكون بحسبها الأصناف، والمفاهيم عامة، ناتجة مباشرة من تجربة حسية. بينما حسب الأبريورية، وضعت المصطلحات والأصناف في الروح الإنسانية منذ البدء. ومع هذا، يزعم دوركايم أن الإمبيرية خاطئة لأنه لا يستطيع أن يفسر كيف تنبع الأصناف والمفاهيم من معطيات الحواس، وكذا الأبريورية خاطئة لأنه لا تفسر شيئا، لأنها تضع في الروح الإنسانية، كمعطى أساسي وأولي، ماهية الشيء الواجب تفسيره. الدمج بين الطريقتين يتأتى من خلال تدخل المجتمع.
من الواضح بالنسبة للأبريورية، أن الحواس وحدها غير كافية لتوليد الأصناف أو المفاهيم، وأن هناك أمرا آخر غير الحواس في الروح الإنسانية. ولكن، لم تفهم الإمبيرية ولا الأبريورية أن لهذا الأمر، والذي هو أكثر من معطيات حسيةـ يجب أن يكون له مصدر وتفسير. الحياة الجماعية هي تمكّن من تفسير الأصناف والمفاهيم.
المفاهيم، بحسب النظرية العقلانية، هي تعبيرات غير شخصية، لأنها تعبيرات جماعية. والتفكير الجماعي يختلف بطبعه عن التفكير الفرداني، والمفاهيم هي تعبيرات تفرض نفسها على الأفراد لأنها تعبيرات جماعية. إضافة لذلك، تلبس المفاهيم زيا تعميميا، كونها تعبيرات جماعية. ففي الواقع لا يهتم المجتمع بالأفراد وبالأمور الخاصة. فهو الجهاز الذي تستسلم بواسطته الأفكار للعمومية، وفي الوقت ذاته، تجد الأفكار فيه السلطة النموذجية للمفاهيم والأصناف.
"المفاهيم هي الطريقة التي يعبر فيها المجتمع لنفسه عن الأشياء" (الأشكال الأساسية للحياة الدينية ص626)
للعلم سلطة عليا علينا لأن المجتمع الذي نحيا فيه يريد ذلك.
"من الضروري أن تأخذ المفاهيم سلطتها من قيمتها الموضوعية وحسب، حتى حين تكون مبنية على أسس غير علمية. فصحتها غير كافية لتصديقها. إذا لم تكن متلائمة مع العقائد الأخرى، مع الأفكار الأخرى، وباختصار مع مجموع التعبيرات الجماعية، فسيتم رفضها. ولن تقبلها الخلائق،  وفي النهاية ستكون كأنها لم تكن. إذا كان اليوم كافيا لتصديق أمر ما، حمله لختم علمي، فهذا لأننا نثق بالعلم.
هذه الثقة لا تختلف بماهيتها عن الإيمان الديني. فالقيمة التي نعطيها للعلم تتعلق في النهاية، بالمفهوم الذي نبنيه لأنفسنا بطريقة جماعية عن طبيعته وعن دوره في الحياة؛ معنى هذا، أن العلم يعبر عن رأي عام معين. بالطبع، من الممكن أن نرى في الرأي العام موضوعا للبحث وأن نحوله إلى علم؛ هذا هو أساس اهتمامات السوسيولوجيا. ولكن، علم الرأي العام لا يشكل الرأي العام؛ فهو يستطيع أن يوضحه ويجعله معروفا أكثر، لا غير. يستطيع العلم أن يصنع تغييرا في الرأي العام؛ ولكن العلم سيبقى  متعلقا بالرأي العام حتى لو خيّل إليه أنه يملي قوانينه؛ حيث أن العلم يستقي من الرأي العام القوة  اللازمة للتأثير عليه." (Ibid. pp. 625-626 )
لو اختفى الإيمان بالعلم، على سبيل المثال، من مجتمع معين، فإن كل الإثباتات العلمية الحالية ستصبح بلا فائدة. هذه حجة مفهومة ضمنا، وسخيفة في نفس الوقت. حيث أنه من الواضح أن الإثباتات العلمية لن تقنع أحدا في اللحظة التي يتوقف الناس عن الإيمان بقيمتها. ولكن الحجج لن تفقد صحتها، حتى لو افترضنا أن الناس قرروا التصديق بكون الأبيض أسود، وكون الأسود أبيض. إذا كان الحديث يدور عن الإيمان كظاهرة نفسية سيكولوجية، فإن دوركايم محق تماما؛ أما إذا ما كان الحديث يدور عن الحقيقة من منظور منطقي أو علمي، فيبدو لي أنه مخطئ تماما.
المجتمع بحسب دوركايم، هو واقعي ومثالي في آن واحد، ويصنع المثال من جوهر ماهيته. عندما أنظر للمجتمع على أنه مجموعة من الأفراد كما هو حال الكلان في المجتمعات الأسترالية – حيث أن المجتمع كواقع محسوس، يمكن إدراكه من الخارج، يتكون من الأفراد ومن الأغراض التي يستخدمونها – في هذه الحالة، أراه غير صحيح أن هذا المجتمع ، الذي هو واقع طبيعي، يمكن أن يكون أرضية خصبة لنمو العقائد. من الصعب أن نجد عادات دينية تكون خاصة بأفراد وحيدين. إضافة لذلك فإن كل الظواهر الإنسانية تعكس بعدا اجتماعيا، ولا يوجد دين معين خارج المجموعات التي ولد بها، أو خارج الجاليات المسماة كنائس. ولكن، إذا أضفنا لذلك كون المجتمع مثاليا عدا كونه واقعيا، وأن الأفراد الذين يعبدونه، فإنهم يسجدون لواقع غيبي، من الصعب علي تقبل ذلك؛ حيث أنه إذا كان محتوى الدين هو حب المجتمع القائم والمحسوس، يبدو لي أن هذا الحب هو نوع عبادة الأوثان، وفي هذه الحالة يكون الدين رؤية وهمية كما هو الحال في التفسير الأنيمي أو الطبعاني.
هناك إمكانيتان: 
الإمكانية الأولى: أن المجتمع المتوجه إليه بالعبادة هو مجتمع موجود ومحسوس، يتكون من أفراد، وهو غير كامل لأن أفراده غير كاملين؛ وفي الحالة هذه فإن الأفراد الساجدين له هم ضحايا رؤية وهمية تماما كأولئك الساجدين للأشجار، الحيوانات، الأرواح أو الأنفس. إذا اعتبرنا المجتمع واقعا طبيعيا، فإن هذا التفسير لدوركايم لا "ينقذ" موضوع الدين أكثر من أي تفسر آخر.
الإمكانية الثانية: أن المجتمع كما يراه دوركايم ليس مجتمعا واقعيا، ولكنه مجتمع يختلف عن المجتمع الذي باستطاعتنا معاينته، وبهذه الحالة نترك مجال الطوطمية وندخل مجال الدين الإنساني على هيئة مفهوم أوغست كونت. فالمجتمع المتوجه إليه بالعبادة ليس واقعا محسوسا وإنما واقع مثالي يعبر عن المثال المتحقق بشكل غير كامل في المجتمع الحقيقي. وإذا كان الأمر كذلك، فليس المجتمع هو الذي يفسر تكوّن مفهوم "المقدس"، ولكن مفهوم "المقدس" الذي تكون في الفكر البشري، هو الذي يغير وجه المجتمع، كما يستطيع تغيير وجه كل واقع آخر.
يقول دوركايم أن المجتمع ينتج الدين في الأوقات التي تلتهب فيها الحماسة. هنا نتحدث عن حالة خاصة منفردة. فالأفراد موجودون في حالة نفسية يشعرون من خلالها بقوى غير شخصية، وهي جوهرية وغيبية في آن واحد.هذا التفسير للدين يؤدي إلى تفسير سببي بحسبه يساعد الحماس الاجتماعي بتولد الدين. ولكنهنا يسحب البساط من تحت الفكرة القائلة أن التفسير الاجتماعي للدين يمكّن من إنقاذ موضوع الدين بالقول أن الإنسان يسجد لما هو مستحق للعبادة. أيضا، نحن نخطئ بحديثنا عن المجتمع بصيغة المفرد، حيث أنه بحسب دوركايم نفسه هناك مجتمعات، بصيغة الجمع. إذا كانت العبادة موجهة نحو المجتمعات، فستكون هناك أديان قبلية أو قومية. وفي هذه الحالة تكون ماهية الدين ليست فقط إرساء الإخلاص المتشدد في نفوس الخلائق تجاه مجموعات صغيرة وتوجيه الإخلاص الفردي نحو مجتمعه، ولكن أيضا، توجيه كراهيته نحو المجتمعات الأخرى.
يبدو لي أن ليست هناك إمكانية لتعريف ماهية الدين كعبادة الفرد للمجموعة، فحسب رأيي، السجود للنظام الاجتماعي هو ماهية الكفر بالذات. الزعم بأن الأحاسيس الدينية موجهة نحو المجتمع بهيئة أخرى، هذا الأمر لا يعني إنقاذ التجربة الإنسانية التي تحاول السوسيولوجيا شرحها، ولكنه تقليل من قيمتها.
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

09‏/12‏/2010

علم الاجتماع الديني



1/ مقدمة
إن دراسة علم الاجتماع للدين جزء لا يتجزأ من الجهود البحثية العديدة لفهم الظاهرة الدينية وما يحيط بها من خصوصيات وملابسات ولعل الدراسة الفلسفية واللاهوتية هي أول الدراسات التى تصدت بشكل علمي لها وأدت إلى ردود فعل متناقضة ما بين الاتفاق التام أو الصد والتشنج والوصف بالزندقة
ورغم هذا فقد ظل الدين تجسيد لأعلى وأسمى الطموحات الإنسانية فالقيم الدينية ليست قيما مطلقة فحسب بل هي قيما إنسانية تهدف إلى السمو بمكانة الأفراد والجماعات حتى وان وصف أحيانا بانه مؤشر سلبيا لتقدم المجتمعات وتطورها خاصة عندما يكون عاملا مشجعا للتعصب وعدم التسامح وتفشى الجهل والخرافة لذلك يرى العد يدون انه لا يمكن فصل مسالة الدين عن المجتمع او اهمال دوره الهام فى تغيره
فالدين كنقطة محورية فى فكر المؤسسين لهذا العلم رغم ان كلاهما قد اصطدم كثيرا .فما هو الجديد الذي جاء به هدا العلم الجديد ؟
المبحث الأول : مفهوم الدين و نشأته
المطلب الأول : تعريف الدين ( مفاهيم / مصطلحات )
تعريف الدين:
لا يوجد للدين تعريف واضحوثابت هناك العديد من التعريف للدين ، وتتصارع جميعها على محاولة أشمل و أدق تعريفلكن في النهاية مثل هذا الموضوع يخضع لإيمان الشخص الذي يضع التعريف و بالتالي يصعبوضع تعريف يرضي جميع الناس . فالدين يتناول واحدة من أقدم نقاط النقاش على الأرض ،و في القدم كان النقاش يتناول شكل و طبيعةالإلهالذييجب أن يعبد ، أما في العصر الحديث فيتركز النقاش أساسا حول : وجود أو عدم وجودإلهخالقتتوجبعبادته.
لذلك نجدمن يحاول تعريف الدين من منطلقإيماني،روحاني،يقيني ، أو من منطلقإلحادي، أومن منطلقعقلانييحاول دراسة الدين كظاهرةاجتماعيةأونفسيةأوفلسفية.
علماءالاجتماعينظرون إلى الدينعلى انه مجموعة مجردة منالقيموالمثلاوالخبراتالتي تتطور ضمن المنظومة الثقافية للجماعة البشرية . فالدين البدائي كان من الصعبتمييزه بنظرهم عن العادات الاجتماعية الثقافية التي تستقر في المجتمع لتشكل البعدالروحي له .
شرح بعض المفاهيم والمصطلحات
1- المعتقد:
.حكم او رأى او اتجاه يتعلق بالواقع الاجتماعي حيث يعتنقه الفرد باعتباره صحيحا ويلاحظ هنا مفهوم المعتقد عن مفهوم القيمة التى تعرف بانها نسق شبة مقنن يستخدمه الفرد فى قياس وتقدير المواقف الاجتماعية ,ويعتمد تحديد المعتقد على الملاحظة الامبيريقية والمنطق ويشار الى المعتقد على انه حكما يتناول الواقع .
2- العبادة :
.لهذا المصطلح ثلاث استخدامات هى
*يعرف بعض العلماء انثربولوجيا العبادة بانها محطة للنظم الدينية فى المجتمع,وخاصة فى المجتمعات المتاخرة
*يصفها البعض الاخر بانها بناء من المعتقدات والممارسات المتعلقة بالاله او بعد الاله.ولذلك فهى تشكل نوعا من النظام الدينى
*على حين نجد بعض العلماء الاجتماع يقصرون استخدام هذا المصطلح على عبادة الاقليات الدينية
3- العبادة في الاسلام :
..العبادة فى الاسلام وكذلك فى الاديان السماوية الاخرى لها الشان الاول بين الفرائض والواجبات ,ففيها يقر المرء اقرارا كاملا بقلبه ولسانه وجوارحه كما يتاكد خضوعه خضوعا كاملا لله الخالق الباقى من وراء كل وجود زائل ,وقد جعل الله العبادة واجبا مفروضا على خلقة من إنسان او جان ونبات وحيوان فما من شىء فى الوجود الايسبح بحمده ويقدس له
4- الملة " طائفة دينية" :
هى جماعة ذات مذهب دينى خاص من المذاهب الدينية العديدة فى المجتمع
5- الذنب :
....نوع من انواع القلق الناجم من احساس الفرد بخروجة عن القيم والمعايير الاجتماعية المتفق عليها ,ويلاحظ ان الاحساس بالذنب لا يعتبر نتيجة لعدم كفاية الفرد او فشلة وانما يرجع الى وجود قيم ومطالب متصارعة اى انه انعكاس لعدم الاتساق فى بيئة الفرد الثقافية والاجتماعية
6- الوحدانية :
....معتقد يقوم على ان هناك الها واحدا يسمو وجوده عن الالهه الاخرى القائمة ومن ثم تتحتم عبادته قبلها جميعا .ومعتقد الوحدانية يختلف عن عقيدة التوحيد التى لا تعترف الا باله واحد يعبد وحسب
7- تدين :
...ويعنى الاهتمام بالانشطة الدينية والمشاركات فيها ويعنى ايضا مجموع انماط السلوك والاتجهات التى يحكم عليه الفرد باعتبارها دينية فى جماعة او مجتمع معين
8- الطقوس الدينية :
...هو التخلص من الشعور الذى لا ترضى الكائنات المقدسة والتى هى اساس الدناسة والوسيلة الى ذلك هو التطهر والتكفير عن الخطيئة والاعتراف وتختلف الاديان فى تحديد الطقوس والشعائر المؤدية الى تحقيق هذا الهدف
9- الطائفة الدينية :
.وهى جماعة تقوم على اساس الاشتراك فى عقيدة او مذهب دينى مستمد من تلك العقيدة ولذلك فهى جماعة متماسكة ,العضوية فيها تطوعية اكثر منها الزامية
10- التطرف الديني :
...لقد ادى التعطش الدينى لدى الشباب .وكذلك فى حالة الفراغ والضياع الدينى فى كافة المجتمعات ونتيجة لفشل التكنولوجيا وحدها فى ان تكون هدفا للحياة الاجتماعية ,وفشل الحضارة المادية فى ان تقدم المحراب البديل عن المسجد والكنيسة والمعبد ,والمتطرفون هؤلاء من جميع الاديان ليسوا فى الواقع على دين سوى دين انفسهم فهم عابدون لذواتهم وتصوراتهم الشخصية وليس الله الواحد الداعى الى التواضع والمسالمة.
إن علم البحث في نشأة الدين أو ما يسمى بعلم الاجتماع الديني هو علم حديث نسبيا فهو لم يبدأ إلا في القرن التاسع عشر, وكان من أوائل العلماء الذين بحثوا في نشأة الدين العالم (سير جيمس فريزر) و (تايلور) و (إميل دوركايم) و (راد كليف براون) وغيرهم من علماء الاجتماع والأنثروبولوجي .
أما عن أسباب تأخر الأساليب العلمية لدراسة الظاهرة الدينية فيرجع ذلك لعدة أسباب أعاقت دراسة نشأة الدين كارتباط الدين بالجانب العقائدي من حياة الإنسان مما يجعله, محاطا بسياج من الرهبة والقدسية التي تدعو إلى الحذر والتردد في معالجة موضوعاته.
المطلب الثاني : نشأة الدين
بازدياد خبرة المجتمعات البشرية وازدياد اعتمادها على الطبيعة وإلى ضرورة التحكم بها خاصة عند المجتمعات الزراعية البدائية ؛ وبازدياد تأثير الظواهر الطبيعية على تركيبة هذه المجتمعات وطرق إنتاجها لحاجاتها البشرية ؛ بقيت المجتمعات البشرية غير قادرة على التحكم بأساليب حياتهم ومعيشتهم، الطبيعة والظواهر الطبيعية كان لها الدور الفصل في التحكم بمصير هذه المجتمعات. بدا الإنسان ضعيفاً عاجزاً أمام قوى الطبيعة العاتية، ومازال حتى الآن عاجزاً بشكل من الأشكال.
فظهر الدين أو ما يعرف بالفكر الديني، أخذ البشر بالاعتقاد بوجود كائنات غير مرئية، أو كائنات تعيش في أماكن بعيدة، تتحكم بمصير المجتمعات البشرية فكان لابد من استرضاء هذه الكائنات وطاعتها وتقديم القرابين لها، لتحميهم وتمنع الأخطار عنهم. وبهذا ظهر ما يعرف بالدين أو الفكر الديني
توصل بعض علماء الاجتماع الغربيين بعد دراسته للنظام الديني في بعض القبائل البدائية الأسترالية وهي أقدم القبائل البشرية، وجدوا أن هذه القبائل يعبدون الجد الأكبر الذي ينتمي إليه أفراد القبيلة ويقدمون له الطقوس والشعائر، ويطلقون عليه (الطوطم)، وهذه النظرية تعنى، أن أقدم قبائل البشرية لم تكن تعتقد بوجود إله مقدس، ولم يكن لديهم أية فكرة حول الإله خالق الكون أو ما وراء الطبيعة كما يعرف الناس اليوم، فنرى بعض الكتاب يتبنى هذه النظرية ويجعل منها مسلمة من المسلمات، وحق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، لأنها توافق مذهبه في الإلحاد ونقض الأديان، إلا أن علماء غربيين آخرين قاموا بزيارة تلك القبائل واكتشفوا خطأ وقصور هذه النظرية وأثبتوا أن الإنسان البدائي الأسترالي يعتقد أن العالم قد تكون في عصور قديمة عن طريق كائنات مقدسة يطلق عليها اصطلاح (طوطم)، وليس الطوطم هو الجد الأكبر للقبيلة، بل الطوطم كانوا يطلقونه على كائنات مقدسة يعتقدون أنها هي التي خلقت هذا العالم، إن علم البحث في نشأة الدين أو ما يسمى بعلم الاجتماع الديني هو علم حديث نسبيا فهو لم يبدأ إلا في القرن التاسع عشر, وكان من أوائل العلماء الذين بحثوا في نشأة الدين العالم (سير جيمس فريزر) و (تايلور) و (إميل دور كايم) و (راد كليف براون) وغيرهم من علماء الاجتماع
و تظهر وظيفة الدين بما جاء به ماكس فيبر الذى يرى ان الدين كحاجة اساسية انسانية رغم تفاوت طبيعة وشدة هذه الحاجة عند مختلف الافراد و هو الاهتمام المطلق و فهم الغرض من الحياة ومعناها وايضا ينجر الذى يرى الدين على انه النسق من المعتقدات والممارسات التى بواستطها يكافح جماعة الافراد المشكلات المطلقة للحياة الانسانية
بذلك فوظيفة الدين تتمثل فى انه يقدم للافراد التفسير لمشاكلهم الحياتية ويمدهم باسترتيجية لقهر اليأس والشعور بالاحباط لذلك فالدين ظاهرة اجتماعية يتعايش ويكتسب كثيرا من جوانب معايشته وتفاعله مع الجماعه ويمكن اعتبار اعتقاد الفرد هو الايمان والاظهار الاجتماعى له هو الدين
المطلب الثالــــــث الأسباب التى أدت إلى دراسة الأديان
عندما دخلت أوروبا عصر التنوير في القرن الثامن عشر وعمت العقلانية جميع الاوساط شن العلماء الطبيعيون حربا ضد الكنيسة وأدرك العلماء في ذلك العصر ان المنهج الذى يطبقه العلماء الطبيعيون يمكن تطبيقه على العلوم الانسانية وقد ساعد على ذلك ان العلوم الطبيعية قد بدأت تتقدم بسرعة مذهلة وأجتاحت الثورة الصناعية أوروبا ونشأت الحركات الأستعمارية لتغذية الصناعة بالمواد الخام ومع الأستعمار أنتقل الكثير من الأوربيين للعيش في أفريقيا وأسيا وتعايشوا مع أناس غير مسيحيين بل ودرسوا تاريخ إيران والشرق الأقصى بدياناته المتعددة والحضارة المصرية القديمة وقد قاموا بمقارنة ما وصلوا أليه من علم بما جاء بالتوراة فوجدوا أختلافا كثيرا أدى إلى ظهور النقد اللازع للتوراة بل والكتاب المقدس ككل فتدخلت الكنيسة لتوقف هذا النقد اللازع ولتخرج من الحرج التى وقعت فيه فقام كثير من أتباعها من العلماء بتبنى نظرية دارون في التطور وطبقوها على الأديان بمقولة أن المظاهر الدينية التى يتمتع بها الهمج أو المسلمون او غيرهم تعتبر بداية سابقة للتطور الدينى المسيحى الأوربى غير أن هؤلاء المفكرين من أتباع الكنيسة أغفلوا أو تغافلوا عن حقيقة مهمة وهى أن نظرية التطور على الرغم مما وجه إليها من النقد مجالها علم الجيولوجيا وليس مجالها الدين هذا من ناحية ومن ناحية أخرى فإن القول بأن الدين ظاهرة تخضع للتطور وأن الأديان الأخرى غير المسيحية حلقة في سلم التطور أمر يناقض العقل فلماذا تطور الأوربيون إلى المسيحية ولم يتطور غيرهم أليها على الرغم من التعاصر الزمنى بين الفريقين
المبحث الثانــي : موضوع علم الاجتماع الديني
المطلب الاول : مفهوم علم الاجتماع الديني
هو العلم الذي يدرس المؤسسات الدينية دراسة اجتماعية ( اماكن العبادة – الطقوس ) , كذالك العمليات الاجتماعية داخل المؤسسات الدينية , يعرف علم الاجتماع الديني العلاقة المتفاعلة بين الدين و المجتمع ايضا عرف بانه العلم الذي يدرس الجذور الاجتماعية للظواهر الدينية و اثر هذه الظواهر في المجتمع و البناء الاجتماعي كما عرف بانه العلم الذي يدرس المؤسسة الدينية دراسة اجتماعية
وقد عرف "هولت" المؤسسة الدينية بأنها المنظمة الدينية الرسمية ذات الطابع و الصبغة الدائمة و المستمرة ( وزارة الاوقاف و وزارة الشؤون الدينية – المساجد ). و من هذا المفهوم يظهر بان علم الاجتماع الديني يختص بدراسة الظواهر الاجتماعية التي تبرز في المؤسسات و النظم الدينية والتي حددها البروفيسور "جورج زيمل" في كتابه – علم الاجتماع الشكلي – بما يلي : 1/- الرئاسة و المرؤوسية في المؤسسات الدينية. 2/- المركزية و اللامركزية في المؤسسات الدينية. 3/- الموضوعية في المؤسسات الدينية. 4/- الصراع و الوفاق في المؤسسات الدينية . 5/- المنافسة و التعاون داخل هذه المؤسسات. ان الدراسة الجتماعية للمؤسسة الدينية ينطوي على تحليل الامور التالية : * دراسة العلاقات الاجتماعية داخل المؤسسة الدينية * نظام السلطة في المؤسسة الدينية. * نظام المنزلة في المؤسسة الدينية. * تحليل العمليات الجتماعية داخل المؤسسة الدينية .
المطلب الثاني : عوامل ظهور علم الاجتماع الديني. ان علم الاجتماع الديني هو وليد العلاقة الجدلية بين الموضوعات التي يدرسها كل من علم الاجتماع وعلم الدين فقبل ظهور علم الاجتماع الديني في النصف الاول من القرن 20 كانت موضوعاته و ادبياته مبعثرة و مشتتة في حقلي علم الاجتماع و الدين و بظهوره انفصلت الموضوعات الاجتماعية الدينية كي تنمو و تتكامل و تصبح قادرة على تفسير الظواهر الاجتماعية تفسيرا علميا هادفا . اما العوامل التي ادت الى استقلالية علم الاجتماع الديني عنهما هي كالاتي : 1- عدم قدرة علم الاجتماع على دراسة الظواهر الدينية دراسة اجتماعية متخصصة نظرا لسعة و كبر مجاله الدراسي و تعدد موضوعاته كثرة العوامل و القوى المؤثرة في الحياة الاجتماعية للانسان الى جانب عدم اهتمام علم الدين بدراسة الجذور الاجتماعية الدينية و اثر هذه الظواهر في البناء الاجتماعي . 2- تعقد الحياة الاجتماعية و تفرعها و تداخل ظواهرها في القيم و الممارسات الدينية مع ظهور الاهتمام المتزايد للدين في شؤون المجتمع لاسيما بعد طغيان الحياة المادية و النفعية على الحياة الروحية و الاخلاقية . 3- ظهور الدراسات والادبيات الكثيرة في حقل علم الاجتماع الديني خلال الفترة ( 1920-1950 ) لاسيما كتاب " علم الاجتماع الديني و "روح الرأسمالية " لمؤلفه "ماكس فيبر" و كتاب الوظائف الاجتماعية للكنائس , الى جانب ذلك ظهور عدة اقسام علمية متخصصة في حقل علم الاجتماع الديني التي تم تأسيسها في العديد من الجامعات الاوربية و الامريكية و التي ادت بدورها الى بلورة الاختصاص و تنميته و انتشاره. المطلب الثالث : أهداف علم الاجتماع الديني. يمكن تلخيص أهداف علم الاجتماع الديني فيما يلي : - فهم و ادراك الاسس الاجتماعية للظواهر الدينية كالعبادة ( الصوم، الصلاة ). - فهم و ادراك ماهية الظواهر الاجتماعية التي تبرز في النظم و المؤسسات الدينية مثل الصراع- التعاون . - من أهداف علم الاجتماع الديني ايضاح العلاقة بين الدين و المجتمع. - تثبيت الحدود العلمية بين علم الاجتماع الديني و التخصصات الدقيقة لعلم الاجتماع من جهة و بين العلوم الاجتماعية الاخرى . – تطوير علم الاجتماع الديني بحيث يستطيع تفسير جميع الظواهر الاجتماعية و الدينية . - زيادة عدد العلماء و الباحثين في اختصاص علم الاجتماع الديني . - السعي من اجل تحرير علم الاجتماع الديني من الذاتية و الانفعالية و العاطفية التي غالبا ما تسيطر على المتخصصين في هذا الحقل الدراسي . – اعتماد مناهج متطورة و حديثة و التي تمكن المختص في علم الاجتماع الديني من اجراء البحوث و الدراسات النظرية بكفاءة و دقة اكبر. المبحث الثالث : الاتجاهات النظرية لعلم الاجتماع الديني المطلب الاول : مناهج البحث في علم الاجتماع الديني. تتطلب الدراسة العلمية للدين ,وجمع المادة العلمية الواقعية عن الموضوعات المتعلقة بالجوانب الدينية لاستخدام عدد من المناهج منها :
1/- المنهج التاريخى :
تسعى الدراسات الاجتماعية فى هذا العلم لبحث العلاقة بين الوقائع الاجتماعية وسمات التدين وتهدف لتفسير هذه العلاقة ليس فى ظل ظروف محددة ولكن فى جميع الحالات هذا ما ادى الى نمو النظريات الخاصة بتطور الدين وتطور البيانات عن الجماعات الدينية لذلك كان المنهج التاريخى من المناهج الهامة لبحث مثل هذه الظواهر الدينية
وقد استخدمة بارسونز وبيلا فى دراسة تطور الدين ,فقد استخدمة بارسونز واشار الى ان الدين فى تطورة يزداد تباينا وتفردا عن بقية المجتمع وهذا يعنى ان الدين يزداد خصوصية .فالدين مازال شيئا هاما بالنسبة للافراد ,اما بيلا فقد وضع خمس مراحل تطورية للدين هى (مرحلة الدين البدائى ,مرحلة الدين القديم, مرحلة الدين التاريخى,مرحلة الدين المعاصر المبكر,ومرحلة الدين المعاصر) )
2/- منهج المقارنة الثقافية :
وقد استخدمه فيبر فى محاولة اختبار نظريتة عن العلاقة بين الاخلاق البروتستانتية وظهور الرأسمالية عن طريق دراسة الدين والاقتصاد فى كل من الهند والصين واستخدمه تالمون فى دراسته للعديد من الثقافات الدينية واستخدمة العديدون فى دراسة قضية المعتقدات الدينية والتغير فى ادوار الافراد ,رغم هذا فهذا المنهج به عدة صعوبات تكمن فى ان مفاهيم التدين تتباين بشكل كبيرمن ثقافة لاخرى للدرجة التى يصعب فيها المقارنة بينهما
3/- المنهج التجريبى :
استخدم هذا المنهج فى دراسات الدين ومازال يواجه صعوبات كثيرة فالباحث لا يستطيع ان يستخدم جماعات ضابطة واخرى تجريبية لاختبار المتغيرات المتعلقةباعتناق دين جديد ,رغم ها فقد استخدم هذا المنهج فى دراسات التنشأة الاجتماعية الدينية ,كالدراسة التى قام بها باتسون حول معرفة الخصائص السيكلوجية والقيمية عند الافراد قبل وبعد لقاءات التوعية والانعاش الدينى 4/- منهج المسح الاجتماعى :
وقد استخدم هذا المنهج فى دراسة الانتماء الدينى والمداومة على الذهاب لدور العبادة والمداومة على الصلاة ومعرفة اتجاهات الطائفة الدينية والاعتقاد فى مفاهيم دينية معينة وهو عموما يفيد فى ايجاد ارتباطات بين سمات دينية محددة واتجاهات اجتماعية معينة. 5/- المنهج الاحصائى :
هو من المناهج التى استخدمت حديثا فى ذلك , وقد يفيد هذا المنهج فى ابراز الارتباطات والعلاقات بين مكونات الظواهر الدينية ,هذا على الرغم من عدم مصداقية نتائجه فيما لا يتعدى توضيح العلاقات العلمية بين مكونات الظاهرة و موضوع الدراسة، وتظهر من خلال هذه المناهج شروط او بالاحرى اسس يجب التقيد بها اثناء الدراسة منها :
* يجب على الباحث تعطيل الافتراضات التى يأتى بها إلى مواد بحثه كالأفتراضات الدينية والقيمية والاخلاقية والتى تشكل ثقافةالباحث ودينه وحضارته وهذه الافتراضات لابد ان ينحيها الباحث جانبا حتى لا تفرض نفسها على المواد التى تحت بحثه حتى يعطى المجال للظواهر والحقائق بأن تحدثه عن نفسها وتفصح له عن جوهرها . * لابد للباحث ان يتعاطف مع المواد التى يدرسها فإذا كان هناك شخص ما يعتنق دين معين و يدرس دين يكرهه فهذه الكراهية لابد ان تؤثر على تفهمه لذلك الدين وبالتالى على نتائج بحثه فالمظاهر الدينية لا يمكن دراستها كالأشياء الجامدة بالعقل بل يضاف لذلك ما يعبر عنه القلب فالباحث اذا لم يتأثر مع القيمة المجسمة في الطقوس الدينية فهو بالطبع لم يدركها * تجميع المواد وتصنيفها حسب مقولات نابعة منها فقد يتعاطف الباحث مع القيمة وينحى افتراضاته جانبا ولكن يرتب القيم ترتيبا يتناقض مع معطياتها فذلك يهلك قيمة هذه المواد فهذه المواد مع بعضها تعطى معنى كلى لا يمكن التوصل اليه الا بترتيب المواد حسب مقولات نابعة منها. * التعرف على الماهية وهو امر حدس يصل اليه الباحث عندما يتم البناء الكامل للظواهر التى عندما يتم بناؤها العضوى وتتشابك العناصر المكونة لهذا الدين عندئذ يمكن للباحث يأمعان النظر في هذه العناصر ان يصل إلى جوهر الدين وماهيته. المطلب الثاني : علاقة علم الاجتماع الديني بالعلوم الاخرى. 1- علاقة علم الاجتماع الدينى بالفلسفة :
اذا كانت العلوم الحديثة قد نشات فى احضان الفلسفة فان الفلسفة نفسها نشات فى احضان الدين ولم يكن هناك فروق بين التفكير الدينى والتفكير الفلسفى عند الشرقيين فالاساطير الشرقية تنطوى على كثير من الافكار التى تمثل لب المشكلات الفلسفية ولكنها عرضت باسلوب غير منطقى كما عرضت المشكلات الفلسفية عند اليونانين وان كانت الفلسفة قد حاولت ان تستقل استقلالا تاما عن مجال الدين فان مناخها لم يزل دينيا حتى اننا نرى ان بعض المدارس الفلسفية تتخذ لها بعض الشعائر والطقوس الخصة كما لو كانت قد اصبحت نحلة من النحل الدينية الخاصة مثل الافلاطونية الحديثة واخوان الصفا
ومن جهة اخرى كانت هناك محاولات للربط بين الدين والفلسفة ولاسيما الاديان السماوية اذ حاولت بعض الفلاسفة البرهنة على عدم الوجود تعارض بين الدين والفلسفة حيث يظهر الدين واضحا عند الفلاسفة المسلمين وخاصة عند الفرق الاسلامية الكلامية ومن اهمها المعتزلة
ولذللك لم تكن علاقة بين الدين والفلسفة علاقة توافق دائما بل كثيرا ما ينشا نزاع بينهما يزداد احيانا ويقل احيانافقديما اتهم سقراط بانه يفسد عقول الشباب الاثينى ويبشر بألهة جديدة ومن هنا حم علية بالسجن حتى الموت بينما عارضت الكنيسة الاوربية _فى العصور الوسطى _افكار الفلاسفة التقدميين ,كما عارضت الدولة الاسلامية الفلسفة والفلاسفة وحرمت بعض مؤلفاتهم .
2- علاقة علم الاجتماع الدينى بالعلم :
يعتمد علم الاجتماع الدينى لى مناهج البحث فى علم الاجتماع العام ولكنة يتاثر بشكل واضح بالعلاقة بين العلم والدين حيث ان منهج البحث فى العلم يعتمد على المحسوس اما جوهر الدين يحتاج الى منهج يصلح لتناول القضايا غير المحسوس او قضايا عالم ما بعد الطبيعة والنزاع بين العلم والدين لم ولن يتوقف فكلما تزايد المكتشفات العلمية تزايد التناقض بين العلم والدين نظرا لعدم تقبل علماء الدين الاوائل الحقائق العلمية اذا حاول هؤلاء العلماء ان يجبروا العلماء على دحض ما توصلوا الية من نتائج علمية كما فعلو مع جاليليوا لتعارضهما مع الدين.
3- علاقة علم الاجتماع الدينى بالاقتصاد :
ان صلة النشاط الاقتصادى بالاجتماع الدينى صلة وثيقة فهى وجهين لعملة واحدة لجميع الاديان ويلاحظ ذلك ى المجتمعات البدائية حيث كان تنظيم العمل وتقسيمه بين الرجال والنساء كان على اساس دينى كما كانت الدورات الزراعية لدى قدماء المصريين على سبيل المثال ترتبط بحفلات دينية خاصة ايام الحصاد هذا ولا يزال الفلاح المصرى يتوجه الى الله حتى الان متوسلا اليه ان ينبت زرع وينمى بذوره ومحصوله ويلاحظ ان هذا العلم يمتاز عن هذه العلوم وخاصة الدينية فى انه لا يدرس الظواهر الدينية لذاتها وانما يتناولها من زاوية خاصة باعتبارها نظما اجتماعية قائمة بذاتها لها وظائفها الاجتماعية ولها اثرها فى النظم الاجتماعية الاخرى القائمة فى المجتمع.
4- علاقة علم الاجتماع الدينى بالقانون :
من الملاحظ وجود ارتباط بين القانون والدين وخاصة لدى قدماء اليونانيين والرومان والهنود والصينيين وكذلك الحال لدى اليهود والمسيحيين والمعلمين فى العصور الوسطى وترجع تلك الصلة الى ان الناس تتقبل القانون بدرجة عاليةوخاصة اذا ما كان مرتبطا بالدين.
المطلب الثالث : بعض رواد علم الاجتماع الدينى. 1/- كارل ماركــس : تأثر ماركس بكتابات عدد من المفكرين والفلاسفة في القرن 13 حول ماكتبوه عن الدين وكان من هولاء فيورباخ الذي الف كتاب " جوهر المسيحية " ويتكون الدين في نظر فيورباخ من أفكار وقيم أنتجها البشر خلال تطورهم الثقافي ولكنهم أصبغوها على قوى سماوية أو إلهية ونظرا إلى أن البشر خلال تطورهم لايعرفون مصيرهم تمام المعرفة لذلك فإنهم ينسبون إلى أنشطة الآلهة ماسبق لهم أن أنتجوه في مجتمعاتهم من قيم ومعايير وحالما يتبين البشر أن القيم التي يرجعونها الى الدين إنما هي من إنتاجهم فإن هذه القيم ستغدو ممكنة التحقيق دون إرجاعها إلى الحياة الأخرى وعليه يمكن للبشر إكساب القوى التي ينسبونها إلى الله المحبة والخير والقدرة على التحكم في الحياة ويتفق ماركس معه في أن الدين يمثل حالة من الاغتراب الإنساني كما كان يرى أن الدين بمثابة القلب في عالم لاقلب له وهو الملاذ من قسوة الواقع اليومي ويرى أن الدين بشكله التقليدي سوف يختفي بل لابد أن يختفي وذلك لإن القيم الايجابية التي يمثلها الدين قد تكون نموذجا هادىء لتحسين الأوضاع البشرية على هذه الأرض وعليه على البشر ألايخشو الآلهة التي صنعوها بإنفسهم وألا يصفوا عليها المثل والقيم التي يمكن لهم أن يحققوها بأنفسهم...وأعلن ماركس في إحدى عباراته الشهيرة أن((الدين أفيون الشعب)) فالدين يرجع السعادة والجزاء في الحياة الاخرى ويدعوا الناس الى القناعة والرضا بأوضاعهم في الحياة وباالتالي عدم الانتباه إلى المظالم ووجود التفاوت واللامساواة في العالم فالدين في نظر ماركس ينطوي على عنصر أيديولوجي قوي لان المعتقدات والقيم الدينية تستخدم لتبرير جوانب اللامساوة في مجال الثروة والسلطة.
2/- إميل دور كايم : ركز دور كايم في دراسته للدين على الاعتقاد الديني في المجتمعات التقليدية الصغيرة حين درس الطوطمية التي يمارسها سكان أستراليا الأصليين بل إعتبرها تمثل الاشكال الاولية للدين ((الطوطم: حيوان أو نبات يجسد فيه قيمة رمزية للجماعة ويحضى با الجلال والاحترام لان له طابعا مقدسا تتبلور حول منظومة من الانشطة الطقوسية المتنوعة))
يعرف دور كايم الدين عن طريق الفصل بين ماهو مقدس ومدنس فالناس يتعاملون مع الرموز المقدسة بمعزل عن جوانب الحياة اليومية التي تدخل في باب المدنس ويحضر في هذه الحالة أكل الطوطم من الحيوان أو النبات ويعود إعتبار الطوطم مقدس كونه رمز الجماعة نفسها فهو يجسد القيم المحورية في حياة الجماعة والمجتمع فموضوع العبادة هو المجتمع نفسه الذي يسعى لتأكيد ذاته بذاته ويرسخ شرعيته وقيمته وبالتالي فالآلهة ماهي الا صورة للمجتمع كما يؤكد دور كايم على ان الديانات ليست عبارة عن معتقدات بل تتجاوزها لتشمل مجموعة من الانشطة الطقوسية التي يتجمع فيها المؤمنون ويلتقون سويا ويظهر جليا في مثل هذه المجتمعات الاحساس بالتضامن الاجتماعي حيث يشعر هؤلاء بالتواصل مع قوى علوية ويرتقون الى مراتب عليا بعيدا عن المشاكل اليومية في الحياة الاجتماعية وهذه القوى المنسوبة الى الطوطم ماهي سوى تعبير عن غلبة روح الجماعة على النزعة الفردية . يرى دور كايم ايضا ان الدين ليس سلسلة من المشاعر والانشطة بل هو القالب الذي تتحرك فيه انماط التفكير لدى افراد الثقافات التقليدية وكان دور كايم يعتقد ان تأثير الدين سينحصر مع تطور المجتمعات الحديثة وسيحل مكانه التفكير العلمي غير أنه يعترف أن الدين قد يستمر بأشكال بديلة قد تدور حول القيم الانسانية والسياسية. 3/-ماكس فيـبـــــر : قام فيبر بدراسات كثيرة حول الهندوسية و البوذية و اليهودية القديمة الى جانب دراسته لآثار المسيحية في تاريخ الغرب في عدة مؤلفات من ابرزها " الاخلاق البروتستانية و روح الرأسمالية " كما انه لم يستكمل دراسته عن الدين الاسلامي و ركز في دراسته على الاديان عن الترابط بين الدين و التغير الاجتماعي ، ويرى ماركس بأن الدين بشكله التقليدي سوف يختفي. بل لابد من أن يختفي نظرا إلى أن القيم الايجابية التي يمثلها الدين قد تكون نموذجا هاديا لتحسين الأوضاع البشرية على هذه الأرض. وليس لأن هذه القيم والمثل العليا مغلوطة بحد ذاتها. وعلينا من وجهة نظر ماركس أن لا نخشى الآلهة التي صنعناها بأنفسنا. وأن لا نضفي عليها المثل والقيم العليا التي يمكن للبشر أنفسهم أن يحققوها. وأعلن ماركس في إحدى عباراته الشهيرة قائلا: بأن* الدين هو أفيون الشعوب *. فالدين يرجئ السعادة والجزاء إلى الحياة الأخرى. ويدعو الناس إلى القناعة و الرضا بأوضاعهم في هذه الحياة. و يؤدي ذلك إلى صرف الانتباه عن المظالم و وجوه التفاوت و اللامساواة في العالم. و الهاء الناس بما يمكن أن يكون نصيبهم في عالم الآخرة. و ينطوي الدين على حسب ما يرى ماركس على عنصر إيديولوجي قوي: إذ أن المعتقدات والقيم الدينية تستخدم في أكثر الأحيان لتبرير جوانب اللامساواة في مجالات الثروة و السلطة. إن عبارة مثل * الضعفاء سيرثون الأرض * على سبيل المثال تحمل معنى الخضوع وعدم التصدي للقمع. و هكذا فإن ماركس حاول إيصال فكرة مهمة وهي كيف تسخر طبقة اجتماعية الدين في صالحها لتخدم مصالحها الشخصية دون الطبقة العريضة والمتمثلة في البوليتاريا . إسهامات المسلمين في مجال تاريخ الأديان:
يدعى الغرب أن علمائه هم أول من طرقوا باب هذا العلم والحقيقة غير ذلك فعلم تاريخ الأديان علم عربي اسلامي عمره 14 قرنا من الزمان حيث ان القرآن الكريم هو أول كتاب في علم تاريخ الأديان فهو يعترف بما هو حق في كلا من اليهودية والمسيحية وينكر كل ما هو باطل فيهما فالقرآن لم ينتقد الديانة بل انتقد الممارسة كما أن القرآن الكريم يدعوا إلى تحكيم منهج العقل بل ويدعوا إلى ضرورة أمعان النظر والتفكير لذلك نجد أن أبن حزم الظاهرى عندما أنتقد الكتاب المقدس لدى المسيحيين لم يبني أنتقاداته على مجرد هوى أو ميول شخصية أو نزعة انتقامية بل على أساس التفكير والمنطق السليم وهو ما أشاد به الغرب نفسه ولا يستطيع أحد ان ينكر فضل بن ريحان البيرونى على المذهب الفينومينولوجى فقد دعا إلى ضرورة دراسة الدين في اصوله الأولية لا الثانوية فقال كلماته الشهيرة :" انا نفسى سأذهب للهند واتعلم اللغة وأتتلمذ على ايدى رجال الدين والكهنة متعاطفا معهم في دينهم حتى افهم جوهر هذا الدين كى استطيع الحكم عليه". أ /- إبن خلدون : وهو اكثر ما يمكن اعتباره من كتاب الاجتماع الديني خاصة فيما كتبة عن الخلافة الاسلامية والتي راى فيها اربعة نقاط اساسية هي (العلم ,العدالة,الكفاية,سلامة الحواس) وتعرض للخلافة القريشية وناقش الاراء حول ذلك وتعرض ايضا لوظائف الخلافة ويراها فى الصلاة والقضاء والجهاد وسك النقود وانتقل بعد ذلك الى دراسة اثر الحضارة الاسلامية فى العلوم والمعارف واهمية التربية فى الاستفادة من هذه الحضارة فى رفعة المجتمع الاسلامى
عموما لم يركز ابن خلدون على التربية الدينية فقط مع اهمال القيم الدينية بل يجب الاتزان فيما بينهما اضافة لللاهتمام بأمور العدالة عموما كانت اراء ابن خلدون متاثرة بالبيئة الدينية التى ظهر فيها لذلك اعتبر الدين احد المقومات التى تغرس فى الاجيال القيم والاصالة فضلا عن مساعدة الافراد على التماسك والتضامن واستمرارية المجتمع وتحقيق اهدافه العلمية والتربوية و الحضارية . ب /- البيروني : وفيها درس البيرونى المجتمع الهندي ودياناتة وقارن ذلك بما فى المجتمعات الاسلامية العربية خاصة فيما يتعلق بامور الدين واللغة والنظم الاسرية والقضائية والطبقية والسنن الاجتماعية وغيرها ,عموما ناقش البيرونى اوضاع الديانات الهندية خاصة عبادة الاصنام والمعتقدت حول ذلك وكيف ان يخالف هذا الديانة الاسلامية . ج /- الفارابي : من اشهر مؤلفاته آراء المدينة الفاضلة وفيها قسم الفارابى المجتمعات الانسانية الى قسمين اولهما مجتمعات كاملة وغير كاملة ,المجتمع الكامل وهو ما يتحقق فية التعاون الاجتماعى بشكل كامل ويكون بداية لمجتمع أعظم يشمل العالم كله ويكون فيها تحت سلطة حكومية واحدة ورئيس واحد
الخاتمة: ان علاقة الدين بالمجتمع علاقة اجتماعية حيوية يجب ان تدرس وتبحث وفق منظور علمي ذلك لما لها من مكانة فاعلة ومنفعلة في منظومة المجتمع ومفاصله.. وبخاصة في الدول العربية.. ولهذا خصص علماء الاجتماع الغربيون علم الاجتماع الديني يقوم بتحليل الظاهرة الدينية وتركيبها من جديد من أجل وضع الدين في مكانه المناسب كعلاقة روحية بالفرد لها استقلاليتها بعيداً عن التوظيفات الايديولوجية والسياسية والثقافية على عكس التوظيف الديني والسياسي للإسلام كأيديولوجية في حالة صراع على الهوية والأصالة مع الحداثة.. ان علم اجتماع الديني ولد من رحم تساؤل علم الاجتماع حول العصرية، والغريب او الطريف ان من ساهم في تطوير هذا العلم في اوروبا.. هي الاوساط الدينية المسيحية، كما أكد ذلك (جان بول ) في كتابه (الاديان في علم الاجتماع).. حتى ظهرت تخصصات في (علم اجتماع الكاثوليكية)
وفي النهاية يمكن القول إن المعتقدات الدينية التي تعترف بوجود قوة قاهرة مقدسة صانعة لهذا الكون، موجودة في كل المجتمعات الإنسانية بلا استثناء، وفي ذلك يقول الدكتور عبد الحميد لطفيالنظم الدينية موجودة في كل المجتمعات الإنسانية لأنها تسد حاجات اجتماعية هامة، فالدين يدفع الأفراد إلى تغليب مصلحة الجماعة على مصلحة الفرد، كما يساعد على تكامل شخصية الفرد وتقوية روحه المعنوية فيدفع عنه الخوف ويحيي فيه الأمل بما يبثه فيه من قوى خارقة تتمثل في قوة الإله الذي يقدر على مساعدته. وللنظم الدينية دور هام في تكامل المجتمع عن طريق شعائره التي تؤدي وظيفة العاطفة الجماعية المشتركة، والتي تذكر الفرد وهو غارق في حياته المادية وأنانيته وشحه بولائه لجماعته ولقيمها العليا)
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad

علم الاجتماع والظّواهر الدّينية المعاصرة



 نصّ: جون بول ولاّم- ترجمة: عزالدّين عناية  

تتجلّى أمام عالم اجتماع الأديان اليوم تمظهرات شتّى للدّين، متمثّلة في حركات دينيّة جديدة، وأصناف مختلفة من التشدّد الدّيني، ونماذج متنوعّة من التوليفية والمسكونية، وأيضا علاقات متوتّرة بين الأديان، مع ارتفاع المناداة بهويات مميّزة عرقية وسياسية في عديد البلدان، وكذلك أنماط من التديّن العلماني، وتمازج بين الدّين وادعاءات الإشفاء، مع تطوّرات نحو أشكال من الاعتقادات الليّنة والنفعية (الدّين الجاهز)، تشهد كلّها بشكل أو بآخر على ديمومة الأهمية الاجتماعية للدّيني حتى داخل المجتمعات العَلمانية الذّائعة الصّيت.
الحركات الدّينية الجديدة:
لقد شدّ انتباه عديد علماء الاجتماع، خصوصا البريطانيين منهم، مثل إلين باركر وجيمس. أ. باكفورد وبريان ولسون، ظهور تجمّعات دينيّة جديدة، ذات مرجعيّات تراثية شرقية، في قلب المجتمعات الغربية ذاتها، محبّذين تجاوز نعتها بكلمة نحل إلى تسميتها بالحركات الدّينية الجديدة. يمكن أن تكون التّسمية محلّ تساؤل، فهل توجد بحقّ ظواهر مستجدّة؟ وهل تنبع كلّها من الدّيني؟ فلكل من تلك الحركات ينبغي طرح تلك التساؤلات على حدة.
ولكن لابأس من المحافظة على تلك التسمية لنعت، ولو بصفة إجمالية، الشّتات المتنوّع للوقائع الاجتماعية الدّينية التي تطوّرت في مجتمعات شتى خلال العقود الأخيرة. وحتى وإن ضُخِّمت الظاهرة من طرف الإعلام فإن هناك اتفاق بشأنها، فقد احتلّت مجموعات حيزا في الفضاء الغربي وغير الغربي، نذكر أمثلة ثلاثة على ذلك: كنيسة العلمولوجيا -Scientologie، والسوكا جاكاي –Soka Gakkaï-، وما أطلقت عليه فرانسواز شمبيون "الكوكبة الصوفية الغيبية".
- كنيسة العلمولوجيا: تمّ بعث هذه الكنيسة سنة 1954، من طرف الأمريكي رون هوبّارد (1911-1986)، وقد انشغلت بالديانتيك، وهو علاج إشفائي يعرض بصفته علما حديثا للصحّة العقليّة. تمّت بلورته مع الكاتب المذكور سنة 1950، انطلاقا من العلاج النفسي، والذي تحوّل لاحقا إلى ديانة. وقع التشكيك فيه منذ سنة 1950، من طرف جمعية علماء النفس الأمريكيين. وبحسب الاعتقاد العلمولوجي، تواجدت قبل خلق الكون أرواح مطلقة العلم وخالدة، تسمّى ثيتان، وجرّاء الأصل الرّوحي للإنسان فهو ثيتان حلّ في جسد، مرّ عبر ألوف الكيانات البشرية. وعبر الإصغاء الديانتيكي، والعلاج العلمولوجي، يصبح الإنسان مهيّأ للتحرّر والتحوّل إلى ثيتان إجرائي، أين يعثر بداخله على الحرية وعلى الثيتان الكامن فيه.
تضمّ العلمولوجيا تنوّعات متفرّقة، فهي نظرية نفسية أين يماثل الجهاز النفسي الحاسوب، وهي منهج لتطوير الذات، وتوظيف للتكنولوجيا أين يستعمل جهاز يسمّى الكهرومتر وظيفته تفريغ شحنات المشاعر، وفلسفة دينية تتحدّث عن المافوق طبيعي دون التحدّد بإله معيّن، وتنظيم موغل في البيرقراطية المؤسساتية. تبدو آثار الحداثة جليّة على هذه الحركة، فهي ديانة معروضة في ثوب علمي وقابلة للاختبار بشكل تجريبي. وقد زعمت العلمولوجيا في بعض الأحيان التعويض للمؤمن-التبيع في صورة عدم رضائه، إذ تبغي هذه الكنيسة التنظّم عقلانيا. وبحسب دراسة قيّمة لرُوي والّيس حول هذه الحركة، يظهر هيوبرت بمثابة "نبي بيرقراطي"، في حين رأى آخرون في العلمولوجيا أنها "بوذيّة تكنولوجية". وعلاقات هذه الحركة مع الفضاء الاجتماعي المتواجدة فيه محكومة بالتوتّر، بفعل ما تلوّح به من دور اشفائي وديني غير مجاني، لذلك تضمّ كنيسة العلمولوجيا زبائن لا أتباع. ومن اللاّفت التنبّه كون الأفراد المشايعين للعلمولوجيا، هم من الشّرائح المترفّهة نسبيّا والمندمجة بنجاح في النّسيج الاجتماعي، ويفوق عدد الرجال النّسوة فيها، والملاحظ في الولاء للعلمولوجيا أنه لا يلغي الانتماء لغيرها.
ويرى ب. ولسون أن العلمولوجيا هي علمنة للطرق المؤدّية للخلاص، جرّاء ما توفّره من وسائل تقنية باحثة لإزاحة التشنّجات الشّعوريّة الطّارئة. من ناحية أخرى فالله مقدّر لديها بمثابة قوّة أو روح، وليس معبودا يصلّى له ويترجّى بانتظام. فذلك التصوّر لله له آثار على مستوى الشّعائر والأخلاق، ومن شأنه أن ينتج تديّنا فاقدا للحميمية الجماعية، وتقوى خالية من الخضوع، إنه تديّن ذو صبغة عصرية جليّة، باحث على دعم الكيان الذاتي.
- السوكا جاكاي أو "جماعة خلق القيم"، عرفت الظهور في اليابان سنة 1937، وهي منظّمة دينية خاصة باللاّئكيين، تنتسب للإيمان البوذي على طريقة نِشِران شُوشي الذي تواجد خلال القرن الثالث عشر ميلادي. عرفت الحركة بعد سنة 1945 انتشارا واسعا في اليابان، أين أسّست حزبا سياسيا يسمّى الكميتو، يهدف للتحضير لانبلاج حضارة ثالثة تمزج بين المادية والرّوحانية، منطلقها البوذية. مدفوعة بذلك البرنامج الإصلاحي ذي الخاصيات الاجتماعية الثقافية، انشغلت السوكا جاكاي العالمية بنشاطات عدّة داخل المؤسّسات الدّولية، بصفتها منظّمة غير حكومية ترنو لإرساء السّلم العالمية. إنها تشكل جزءا من الدّيانات الشّرقية التي انتشرت في بقاع شتى من العالم، وخصوصا في الغرب.
في فرنسا أتباع السّوكا جاكاي هم في الغالب من ذوي المستويات الثقافية الرّاقية، وفي بريطانيا ينتدب الأعضاء خصوصا من بين أصحاب المهن التربوية، والطبّية والفنّية-76% منهم لم ينخرطوا في أي تنظيم ديني-. ولا يستلزم الانتماء للسوكا جاكاي هجران العالم أو الحياة الجماعية، بصفة الفضاء الاجتماعي هو ميدان النشاط، بل يُلزِم فقط بحضور بعض اللّقاءات فحسب. والانتماء مشروط بترتيل الـمَنْتَرا -نصّ من كتاب الفيدا الهندي- كلّ يوم أمام مذبح منزلي، أين يتربع النشِران، عبر التضرّع لغوهنزون غاية بلوغ السّلم الباطنية. والجليّ في السوكا جاكاي تميّزها بنشاط حثيث، فهي بوذية نفعية، أكثر من كونها تحكّما بالرغبة، تسمح بتجاوز الخيبات وكبح العذابات.
- النوع الثالث لا يشكّل جماعة محدّدة، ولكن كوكبة من التجمّعات تتّصف بليونة الانتماء، بينها يترحّل الأتباع بكل حرّية دون انخراط دائم وثابت. هي شبكات التفّت حول بعض المجلاّت، أو المكتبات، أو مراكز الترويض، أو تطوّرت كذلك حول منتديات المحاضرات التي تعرض تجارب وأبحاث ذات طابع روحي.
حيث نجد تقاليد باطنية موغلة في القدم، وعلوما غيبية، وحركات اشفائية، وتيارات صوفية، إنها حركة غير جليّة الحدود تشمل ممارسات متنوّعة. يضبط علماء الاجتماع خصائص مشتركة بينها، منها البحث عن الخلاص عبر السعي لبلوغ السّكينة في عالمنا؛ والتثمين للتّجربة الخاصة بما لها من صلة بالاختبار الذاتي، لا بصفتها ضربا من الاعتقاد المسقط، حيث يلزم كل فرد العثور على الطريق التي تنبغي له؛ والإيمان الشمولي بوحدة أساسية بين الكائنات والجمادات فيها الشعور بالانتماء إلى كلّ متّسع؛ والائتمان على الذّات والتطوير لفكر وضعي. وقد كشف ف. شمبيون عن اعتقاد تلك الشّبكات الصّوفية الغيبية في صلة وثيقة بين العلم والدّين، لما لها من تأويلات علمية لمفاهيمها الدّينية. بالإضافة، عاين ج. ب. رونار في دراسته للاعتقادات الخفيّة تواجد توليفية علمية دينية لديها.
تعرض الأمثلة الثلاثة بعض الخصائص الأساسية المشتركة بين هذه الحركات الدّينية الجديدة، إذ تبدو أحيانا متطوّرة جدّا في مجال التنظيم وفي استعمال التقنيات الدعائية. كما يحوز الاختبار الذاتي لديها قيمة عالية، فالأفراد مدعوون لتفحّص حرّ للتوجّه الذي يحقّق لهم سعادتهم، أكثر من كونهم ملزمين بالتقيّد بجهاز عقدي محدّد. حيث السّلطة الدّينية ممارسة بطريقة حاذقة، وحتى وإن كانت الممارسات المقترحة مرسومة بشكل مضبوط، يبقى الفرد دائما مدفوعا باتجاه ذاته. إنه دين للاّئكيين أكثر من كونه دين إكليروس، فالأفراد هم المعنيون بوضع أسسه وقواعده. بإيجاز، يتّجه دين هذه الحركات لعالمنا الأرضي، وبهذا المعنى فهي شهادة جليّة على النّظام الاجتماعي القائم، عبر ما تضفيه من مسحة اجتماعية على القيم السّائدة.
وبحسب المعاينات نلاحظ اهتماما جليا بالمشاعر، أو بصورة أوضح بالتحكّم العقلي بها. وتشكّل تلك الشبكات، المنسوجة من طرف تلك الحركات ذات الصبغة العالمية، محطّات متعدّدة الجنسيات للخيور الخلاصية. تميزها ليونة الاعتقادات، وسهولة المشاركات، ويسر الانتماء والتحوّل والعبور من جماعة لأخرى. كما تبدو هذه الحركات منفتحة بدرجة كبيرة، مقارنة بالدّيانات الحالية، حيث تقبل بالانتماء المتعدّد، مطوّرة نظرة شمولية باحثة عن المصالحة بين مظاهر التعارض الكلاسيكية، بين الفرد والمجتمع والكون، وبين الرّوحي والمادي، وتولي كذلك اهتماما كبيرا للصحّة، حيث تزعم أنها صنو اشفائي للطبّ المدني.
إننا نمرّ بشكل خفيّ، كما عاين بيار بورديو، من علاج الأبدان إلى علاج الأرواح، وبالعكس أيضا. لذلك نتردّد عند الحديث عن الطابع الدّيني المحض فيما يتعلق بتلك الحركات. ومن ناحية أخرى، إذا ما كان عدد منها قد عرف الظهور أخيرا في المجتمعات الغربية فقليل منها من مثّل جدّة جذرية. فيكفي أن نتوجّه نحو السّاحات الثقافية الإفريقية والآسياوية والأمريكية اللاتينية، لنعاين أن غليان تلك الحركات الدّينية والدوائر التوليفية، كان متواجدا منذ فترة متقدّمة. في النهاية، عديد من تلك الحركات تمأسست وأصبحت مؤسسات مغرقة في البيرقراطية تدنو من التحديد الفيبيري الترولتشي للكنيسة. كما يبقى ظهور تلك المنظّمات في المجتمعات المتطوّرة كاشفا عن كون الحداثة هي مسرح أيضا للإحداثيات الدّينية الحاملة لسمات جد متطوّرة. فقد تطور نمط من التديّن المتعدّد الأوجه خصوصا داخل المجتمعات الغربية، وقد رسم جون فرانسوا ماير بانوراما شيّقة لذلك في سويسرا. ولم تستثن الظاهرة روسيا، التي تعرف كافة أنماط الحركات الدّينية الجديدة التي ظهرت في الغرب بين سنوات 1970-1980.

الأصوليات والتقدّميات
تطوّرت مع الثمانينيات عديد الأنماط الدّينية الراديكالية، مثل الأصولية الكاثوليكية، والبروتستانية المتشدّدة، واليهودية التمامية، والحركة الإسلامية، والأرثوذكسية البوذية. وإذا ما كانت الظاهرة تعني بدرجات متفاوتة مختلف الدّيانات، فهل ينبغي وعيها ضمن رؤية موحّدة تتلخّص في الأصولية؟ ليس هناك شيء متأكّد، لأن كل تقليد ديني ينفرد بمنطق خاص، وأين الآثار الاجتماعية لتلك الراديكالية غير متماثلة.
يعود مصطلح الأصولية -Intégrisme- إلى الأزمة التي عرفتها الكاثوليكية، فترة إعلان الرسالة البابوية الاجتماعية الأولى (Rerum Novarum) سنة 1891. أين تواطأت رؤى متنوعّة تخطّط لإعادة اجتياح الكاثوليكية للمجتمع، سواء بإعادة تنظيم الكنيسة بحسب امتيازاتها السابقة، أو بأنجلة الأفراد في شتّى الفضاءات، مثل برنامج العمّال الكاثوليكي: "لنراجع إخواننا الكاثوليك". بشكل آخر ولّدت تلك الأزمة، كما بين إميل بولا، ضربين من التصلّب الكاثوليكي، أي وجهين من المعارضة الكاثوليكية الرّاديكالية للحداثة، المتجسّدة في اللّيبرالية السياسيّة واللّيبرالية الاقتصادية. مع رفض الانفتاح الاجتماعي والسّياسي على طريقة الكاثوليكية الاجتماعية، رفضت تلك الموجة الأصولية المبكّرة أيضا، المقاربة العلمية، اللِّغاوية والتاريخية، لنصوص الكتاب المقدّس. لقد تجلّى الخلاف حول الحداثة عبر إدانة ألفريد لويزي.
إنه حول مسألة تأويل قرارات المجمع الفاتيكاني II، أين تبلورت الأصولية الحالية التي تحبّذ نعت ذاتها بالسّلفية. تلك الحركة الممثّلة في شخص المنسنيور لوفابر (1905-1990)، الذي صدر قرار بحرمانه سنة 1988 بعد أن سام أربعة أساقفة، والذي تعترض حركته على عديد الإصلاحات والتجديدات المتّخذة في الكاثوليكية، كما تتطلّع إلى إحياء بعض الممارسات القديمة في العملية الطقسية، مثل القدّاس على سنّة بِـي الخامس، وعظة بِـي العاشر، اهتداء بتعاليم مجمع ترانت، واستعمال ترجمات قديمة للكتاب المقدّس. إنها ردّة فعل على التحوّل الدّيني، غايتها ردّ الاعتبار لبعض الصيغ الشعائرية السّابقة وتدعيم سلطة الكهنة ودورهم.
أما يتعلّق بالراديكالية الدّينية البروتستانية، التي ليست وليدة اليوم أيضا، فقد جرى نعتها بـ: -Fondamentalisme-. لقد رفض هؤلاء البروتستانت المفاهيم الداروينية بصورة خاصة، مرتئين أن تلك النظرية تزعزع أسس الكتاب المقدّس حول الخلق.
في الولايات المتّحدة وأثناء حقبة الثمانينيات، سعى بعض الأصوليين البروتستانت عبثا منع تدريس النّظريات البيولوجية، المتعلّقة بالتطوّر في المدارس العامة، بتعلّة أن ذلك التدريس يتضارب مع الحياد الدّيني للمدرسة. ففي تقليد ديني يولي أهمية للنّصوص المقدّسة –المعنى هنا الكتاب المقدّس بشقّيه التّوراتي والإنجيلي- بصفتها منبع الحقائق الدّينية. فليس مستغرَبا أن يتركّز الانتقاد المحدث من طرف الأصولية حول مسألة تأويل النصوص. فإذا ما كانت الأصولية الكاثوليكية ترنو لإحياء الممارسات الشعائرية السالفة، فإن الأصولية البروتستانية تلتقي حول البحث عن الوفاء لمقصد النصّ. وليس الأصوليون البروتستانت سلفيين يرفضون المجتمع المعاصر، بل نجدهم أحيانا يظهرون مقدرة عالية في التحكّم بتقنيات الاتّصال الحديثة، إلى جانب قبولهم باللّيبرالية السياسية والاقتصادية، مع سعي لإضفاء صبغة أخلاقية عليها. فهدفهم استقامة سلوك الناشطين والتزامهم طريق التقوى. حيث يسعون لإرساء الفضيلة -كما يعونها- وإضفاء مسحة أخلاقية على المجتمع، مع إظهار الوجه النشيط للمسيحية، أين يتكاتف الواعز الخلقي مع الفعل الاجتماعي. بخلاصة موجزة، الأصولية البروتستانية هي صرامة عقدية وأخلاقية أكثر من كونها تطرّف ذو طابع سياسي.
أما في الفضاء اليهودي فتتجلّى الراديكالية الدّينية عبر تيارين هامين: الأرثوذكس المتشدّدون والقوميون المتديّنون.
الأرثوذكس المتشدّدون: يرفض هؤلاء بصرامة حداثة المجتمع وعلمنته، حيث يلوّحون بيهودية تمامية، أي يسود نمط حياتي حسب التعاليم اليهودية، تراعى فيه بدقة التّعاليم الفقهية بشأن السّبت والميتسفوت -613 أمر ونهي موزّعة في التوراة-. فمع البعض، يعني ذلك الهجر بقدر المستطاع للمجتمع، لتجنّب الآثار السلبية النابعة عنه، وذلك حال جماعة ناطوري كارتا المستوطنة بحي الأرثوذكسية المتشدّدة، حي مي شريم بالقدس. بالنسبة للنّوع الثاني مثل الحاسيديين اللّوبافيتش، فإنهم وبطريقة مخالفة، ينخرطون في أنشطة مكثّفة داخل المجتمع غاية إعادة تهويد المؤمنين المتواجدين في المجتمع العلماني. تتَرجم ذلك على الساحة السياسية في إسرائيل، عبر الظهور خلال انتخابات 1988 لعدّة أحزاب دينية، مثل أغودات إسرائيل، الذي يعمل لأجل جعل الشّرائع الدّينية تهيمن على القوانين المدنية داخل مؤسّسات الدّولة وأنشطتها.
القوميون المتديّنون، يناضلون من أجل تحقيق إسرائيل الكبرى، ولهم طمع بتحقيق الاستيطان الدائم في الأراضي المحتلة خلال حرب الأيام الستة سنة 1967، تجسّد غوش إيمونيم -كتلة الإيمان- هذا التيار.
وتعتبر الجماعات ذات الخصائص النبوية والملتفّة حول زعيم ديني كاريزمي، كلاسيكية في تاريخ الأديان. فبقدر ما تنسحب من العالم بقدر ما تتكيّف، بشكل أو بآخر، مع فضائها الخاص، عبر تأويل مستجدّ للرّسالة النبوية، وعبر تنظيم لمواصلة رحلة التواجد. فبعض الحركات مثل شهود يهوه، تحوّلت إلى جماعات موغلة في البيروقراطية. إضافة لذلك، فبعض حالات الانتحار الجماعية داخل بعض الجماعات الدّينية، الجارية خلال السنوات الأخيرة، تعبر عن حالات متفرّدة تكشف عن بلوغ الراديكالية الدّينية نوعا من السلطة الشمولية، تتحكّم حتى برقاب أعضائها، كما الحال مع جيم جونس، زعيم معبد الشعب بغويانا سنة 1978، ومع دافيد كوريش زعيم طائفة الدافيديين بواكو-التكساس سنة 1993.
بشكل عام، ما تفرزه المسيحانية من تميز يعبّر عن احتجاج اجتماعي سياسي يمكن أن يبلغ أقصاه بتبني الانقلاب الثوري. كما أوضح ذلك ميكائيل لوي في دراسته عن اليوطوبيات التحرّرية، الناشئة في الأوساط اليهودية بأوروبا الوسطى، حيث "تتخذ بعض التشكيلات الدّينية دلالات سياسية، كما تتخذ بعض تشكيلات اليوطوبيات الاجتماعية مسحات دينية".
ولا تنخرط الراديكالية الدّينية كلّها ضمن طابع موحّد، من المحافظة والدفاع عن القيم المهدّدة بالتواري، إذ هناك أنماط يجوز نعتها بالتقدّميات، حيث يتشابك الدّين لديها بالاحتجاج الاجتماعي السياسي. إحدى الأمثلة المعبرة عن ذلك حركة "لاهوت التحرّر" بأمريكا اللاتينية، النابعة من الأوساط الشعبية، والناشطة خصوصا خلال السبعينيات والثمانينيات، في البرازيل وأمريكا الوسطى. إن الأمر لا يتلخّص فحسب في إنتاج نظري، يتطلّع لإعادة قراءة التراث المسيحي عبر تحيّز للمحرومين وسعي لتحرر اجتماعي وسياسي للكتل الشعبية، وإنما يتجاوز ذلك إلى تشكيل حركة اجتماعية متكوّنة من جهاز كنسي رسمي معبر عن شعبوية إكليروسية، وليس مجرّد حركة شعبية استطاعت بعض الجماعات المحرومة تسلّق سدتها.
فبحسب د. هـ. ليفين، يتميّز لاهوت التحرّر بثلاث خاصيات أساسية:
تأويل الإيمان المسيحي انطلاقا من عذابات المحرومين وترجّياتهم.
قراءة نقدية للمجتمع والإيديولوجيات.
انتقاد لنشاط الكنيسة والمسيحيين، معبّر عن وجهة نظر الفقراء.
فعبر الدفاع عن الحريات الديمقراطية والدّعوة لترسيخ مبدأ انفصال الكنائس عن الدّولة، طوّر لاهوت التحرر، كما بين م. لوي، انتقادا هاما لبعض مظاهر الحداثة السلبية، مثل الرأسمالية، والفردانية، وخوصصة الدّين، وإيديولوجيا التحديث لدى نخب أمريكا اللاّتينية. بحسب م. لوي هناك إعادة بعث معاصر للتراث، ولّد تفجّرا مزدوجا بين الحداثة والتراث، بين الدّين والعالم المدني.

الأديان والسّياسة
تربط التقدّميات بشدّة، كما هو شأن الأصوليات، بين الدّين والسّياسة، إذ ليست تلك الصّلة حكرا على الحركات الدّينية فحسب. نجد أعمال جورج بالانديي تحلّل عديد أوجه تلك الارتباطات، خصوصا التي تجلي الوحدة الجامعة بين النّسق والرّمز. فلطالما أضفيت على السّلطة شرعية مقدّسة، وما نشاهده من استقلالية السّياسي عن كلّ هيمنة دينيّة، كما هو جار في الغرب، هو المنتهى الطبيعي لمسار تاريخي طويل. إذ تحرّر السّياسي عن الدّيني لم يبرز فجأة، فعادة ما تترجم في تقديس لما هو علماني. بشكل مغاير إذا ما تحول السّياسي أحيانا إلى دين فإن الدّين بالمثل قد يتحوّل إلى سياسي أيضا. سواء عبر إضفاء شرعية على الواقع المعيش، أو بالعكس عبر نمط احتجاجي من خلال مباركة التغيير الاجتماعي السياسي. فحتى الجماعة التي تلوّح بالانعزال عن مشاغل الحياة الاجتماعية تنجرّ عن مواقفها آثار سياسية. فليس هناك شكل للحديث عن الله في استقلالية تامة عن المجال السياسي، لأن كلّ لاهوت يروّج رؤية خاصة عن الواقع الاجتماعي، حتى وإن جاءت تلك الرؤية مضمَرة. يبقى الاختلاف جليّا بين الجماعات الدّينية ذات الطابع الكنسي وذات الطابع النِّحلي، حيث تتميّز الآثار السياسيّة للجماعة الدّينيّة المتغلغلة في المجتمع، والمحققّة لوئام معه، عن الجماعة التي تعيش قطيعة مع وسطها الاجتماعي الثقافي. فمن وجهة نظر نموذجية نلحظ الأولى تدعم إقرار الواقع والثانية تثير الاحتجاج عليه. ولكن هذا لا يمنع وبصفة إجرائية من ملاحظة ممارسة المؤسسات الدّينية المستقرة وظيفة نبوية، في حين الجماعات التي في قطيعة تعيش تكيفا اجتماعيا مع القيم السائدة. فيمكن أن تخفي اللاامتثالية الإقرار، ونقيضتها يمكن أن تعبر عن الاحتجاج.
وغالبا ما دمجت الوحدة السياسية مع الوحدة الدّينية، فالمبدأ القائل: كما تكون الدّولة يكون الدّين –Cujus regio, ejus religio- رسم الخارطة الدّينية لأوروبا، وفي عديد الفضاءات الاجتماعية في العالم، مثل دولة الباكستان الإسلامية، التي تسير حسب التعاليم الدّينية. فاستقلالية السّياسي تسير سويا مع الإقرار بالتعددية الدّينية، وأي اعتراف يعني أن الوحدة الوطنية قد تمر عبر طريق مغاير للتقليد الدّيني، وأن المواطنة قد تتحقّق في غياب الإبراز للوجه الدّيني، والثورة الفرنسية جلية التعبير عن ذلك الأمر. ولكن من اللاّزم التنبيه، أن تلك الثّورة قد أضفت نوعا من التّقديس على ما هو سياسي.
فكما أوضح باتريك ميشال في حالة أوروبا المسَفْيتَة، بإمكان الدّين أن يتحوّل إلى حاجز منيع يواجه السّلطة الكلّيانية، التي تخطّط لحشر المجتمع المدني تحت مظلّة السياسي، رافضة ترك الاستقلالية للديني. ذلك أن الدّين في الأنظمة الشيوعية قد حضر ضمن ثلاثة أنساق فاعلة، مضاد للاغتراب على مستوى الفرد، ومضاد للكلّيانية على مستوى الجماعة، ومضاد للسّفْيَتة على مستوى الدّولة. ففي الصّين وكما بيّنت فرانسواز أوبان، ترافق أفول الشيوعية مع انبعاث الدّيانات التقليدية، مثل الطاوية والإسلام والمسيحيّة، فالفائض المادي الناتج عن اللّيبرالية الاقتصادية والإيديولوجية في الثمانينات، جرى اسثماره، ليس في نعم استهلاكية فحسب، ولكن في تشييد فضاءات عبادية أيضا، وتنظيم احتفالات جماعية مكلفة. فبعد أن كان الدّين مخزنا تُستمدّ منه الشّرعية للنّظام الشّمولي، تحوّل لإدانة صارخة لانغلاق المجتمع على ذاته. ذلك الدفع للدّين للواجهة الأمامية للاحتجاج على الشّمولية، لما للدور الذي يمكن أن يلعبه كما كان شأن الكنيسة الإنجيلية في ألمانيا الشرقية سابقا، يبرز التأثير الاجتماعي السياسي للدّين في بعض الحالات. وفي نفس الوقت لا تعني تغيّرات الدّيني بالضبط حيوية مستجدّة، بل ظرفية مناسبة لظهور ما يسمّى بممارس الطقوس غير المؤمن.
فبسقوط النّظام الشمولي، أصبحت الكنائس، أماكن الصلاة والعبادة، مفتوحة للأشخاص المعنيين بذلك. وكما لاحظ ب. ميشال، انه إذا ما ساهمت الكنيسة الكاثوليكية في دفع المجتمع البولوني نحو تحقيق حداثته السياسية، فإن ما ينبغي عليها اليوم هو ترسيخ تلك التعددية، والاكتشاف بنفسها، كونها ليست سوى توجّه من التوجّهات المقترحة، للأفراد الباحثين عن استقلالهم.
وعلى مستوى التوجّهات السّياسية المستوحاة من تتبّع السلوك الانتخابي، يعاين علماء الاجتماع أن العمل الدّيني جليّ الأهمية. فقد بين جوي ميشلا وميشال سيمون في مؤلّفهما: "الطبقة والدّين والسلوك السّياسي" -1977-، أن درجة الانتماء للكاثوليكية، تبقى المحدّد الأساسي للموقف السياسي للفرنسيين. مما لا يحد من تطوّر نسبي نحو تعدّدية سياسية داخل الجماعة الكاثوليكية. وفي ألمانيا، برغم التعددية، لاحظنا خلال الثمانينيات، صلة متينة بين التصويت لحزب (CDU) والكاثوليكية من ناحية، والتصويت لحزب (SPD) والبروتستانية من ناحية أخرى. وفي أمريكا اللاّتينية وكما لاحظنا، يمثّل لاهوت التحرّر توجّها دينيا مواليا للمحرومين، مما مكّنه من إشاعة تشكيك في البنى الاجتماعية السّياسية القائمة. وفي الولايات المتّحدة دعمت الأغلبية الأخلاقية –Moral Majority- رونالد ريغن في اعتلاء سدّة رئاسة الجمهورية. وفي الهند ينادي حزب بَراتِيا جَناتَة بدولة هندوسية، ويتّهم لائكية النّظام السّياسي الهندي الذي يضمن التعددية الدّينية.
يتدخل العامل الدّيني في السّياق الاندماجي لدى الأوربيين، فاليوم سواء على مستوى الاتحاد الأوروبي أو على مستوى المجلس، يؤكّد العديد على أهمية التراث الدّيني في تدعيم الهوية الحضارية المشتركة بين الأوروبيين. تبقى الصّيغة التي يُعبّر بها عن تلك الهوية مثار جدل واسع في الأوساط الدّينية واللاّئكية. كما تبقى المسألة الأساسية تدور حول القبول بالمجتمع التعدّدي وبلائكية المؤسّسات العامة، وهو ما يمثّل تحدّيا للدّول ذات التراث الأرثوذكسي، التي تواجه تعدّدية دينية جرّاء الانفتاح الديمقراطي، برغم ما تحوزه كنائسها الوطنية من حظوة لدى جهاز الدولة وما تربطها من علاقات مع الدوائر السياسية. فإذا ما كانت القوى الدّينية تساهم في بناء الوحدة الأوروبية، فإنها تبقى أيضا عامل انقسام وصراع، وذلك ما يمثّله مأزق احترام الأقلّيات الدّينية عندما تتماثل الدّولة مع الدّين الغالب. فما كان الترحيب بالوحدة الأوروبية من طرف الأديان شاملا، إذ برغم حضور الإسلام داخل التّراث الدّيني الأوروبي، فإن المسلمين القاطنين في البلدان الأوروبية ما أدركوا بعد أن أوروبا "أرض إسلام". أما مع اليهودية التي طالما أكّدت على الدّولة الأمّة في تدعيم هويتها، فإن ما جلبه تشييد أوروبا من تشكيك في مقولة الدولة الأمّة، جرّها إلى إثبات هويتها عبر ذكرى المحرقة وعبر ممارسة الإحياء الدّيني.
فتأكيد السيادة السياسية غالبا ما يترافق مع منظومة شعائرية ورمزية تسعى لترسيخ نهج معين ذي طابع مجازي، بصفة الأمر تدعيما للرّابطة الجماعية في أبعادها الاجتماعية المتعالية. إنها تلك الظاهرة التي ننعتها بالدّين المدني، والتي بالإمكان حصرها في منظومة من الاعتقادات والطّقوس، بفضلها تضفي الجماعة قداسة شاملة على كيانها وتنسج هيبة جامعة تجاه نظامها. إذ أي تكتّل سياسي ينبغي أن يولّد باستمرار إحساسا بالترابط والوحدة بين الجماعات التي يسوسها. فصياغة تصوّر للتاريخ الخاص، عبر تقدير للتضحيات المبذولة، وتقديس رمزي للرابطة الجماعية المتجسّدة في أعلام وأنصاب، من شأنه أن يولّد ويغذّي الولاء الجماعي تجاه الوطن. وإن كان هناك مقدّس لاديني، لزم النظر أيضا في الأديان لإثبات أن عديد المرجعيات العلمانية لا تفي بالأمر. ففي بلدان الشّرق كان مصير الأديان المدنية، التي ألغت كل مرجعية دينية الإفلاس. في أندونيسيا اكتسى الدّين المدني شكل إيديولوجيا توليفية تلقّن في المدارس، حتى تكون القاعدة الرّمزية المشتركة بين كافة المواطنين، أيّا كانت انتماءاتهم العرقية والدّينية. فإيديولوجيا البانكاسيلا مؤسّسة على دعائم الإيمان بالإله الواحد، والوحدة الأندونيسية، والديمقراطية والعدالة الاجتماعية. وفي اليابان تشغل الشنتاوية تلك الوظيفة، بعد أن خلفت الطقس الإمبراطوري. في فرنسا تطوّر ذلك الدّين المدني عبر المرور من المدنية السياسية-الوطنية للجمهورية المنتصرة إلى المدنية السياسية-الأخلاقية للدولة، المحتكمة للديمقراطية التعدّدية والمواجهة لشتى المخاطر الجماعية، إلى دين مدني لحقوق الإنسان ذي صبغة كونية، لا يلغي اليوم كما كان البارحة عناصر دينية بحثا عن مشروعية النظام الاجتماعي.

التوليفية المسكونية
تقدّم البرازيل بانوراما دينيّة معبّرة عن الظّواهر التوليفية. فالكاتِمْبو طقس الاشفاء، الذي تطوّر انطلاقا من نواة ذات أصل هندي؛ والكَنْدُمْبلي الدّيانة الإفريقية البرازيلية المميّزة، التي تدمج في أحضانها قدّيسي التراث الكاثوليكي؛ والأُمْبادا، التيّار الذي يؤوّل الدّيانات الإفريقية-البرازيلية والهندية-البرازيلية على ضوء نهج روحاني، كلّها تشكّل تعبيرات متمحوِرة حول تقاليد متنوّعة، كاشفة لحيوية تطوّرية للدّيني قادرة على صهر كافة المساهمات وإبداع أنماط مستجدّة. في تحليله للأديان الشعبية البرازيلية، يبيّن ر. موتا أن التضارب الذي يشكّله تنامي تلك الدّيانات، متواز مع لحظة تشهد فيها البرازيل تغيّرا سريعا في بناها الاقتصادية والاجتماعية. فعبر ذلك البحث عن الأصالة العرقية، النابعة من قلب السياق التحديثي البرازيلي، يلحظ ر. موتا سياقا آخر مضاد للعرقنة، حيث يتحدّث عما يسمّيه بابتلاع الهوية، ذلك الابتلاع على الشاكلة البرازيلية الذي يبدو لدينا معبّرا عن بعض أوجه الواقعة الدّينية في أشد لحظات الحداثة تطرّفا. إذ نصادف عديد سمات الحالة الدّينية المعاصرة، حيث التداخل بين التقاليد الدّينية المتنوّعة والتوجّهات التوليفية، وتواجد الدّين الذي يساعد على العيش في الظرف الراهن، والمعاينة المباشرة والاختبارية للمافوق طبيعي، والتجلّي الاحتفالي للدّين، وكذلك أين يحوز المحلّي مكانة جوهرية. إنه زمن المزج والتوليف، والتّماس والتداخل المتنوّع، بين مختلف التقاليد الدّينية. فالتوليفية هي إحدى الخاصيات الجوهرية للثقافة المعاصرة الحالية، كما هي أيضا إحدى أوجه الدّيني المعاصر جنب المسكونية.
يدفع الواقع التعدّدي الأديان لتوثيق صلاتها والتحاور فيما بينها، وهو ما لا يعني انتهاء الصّراعات بينها، حيث تتقدّم المسكونيات لإعادة ترتيب العلاقات الدّينية، تعوّض في ذلك الدبلوماسية المواجهات المباشرة دون إلغاء كلّي للعنف.
وتمثّل المسكونية لازمة للمجتمعات العلمانية والتعدّدية لحاجتها لدعاماتها لتسيير شؤونها بطريقة سلمية تنحو بعيدا عن أي إجحاف. وإذا ما كانت الدولة تثمن التعددية الدّينية، فإنها تهتم أيضا بالتفاهم بين الأديان. وللسّبب ذلك تقف مصالح الدّولة العَلمانية جنب التعدّدية الدّينية المتولّدة عن المسكونية المعتدلة، التي تعمل على تكريس الاختلاف الذي لا يقف حجر عثرة أمام الوفاق والتعايش السّلمي. فالدّولة تترجّى في نهاية المطاف من مختلف الأديان والتقاليد الفلسفية، أن يضفي كل منها وبحسب مساهمته، مشروعية على المبادئ الأساسية للديمقراطية التعدّدية.
فلمواجهة الجمود المؤسّساتي وتنامي النّفور من السّياسة، وأمام ضرورة جذب المواطنين نحو أخلاق مسؤولة كما الشأن فيما يتعلّق بالبيئة، لغرض حماية وتيسير الحياة الديمقراطية، لزم التنشيط الاجتماعي للإيديولوجيات الداعية للتضامن والأخلاقيات المسؤولة. ففي هذا الاتجاه تتحرك عديد الأحزاب والنقابات والمؤسّسات التعليمية ووسائل الإعلام، ومن اللاّفت معاينة ما أصبحت عليه السّلط العامة من توسّل للمؤسّسات الدّينية للعب دور في التربية الأخلاقية. إذ كثّفت تلك التوسّلات المسكونية الأخلاقية، ليس مع الاتجاهات المسيحية المتنوّعة فحسب، ولكن مع غيرها من الدّيانات أيضا.

أنماط التديّن العلماني
يتحدّث ريمون آرون عن الأديان العَلمانية، فيما يتعلّق بالنّازية والشيوعية، وضمن ذلك السّياق درس جون بيار سيرونو الأبعاد الدّينية للإيديولوجيات السّياسيّة. فعندما تتفَرْعن الإيديولوجيات السياسية، تتحوّل رؤى حول الإنسان والعالم معانقة لكافة مظاهر الوجود، وتنادي بأخلاقية مميّزة. حينئذ نستطيع الحديث عن الأديان السياسية. فأن تطرح تلك الأديان السّياسية ذاتها بدل الأديان وتصارعها أحيانا، مبدية طابعها الدّيني ورغبتها في الحلول محلّها، هنالك يمكن الحديث عن شكل ديني ذي طابع عَلماني، متطوّر إلى أقصى مطافاته، من خلال منظومات اعتقادية مضبوطة وممارسات دينية مسيّرة من طرف كهنوت سياسي. لقد عاينّا أنماطا مختلفة من الأديان اللاّئكية بدرجات متفاوتة من التطوّر.
فانتشار الدّيني في العَلماني بإمكانه أن يتّخذ أشكالا خفيّة، مع المحافظة على تطوّره، حتى يولد أنماطا ذات طابع ديني إشكالي، تنؤو عن أن تكون أديانا صرفة. ذلك ما وفّق في فحصه ألبار بيات في مسعاه لرسم خارطة للتديّن العَلماني. ففي منظوره تبدو أنماط التديّن العلماني مصوغة من أديان قوية، نابعة من مسار وفاقي، جنب الأديان التاريخية.
يضبط ك. برومبرجر مثلا، عديد مظاهر التماثل بين مقابلة كرة القدم والطقس الدّيني. فهناك مساءلة للأبعاد الأساسية للوجود: الحرب، الحياة، الموت، المنكحيّة. فجلّ الحيثيّات المتعلّقة بمقابلة رياضية داعية للتذكير بمناخ الطّقس الدّيني. أين يتواجد محتفلون بالقدّاس، وأتباع، وأخويات، وفضاء مقدّس... بالإضافة إلى سلوكات الأنصار، حيث يقيم البعض منهم نموذجا لمذبح محلّي على شرف فريقهم المحبّذ. ولكن برغم ذلك التشابه يلاحظ ك. برومبرجر أن هناك بعض المظاهر الأساسية المنقوصة للحديث عن الطقوسية الدّينية، مثل العمق الدلالي، أي الوجه الأسطوري أو الرمزي الجلي الذي يوضّح انتظام الوقائع ومعاني المشاعر. حيث يكون الشعائري محلّيا لذاته، وكذلك مظاهر تمثّل العالم، والخاصيات المتعالية، وثبات المعبودات. ففي كرة القدم سرعان ما يتغيّر النّجوم، بالإضافة إلى غير ذلك من العناصر المفتقدة التي تكشف عن محدودية القياس، وصعوبة التفكير في الرياضة كدين بديل.
ولكن ما المراد بدين النّجوم الذي تحدّث عنه إ. مورين منذ نهاية الخمسينيات؟ فهل بالإمكان الحديث عن ظواهر دينية انطلاقا من الحفلات الشعائرية للمغرمين بنجومهم؟ متسائلا م-ك. بوشال، عبر دراسته للتوقير الشّعبي للمغني كلود فرنسوا بعد مماته. فخطاب المعجبين وسلوكهم، المجتمعين في نادي: -Club Claude François for ever- يسمح برؤية توقيرهم له كحدث ديني. ويلاحظ بوشال، أن الدّين المسيحي هو الذي وفّر المصطلح والتصورات لإجلال كلود فرانسوا. فهناك نقل للجهاز الرمزي المسيحي إلى محل آخر مشابه، يصحبه إجلال من طرف المعجبين لكلود فرنسوا، حاز فيه مكان الورع الدّيني التقليدي.
من البيّن أن تحديد الدّيني في العَلماني يستلزم تعريفا جليّا للمسألة الدّينية، ولا ينبغي، كما قالت دانيالي هرفيي ليجير، رؤية الدّين في أي مكان، بعد افتقاده في كلّ مكان. في نفس الوقت، من الصعب عدم التفطّن في عديد الظواهر، لآثار دينية مخبرة عن تحوّلات قداسية، ودون الحديث عن أديان ذات طابع مميز. فنحن على اتفاق مع ك. برومبرجر، عندما يثبت ما ينقص الطقوسية حتى تتحوّل إلى شعائر دينية. نستطيع الإعلان وبكل يسر، أنه بقدر ما يصبح الدّيني المعاصر شائعا ومنتشرا، بقدر ما تتوفّر الفرص للعثور على آثار للدّيني في العلماني وعلى أشكال من التعالي والطّقوس متعلّقة بأمور شتى. مما ييسّر الحديث عن أنماط من التديّن العلماني وعن صعوبة تمييز الدّيني العلماني. إن الشّكل الأخير إحدى علامات الانتشار الدّيني المعاصر، كما تفطّن ألبار بيات لهجانته، بين الإيمان وعدم الإيمان، بين التراث والمعاصرة.

التحوّلات المعاصرة للاعتقادات في المجتمعات الغربية
حتى وإن واصلنا معاينة العلاقات الحميمة بين الممارسات الدّينية والاعتقادات، فإن شيوع الاعتقاد يبقى السّمة المميّزة للواقع الدّيني المعاصر. يتحدّث غراس دايفي عن التجربة الدّينية لدى البريطانيين بكونها تتمّ ضمن حالة اعتقاد دون انتماء –believing without belonging-، لتوضيح الكم المرتفع نسبيا للاعتقاد المترافق مع تراجع الانتماء الكنسي.
إضافة يترافق اهتراء التنظيمات المؤسّساتية للدّين مع تنام لأنماط مختلفة من التدّين. إذ نشهد في المجتمعات الغربية نوعا من الفردية والذاتية تتعلّق بالشعور الدّيني. إنها هيمنة تشكيل الذات -do it your self- في الجانب الدّيني، سواء في ما يعود لجانب الطلب أو العرض، للآثار الإيجابية للخلاص. فمن ناحية الطّلب، نلاحظ استقلالية الناشطين الدّينيين الذين يصوغون اعتقاداتهم وتجاربهم الخاصة بما أصبحوا عليه من حركية في انتماءاتهم. أما من ناحية العرض، فنعاين تطوّرا لمؤسّسات شتّى في ميدان الخلاص، ونشأة سوق متنافسة في الميدان. يجلو ذلك بين التنظيمات الدّينية وشبه الدّينية، كما يجلو أيضا في حضن المؤسّسات الدّينية الكبرى، مثل الكنيسة الكاثوليكية، التي أصبحت مخترَقة بعديد الحساسيات، مما دفعها لتوفير أنماط متنوّعة للمؤمنين حول كيفية عيش دينهم.
وتترافق فردية الشعور الدّيني تلك بسياق من الذاتية، فقد أصبحت كافة أوجه التجربة الدّينية، الفردية منها والجماعية، ذات قيمة عالية. تلك العودة للعاطفة الدّينية تتجلّى بتلوّنات مختلفة، تتنوّع بحسب التقاليد الدّينية. إذ نلحظ الالتجاء لمعيار جديد بشأن الحقيقة، إنه الاختبار، ذلك الذي يتم عبره التأكد من الآثار الإيجابية التي يجلبها الدّين.
فإذا ما أدركنا مع ر. لوميو أننا بصدد الولوج، إلى فضاء خيالي يتجاوز مقدرتنا العقلية والمنطقية، حيث يصوغ مخيالنا كينونتنا داخل العالم بخاصياتها المعرفية والعاطفية. عندئذ يتيسر لنا فهم، لماذا يحضر داخل المجتمعات العلمانية إيمان ثابت متجاوزا للعرضية. وإذا ما كانت الاعتقادات تمثّل مأسسةً للمخيال وتمتينا لعرى الصّلة بين الذات والثقافة، فإن الظرفية المعاصرة في المجتمعات الغربية، تتميز بأزمة في أقانيم الاعتقاد لا أزمة اعتقاد، حيث تظهر صعوبة الاعتقاد في حقبة اهتزاز العقائد. ففي زمن انتهاء الأسفار الكبرى يصبح الفرد مفتقِرا للثوابت، وتتفتّت المتانة المؤسّساتية المعهودة الرابطة بين الدال والمدلول.
إن نِعَم الخلاص لها انزياح للتفلّت من مبدعيها، والمدلولات التي تعبر عنها، قد تهاجر من تراث لآخر كما شأن الكلمات من لغة لأخرى. وقد تكون كذلك انتاجات محلّية نابعة من تجارب خاصة وغير خاضعة لأي احتكار تقليدي أو مؤسساتي. فاعتمادا على ميشال سرتو يؤكّد ر. لوميو أن فعل الإيمان أصبح في عطلة، ليتِيه في عالم الحس المتشعّب. في مقابل فعل النّشاط، الذي بات يتيما، مخلّفا قطيعة بين القول والفعل. لقد أصبحت التصوّرات فاقدة لأيّ مصداقية، وتحوّلت إلى علامات ظرفية غير مثيرة لأي تعبئة اجتماعية فاعلة.
فبحسب ر. لوميو، تولّد أيّة حالة تلغي الرّابطة بين الاعتقادات والجماعات، نزوعا للاستهلاك المكثّف للاعتقادات، ما دامت هذه الأخيرة فاترة الفاعلية. إننا نعيش ظهور الدّين الجاهز، أين الانسجام هو من إنتاج المستهلِك لا المنتِج، وأين باتت "المغازات الدّينية العامّة" مؤسّسات مركزية تُعنى بتنظيم أحوال الاعتقاد. ففي تلك السّوق لم تعد المؤسّسات الدّينية وحدها المعنيّة بتصريف شؤون الإيمان، إذ ما عاد الأمر راجعا لسلطة ما، بقدر ما صار الاحتكام فيه للمنفعة التي يسديها. كما لا يقع الهجر التام للتقاليد، وإنما يتولّد وفاء متضارب تجاهها، إذ تحفظ لوقت الحاجة لما لها من جدوى ونفع. فما عادت الاعتقادات دائمة الصلوحية، بل أصبحت إجابات نسبية عن احتياجات ظرفية ندرك عن تجربة تغيّرها. وليست الاعتقادات الدّينية، المدلولات المتأتية من تراث ديني محدّد مميز، إلاّ وجها من الأوجه، فهناك أصناف أخرى جنب الاعتقادات الدّينية. يميّز فريق الأبحاث الكيبيكي أنواعا شتى: اعتقادات ذات طابع كوني، وأخرى خاصة بالأنا أو متعلّقة بالجماعة، فكل من تلك الحقول تمثل حالة خاصة لتشكيل العالم وفهمه كحقيقة جلية.
فعديد التشكّلات المتّصلة بإعادة تنظيم الأنساق العَقَدية هي بصدد التكوّن. تميز ميشلين ميلوت أنواعا مختلفة منها: التوظيف الدّلالي المستجدّ، مثل إعادة تعريف مدلول الله من طرف الكاثوليكي؛ والتكامل الوظيفي، عبر إضافة معان أخرى لاعتقادات دينية تقليدية؛ والانزلاق المفاهيمي، عبر استيراد مدلولات أجنبية للفضاء الدّيني المسيحي، مثل التناسخ؛ والإلحاق لحقل من المعاني، عبر تأويل ديني محدث لحقول أخرى من المعاني؛ والتكادس الأقنومي داخل حقل الاعتقادات المولّد لحضور رؤى مختلفة عن العالم لدى نفس الفرد.
تشكّل تلك الأنماط المتنوعّة وحدة لا انفصام لها بفعل سلطة العقائد الدّينية الموحّدة المنسابة منذ الطفولة، إذ يتواصل حضور التكييف الاجتماعي سندا أساسيا. وباختلاف مع ذلك، تحضر السجلاّت العقدية الأخرى، المتعلّقة بالأنا والاجتماعي والكوني، في إعادة ضبط الدّيني وليس العكس. فالنموذج الشخصي للتمثّل الإلهي، المصدَّر من طرف المسيحية، ما عاد يحتلّ الثقافة الكيبيكية، يسجّل ريجنال ريتشارد أن 63,6% من الرّاشدين، و 58% من تلاميذ المدارس المستجوبين، لا يقبلون بأن الله شبه إنسان، وإنما بعدًا خفيّا متجاوزا للكون والأنا الاجتماعي. إننا نسير باتجاه تشكيلات تابعة للمقدّس متأتّية من جرّاء اعتقادات مستحدثة.
وتتفق نتائج الأبحاث المجراة سنة 1988/1989 حول الدّين لدى السويسريين، مع تلك المعاينة لدى الكيبيكيين بشأن فردانية الاعتقاد، وتعدّدية المرجعيات، والنزوع للاحتواء على أساس التراث المسيحي. يبيّن كلود بوفاي التمايز بين المستوى الاجتماعي والمستوى الفردي في وعي الدّين، بين الشّكل الذي نفهم به الدّين لدى الآخرين والشّكل الذي تعي به إياه ذاتنا. فقد أصبحت الرّابطة مع الدّين نفعية، تحوّلت من علاقة ثابتة إلى علاقة مرتابة، خصوصا بين الشرائح الشبابية. إذ أصبح الانشداد للتراث المسيحي فاترا، برغم تواصل احتلال الكنائس الكاثوليكية والبروتستانية بسويسرا، موقعا متقدّما في تصدير الرأسمال الرّمزي. في هذا البحث حول السويسريين تنبه م. كروغلر إلى النّسبة المئوية المرتفعة للإجابات بلا أدري. فقد لوحِظ تصاعد التردّد الذي يوحي بأن المعارف الدّينية، وكذلك إمكانيات التعبير عن الدّيني، أصبحت تطرح إشكالية لدى المستجوبين بشكل عام.
فبحسب تصنيف للاعتقادات أجري على طريقة كلوستر، ينقسم السويسريون بين مسيحيين متشدّدين 7%، ومسيحيين منفتحين 25%، ومتديّنين إنسانيين 51%، ومتديّنين جدد 12%، وإنسانيين بدون دين 4%. يظهر من جانب تأثّر الأنظمة الدّينية بمناخ اجتماعي ثقافي تعدّدي، وتراجع أعداد الذين تربطهم صلات أرثوذكسية بالمسيحية، فقط 7% من المسيحيين متشدّدين في مقابل 25% منفتحين؛ ومن ناحية أخرى يظهر أثر العلمنة الدّاخلية للدّيني مع ظهور قطب المتديّنين الجدد، الذي يفوق ثلاث مرّات من هم بدون دين. وهذه الأصناف المختلفة لا تتوافق مع الأصناف الممارسة، مما يؤكّد الطابع النّفعي للتديّن المعاصر. علاوة، فممارس الطّقس الأسبوعي، بعيدا عن كونه يتشكّل من المسيحيين المتشدّدين، فهو يعدّ أيضا نسبة عالية من المسيحيين المنفتحين والمتديّنين الإنسانيين. أما ما يتعلّق بالممارسات الدّينية الجديدة، خصوصا تلك العائدة لديانات الأسرار، فليست من خاصيات المتديّنين الجدد فحسب، ولكن المسيحيين المنفتحين أيضا.
إن التعدّدية تخترق بعمق الضمائر، فمع وجود تحوّل للدّين في قلب الحداثة، هناك أيضا تحوّل يدفعنا باتجاه تتبّع أثر العلمنة على العقائد وعلى الممارسات الدّينية للأفراد.


المقال فصل من كتاب:
Jean-Paul Willaime: Sociologie des religions, PUF/DELTA, France, 1995.
عز الدين عناية : أستاذ من تونس يدرّس بجامعة لاسابيينسا بروما.
إقرأ المزيد... Résuméabuiyad